
نبذة عن الكتاب:
يفسِّر عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذا الكتاب أوصاف المتَّقين الواردة في مطلع السُّورة، ويتتبَّع دلالات الألفاظ والتَّراكيب التي تصف علاقتهم بالقرآن والإيمان بالغيب والصَّلاة والإنفاق والوحي والآخرة، ثمَّ يبيِّن ما يترتَّب على اجتماع هذه الصِّفات من الهداية والفلاح. ويعتني في أثناء ذلك بالفروق الدَّقيقة بين معاني الألفاظ، ووظائف الصِّفات والضَّمائر وأسماء الإشارة وحروف الجرِّ، ويربط مطلع البقرة بالدُّعاء بالهداية في سورة الفاتحة.
ويفسِّر المعلِّمي الرَّيب في قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} بالشَّكِّ في صدق الخبر ونحوه، ويمثِّل له بالشَّكِّ في صدق المخبر أو في عفَّة من يظهر العفَّة، بل قد يستعمل فيما قامت أماراته ثمَّ وقع الشَّكُّ في تحقُّقه. أمَّا قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} فيحمله على الهداية المتحقِّقة لهم بالفعل؛ فقد اهتدوا بالقرآن ويهتدون به، ولا يمنع ذلك أن يكون القرآن هدايةً لغيرهم من جهة القوَّة والإمكان، لأنَّ المتَّقين أنفسهم لم يكونوا متَّقين قبل حصول التَّقوى والهداية لهم منه. ويجعل تفاوت نصيب النَّاس من هداية القرآن تابعًا لتفاوتهم في التَّقوى، فمن لم ينتفع به كان النَّقص من جهته.
ويجعل الأوصاف التي تبدأ بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} صفات كاشفة للمتَّقين، ثمَّ يفصِّل وظائف هذا النَّوع من الصِّفات. فمنها إحضار المعنى المجمل في ذهن السَّامع بصورة مفصَّلة حتى يكون أبلغ تأثيرًا، ومنها التَّنصيص على صفة قد يجهل المخاطب ملازمتها للموصوف أو يجحدها أو يشكُّ فيها. ويمثِّل لذلك بالإيمان بما أُنزل على النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، لأنَّ أهل الكتاب لا يسلِّمون بأنَّ الإيمان به من الصِّفات الملازمة للتَّقوى. كما يكون من وظيفة الصِّفة الكاشفة إخراج ما قد يتوهَّم المخاطب دخوله في الموصوف مع أنَّه ليس منه.
وعند قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} يرفض المعلِّمي تفسير الباء بمعنى «في»، بحيث يكون المعنى أنَّهم يؤمنون حال غيبتهم، كما يرفض جعلها للاستعانة بمعنى الإيمان بالقلوب. ويرى أنَّها الباء المعتادة في تعدية الإيمان، كما في الإيمان بالله عزَّ وجلَّ. ثمَّ يبحث دلالة «أل» في «الغيب»؛ فلا يحملها على الجنس لأنَّ ذلك قد يوهم كفاية الإيمان بشيء من الغيب، ولا على الاستغراق الذي يقتضي الإيمان بكلِّ غيب مطلقًا، وإنَّما يجعلها للعهد، أي الغيب الذي دعت الرُّسل عليهم السَّلام إلى الإيمان به، ومنه الإيمان بالله عزَّ وجلَّ وملائكته واليوم الآخر وسائر ما ثبت أنَّ الرُّسل أخبروا به.
ويرى في قوله تعالى بعد ذلك: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} تفسيرًا للغيب المذكور قبله؛ لأنَّ الإيمان بالوحي المنزل على النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وما أُنزل على الرُّسل من قبله يتضمَّن الإيمان بما يجب الإيمان به من الغيب. ويحتمل عنده أن يكون {مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} خاصًّا بالقرآن، فتدخل السُّنَّة بما تضمَّنه القرآن من الشَّهادة لها، كما يحتمل أن يشمل القرآن والسُّنَّة باعتبار أنَّ معاني السُّنَّة منزَّلة، ويجري الاحتمال نفسه في الوحي المنزل على من سبق من الرُّسل عليهم السَّلام.
