
نبذة عن الكتاب:
يفسِّر عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذا الكتاب آيات سورة الفاتحة تفسيرًا يتوسَّع في دلالات ألفاظها وتراكيبها، وما تتضمَّنه من مسائل التَّوحيد والعبادة والاستعانة والهداية واتِّباع الصِّراط المستقيم. ويقرِّر عند قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} أنَّ السُّورة تعليم من الله عزَّ وجلَّ لعباده؛ فالتالي لا يقتصر على حكاية كلامٍ يتضمَّن الحمد والدُّعاء، بل يقول ما علَّمه الله عزَّ وجلَّ عن نفسه، ولذلك يستحضر معاني الخطاب والضَّمائر الواردة فيها.
ويفصِّل معنى «الحمد»، فيجعل دخول «أل» عليه مفيدًا لاستغراق المحامد، ثمَّ يميِّز بين الحمد النَّفسيِّ والحمد القوليِّ. فالحمد النَّفسيُّ يتضمَّن رضا النَّفس بالشَّيء واستحسانه مع كونه أهلًا لذلك في نفسه، أمَّا الحمد بالقول فهو الثَّناء بذكر صفة أو فعل تحمده القلوب السَّليمة والعقول المستقيمة. ويربط بين النَّوعين؛ لأنَّ الحمد القوليَّ المعتدَّ به يوافق ما في النَّفس، ويضيف إليهما ما تدلُّ عليه الأفعال والأحوال من التَّعظيم والثَّناء. ثمَّ يحمل اللَّام في {لِلَّهِ} على الاستحقاق، فتفيد الجملة أنَّ جميع المحامد مستحقَّة لله عزَّ وجلَّ.
وعند قوله تعالى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} يفسِّر الرَّبَّ بالمالك المدبِّر تدبيرًا تامًّا، ويرجِّح أنَّ «العالمين» تشمل أصناف الخلق كلَّها. ومن ربوبيَّة الله عزَّ وجلَّ للعالمين يفسِّر اختصاصه بالحمد؛ فما يوجد في المخلوقات من صفات محمودة يرجع إلى خالقها الذي أوجدها وهيَّأ أسبابها. ومن هنا يناقش إشكال الثَّناء على المخلوق مع اختصاص الله عزَّ وجلَّ بالحمد، ويفرِّق بين الاستحقاق الذَّاتيِّ للحمد، وهو لله عزَّ وجلَّ وحده، وبين ما يجعل الله عزَّ وجلَّ لبعض خلقه من حقٍّ في الثَّناء عليهم.
ويتَّصل بذلك بحث أفعال العباد والحكمة فيما يقع في العالم؛ فيقرِّر أنَّ ما يقع بقضاء الله عزَّ وجلَّ وقدره لا يخرج عن مقتضى الحكمة، مع بقاء الأفعال القبيحة قبيحةً من جهة فاعليها واستحقاقهم الذَّمَّ عليها. وعلى هذا يفسِّر إمكان حمد الله عزَّ وجلَّ في المصائب وسائر الأحوال؛ لأنَّ وقوع الحادثة من جهة القضاء والتَّدبير تابع للحكمة، وإن خفي وجهها على الإنسان. ويستطرد من هذه المسألة إلى ظهور العدل والحكمة في الجزاء الأخرويِّ، وما ينكشف لأهل الآخرة من حقائق لم تكن ظاهرةً لهم في الدُّنيا.
كما يستخرج من {رَبِّ الْعَالَمِينَ} إبطال إثبات تدبير غيبيٍّ مستقلٍّ لغير الله عزَّ وجلَّ، ويفرِّق بين التَّصرُّف الواقع بمجرَّد أمره تعالى والتَّصرُّف الجاري على يد مخلوق. ويبحث في هذا السِّياق تصرُّف الملائكة والجنِّ وما يُنسب إلى أرواح الموتى والسِّحر، مقرِّرًا أنَّ التَّصرُّف الغيبيَّ كلَّه خاضع لأمر الله عزَّ وجلَّ وإذنه، وأنَّ الملائكة يعملون بأمره ولا يملكون استقلالًا في التَّدبير. ويربط بذلك نقد تعلُّق المشركين بالشَّفاعة واتِّخاذها مسوِّغًا لدعاء غير الله عزَّ وجلَّ.
أما {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فيربطهما بصفة الرُّبوبيَّة، ويرى فيهما زيادة بيان لاستحقاق الله عزَّ وجلَّ الحمد، وأنَّ عظمته وتدبيره للعالمين لا ينافيان رحمته، بل يقوم تدبيره على الرَّحمة العامَّة وإن اقتضت الحكمة السَّخط في بعض المواضع. ثمَّ يأتي {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} لتقرير الملك والجزاء؛ فيذكر قراءتي «مَلِك» و«مَالِك»، ويفسِّر يوم الدِّين بيوم القيامة والمجازاة، ويرى في الآية تقريرًا للحمد والرُّبوبيَّة والرَّحمة والتَّوحيد، ولا سيَّما أنَّ الملك والتَّدبير والعدل تظهر حقائقهما يوم القيامة ظهورًا لا يلتبس بما يكون للمخلوقين من أسباب وتصرُّفات في الدُّنيا.
ويتوسَّع المعلِّمي عند قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} في تحرير معنى العبادة، فيناقش تعريفها بالطَّاعة، أو الخضوع والتَّذلُّل، أو الطَّاعة والخضوع مع المحبَّة، أو أقصى درجات الخضوع، ويرى أنَّ هذه الحدود لا تميِّز العبادة المطلقة تمييزًا دقيقًا؛ إذ قد توجد صور من الطَّاعة والخضوع والمحبَّة بين المخلوقين ولا تسمَّى عبادة. وبعد مناقشة تعريفات أخرى يقرِّر أنَّ العبادة هي خضوع يُطلب به نفع غيبيٌّ، وأنَّ الخضوع يشمل الطَّاعة والتَّعظيم، والنَّفع الغيبيَّ هو ما وراء الأسباب العاديَّة.
ومن هذا التَّعريف يفرِّق بين الخضوع المشروع والخضوع لغير الله عزَّ وجلَّ بغير سلطان منه؛ فما قام عليه دليل من الله عزَّ وجلَّ، كتعظيم الكعبة والحجر الأسود والثَّناء المشروع على الأنبياء والصَّالحين، يرجع إلى طاعته وعبادته، أمَّا طلب النَّفع الغيبيِّ بالخضوع لغيره من غير برهان شرعيٍّ فيجعله عبادةً لذلك الغير. وينبِّه في الوقت نفسه إلى الفرق بين وصف الفعل في نفسه وبين الحكم على فاعله؛ فقد يكون الفعل شركًا في نفسه، ولا يُحكم على فاعله بالشِّرك حتى يُنظر في قيام الحجَّة والعذر. ويذكر صورًا قد يخفى وجه دخولها في العبادة، مثل الطَّاعة في التَّحليل والتَّحريم، وبعض صور تعظيم غير الله عزَّ وجلَّ.
ويحمل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على إنشاء العبادة والتزامها، لا على مجرَّد الإخبار عنها؛ فالمتدبِّر لما سبق من الحمد والرُّبوبيَّة والرَّحمة والملك يصل إلى إفراد الله عزَّ وجلَّ بالعبادة، ثمَّ يلتزم الاستمرار عليها. ويجعل صيغة الجمع موافقةً لكون السُّورة تعليمًا لعباد الله عزَّ وجلَّ جميعًا. وعندما يصل إلى {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يجعلها إنشاءً لطلب المعونة من الله عزَّ وجلَّ على العبادة التي التزمها العبد، لا خبرًا يفيد امتناع الاستعانة بالمخلوقين في الأسباب العاديَّة؛ فالاستعانة المقصودة هنا طلب للنَّفع الغيبيِّ، ولذلك اختصَّت بالله عزَّ وجلَّ كما اختصَّت به العبادة.