ويخصُّ المعلِّمي الإيمان بالآخرة بمزيد من البيان عند قوله تعالى: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}، مع دخول الآخرة أصلًا فيما جاء به الوحي، لأهمِّيَّتها في تحقيق الانقياد للشَّريعة. فالامتثال يتوقَّف على الرَّغبة والرَّهبة، ولا تبلغ الرَّغبة والرَّهبة قوَّتهما المؤثِّرة إلا باليقين بالآخرة؛ لأنَّ أحوال الدُّنيا قد يبتلى فيها المؤمن ويُنعَّم الكافر، فلا يكفي ما فيها وحده لإقامة هذا المعنى. ولهذا لم يعبِّر عن الآخرة بمجرَّد الإيمان، بل باليقين الذي يثمر من الرَّغبة والرَّهبة ما يحمل على الانقياد للشَّرع.
ويفهم من تقديم الضَّمير في {هُمْ يُوقِنُونَ} قصر اليقين بالآخرة على أصحاب الصِّفات المذكورة، ويجعل في ذلك نفيًا لليقين الحقيقيِّ عمَّن خالفهم، ومنهم اليهود والنَّصارى وإن ادَّعوا الإيمان بالآخرة. ويفرِّق هنا بين أصل التَّصديق وبين اليقين؛ فقد يوجد عند غيرهم نوع إيمان بالآخرة لا يبلغ مرتبة اليقين المطلوبة، بينما المطلوب شرعًا هو اليقين الذي يثمر أثره في السُّلوك والانقياد.
أما قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى} فيفسِّر مجيء اسم الإشارة بأنَّه يعيد ذهن المخاطب إلى الصِّفات السَّابقة كلِّها، ليظهر أنَّ اتِّصاف أصحابها بها هو موجب الحكم لهم بالهداية. ويرى في تركيب {عَلَى هُدًى} استعارةً شُبِّه فيها الهدى بالصِّراط الذي يكون الإنسان عليه، وحُذف المشبَّه به ودلَّ عليه حرف «على». ثمَّ يفرِّق بين الهدى هنا والهدى في قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}؛ فالأوَّل عنده بمعنى الدَّلالة، والثَّاني بمعنى التَّوفيق والإرشاد.
ويربط المعلِّمي هذا التَّفريق بسورة الفاتحة، فيرى أنَّ نوعي الهداية تضمَّنهما الدُّعاء في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، وأنَّ مطلع سورة البقرة يأتي كالإجابة عن ذلك الدُّعاء ببيان الصِّراط المستقيم وبيان أهل الهداية. ومن هذا الوجه لا يكون الانتقال من الفاتحة إلى البقرة منفصلًا في المعنى؛ فالفاتحة تتضمَّن سؤال الهداية، وأوائل البقرة تصف الكتاب الذي تحصل به الدَّلالة، ثمَّ تصف من انتفعوا بهذه الدَّلالة فنالوا التَّوفيق والإرشاد.
ويستخرج من قوله تعالى: {مِنْ رَبِّهِمْ} عدَّة دلالات تتعلَّق بمصدر الهداية وسببها؛ فأوَّلها أنَّ هذا الهدى من الله عزَّ وجلَّ محضًا، مع تمييزه عن الهداية الأولى التي كان لاختيار الإنسان فيها أثر أقوى، إذ من اختار الهدى بحسب استطاعته فتح الله عزَّ وجلَّ له من الهداية فوق ما بذله. وثانيها أنَّ حصول الهداية من مقتضيات الرُّبوبيَّة، فهي متوجِّهة إلى كلِّ مربوب، وإنَّما يمنع الكافر من حصولها قصور من جهته. وثالثها إعادة الصِّلة بدعاء الفاتحة؛ لأنَّ طلب {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} سبقه وصف الله عزَّ وجلَّ بأنَّه {رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
ويضيف إلى ذلك دلالة العناية المستفادة من لفظ «الرَّبِّ»؛ فربوبيَّة الله عزَّ وجلَّ شاملة للعالمين، غير أنَّ أصحاب الصِّفات المذكورة في أوائل البقرة لهم حظٌّ أتمُّ من هذه العناية. ثمَّ يعود في قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} إلى اسم الإشارة مرَّةً أخرى، فيجعله وسيلةً لاستحضار صفات المتَّقين المتقدِّمة تفصيلًا عند الحكم عليهم بالفلاح، بحيث يرتبط الفلاح بالإيمان بالغيب، وما أُنزل على النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وما أُنزل من قبله، واليقين بالآخرة، وسائر الصِّفات التي ذكرها صدر السُّورة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