وفي {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} يبحث معنى الهداية ومراتبها، ويمثِّل لها بإرشاد التَّائه إلى الطَّريق، وإقامته عليه، وتعريفه بتفاصيله، ومرافقته فيه، ثمَّ حفظه من أسباب الانحراف حتى يصل إلى غايته. ويجعل الهداية المطلوبة في الفاتحة هدايةً تامَّةً تشمل الإرشاد والتَّوفيق والتَّثبيت والصَّرف عن أسباب الضَّلال، ويربطها بما يقع في القلب من محبَّة الحقِّ والرَّغبة فيه وبغض الباطل والنُّفور منه. أمَّا الصِّراط المستقيم، فيجمع الأقوال المأثورة في تفسيره بالقرآن والإسلام وما كان عليه النَّبيُّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم، ويرى أنَّها ترجع إلى معنى واحد؛ لأنَّ اتِّباع القرآن وسنَّة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو الإسلام.
ولا يجعل الدُّعاء بالهداية منفصلًا عن سعي الدَّاعي؛ بل يشترط أن يبذل المسلم جهده في معرفة الصِّراط واتِّباع ما عرف منه، والابتعاد عمَّا يخالفه، ومقاومة الهوى الذي يصرف عنه. ومن هنا يفسِّر {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بأنَّها مع كونها تتمَّةً للدُّعاء تحمل بيانًا للدَّاعي نفسه: فمعرفة الصِّراط تكون بالنَّظر إلى طريق من ثبت أنَّهم من المنعَم عليهم واتِّباعهم. ويجمع الأقوال الواردة فيهم بالأنبياء والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين والمؤمنين، ثمَّ يجعل النَّبيَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم المرجع العمليَّ لمن جاء بعدهم في تمييز السُّنَّة من البدعة عند الاشتباه.
ويبحث تركيب {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} من جهة العربيَّة، ولا سيَّما إعراب «غير» وكونها بدلًا أو نعتًا، ثمَّ يربط التَّركيب بمقصود الهداية؛ فالمطلوب ليس مجرَّد معرفة طريق المنعَم عليهم، بل اجتناب الطُّرق المخالفة له أيضًا. ويرى في العدول عن «الذين غضبت عليهم» إلى {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} مناسبةً لما يغلب على السُّورة من الحمد والرَّحمة، كما يفسِّر الضَّلال بمفارقة سبيل الحقِّ، ويقرِّر أنَّ إضلال الله عزَّ وجلَّ يقع عقوبةً لمن اختار الضَّلال وأصرَّ عليه.
ويأخذ المعلِّمي بالتَّفسير المأثور في تعيين المغضوب عليهم باليهود والضَّالِّين بالنَّصارى، ويرى أنَّ السِّياق يؤيِّده؛ لأنَّ الطَّائفتين تنتسبان إلى اتِّباع أنبياء من المنعَم عليهم، فجاءت الآية لتميِّز طريقهما عن الصِّراط المستقيم. ولا يرى حاجةً إلى استبدال هذا التَّفسير بحمل اللَّفظين مباشرةً على كلِّ مغضوب عليه وكلِّ ضالٍّ؛ لأنَّ المعنى العامَّ حاصل من التَّفسير المأثور نفسه، إذ يكون كلُّ طريق ثبت أنَّه طريق غضب أو ضلال مخالفًا للصِّراط المستقيم.
ويعقِّب على تفسير السُّورة بمسألة صفة الغضب لله عزَّ وجلَّ، فينقل الخلاف الذي ذكره ابن جرير الطَّبري في تفسيرها، ثمَّ يقرِّر أنَّ الغضب معلوم المعنى في أصل اللُّغة، وأنَّ نسبته إلى الله عزَّ وجلَّ تُفهم على ما يليق به، من غير أن يلزم من إثباته مماثلة غضب المخلوقين وما يعرض لهم من التَّغيُّر والتَّأذِّي. ويستدلُّ على ذلك بكثرة المواضع التي أُضيف فيها الغضب إلى الله عزَّ وجلَّ في الكتاب والسُّنَّة، ويرى أنَّ غالبها لا يحتمل صرف الغضب عن معناه إلى مجرَّد العقوبة أو الذَّمِّ.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














