
نبذة عن الكتاب:
ينتقي عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذه الرسالة جملةً من المواضع التي استوقفتْه في تفسير فخر الدِّين الرَّازي، ولا يسير فيها على تفسير سورة كاملة أو موضوع واحد، بل يسجِّل فوائد متفرِّقة من سور النَّبأ والانفطار والمدَّثر والجنِّ والفجر والنَّصر والملك والقلم ونوح، ويضيف إلى بعضها تعليقات قصيرة تتضمَّن استدراكًا أو مناقشةً أو توجيهًا لمعنى الآية.
ويستدرك على ما أورده الرَّازي عند الحديث عن الملكين الكاتبين والحكمة من كتابة أعمال الإنسان، فيذكر أنَّ لهذه الكتابة حكمًا متعدِّدة؛ منها أنَّ علم المكلَّف بملازمة الكاتبين له أدعى إلى التَّحرُّز من المعصية، وأنَّ الإنسان قد يغفل عن استحضار علم الله عزَّ وجلَّ به فينبِّهه علمه بوجود الملكين، وأنَّ كتابة الأعمال نفسها عبادة كلَّف الله عزَّ وجلَّ بها الملائكة، كما كلَّف غيرهم من الملائكة بأعمال أخرى، مع استغنائه تعالى عن تلك الأسباب كلِّها.
ويتوقَّف عند بعض العبارات والمسائل العقديَّة الواردة في تفسير الرَّازي، فينقل كلامه عن حدوث العالم وتأخُّره عن الصَّانع بتقدير مدَّة غير متناهية، ويلفت إلى ما يفيده ذلك من التَّقدُّم الزَّماني، داعيًا إلى موازنته بكلام الرَّازي عند تفسير قوله تعالى: «هو الأوَّل والآخر». كما يشير إلى بحث طويل للرَّازي في سورة الجنِّ يتضمَّن ردَّ القول بتماثل الأجسام، وينقل من تفسير سورة الفجر قولًا في النَّفس يجعلها جوهرًا جسمانيًّا مخالفًا في ماهيَّته للأجسام السُّفليَّة.
ويجتهد في تفسير قوله تعالى في عدد خزنة جهنَّم: «وما جعلنا عدَّتهم إلَّا فتنةً للذين كفروا»، بعد أن يذكر أنَّ الوجهين المنقولين في تفسيرها لا يخلوان من نظر. فيحمل وصف «الذين كفروا» على من سبق منهم الكفر من النَّاس الذين بُعث فيهم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، سواء بقي منهم على كفره أم أظهر الإيمان أم آمن إيمانًا صادقًا، ثمَّ يفسِّر الفتنة بالاختبار، ويبيِّن وجه اختبار أهل الكتاب، وزيادة المؤمنين إيمانًا، وافتضاح من أظهر الإيمان ولم يتحقَّق به.
وينقل من تفسير سورة النَّصر كلام الرَّازي في إيمان الأعراب الذين دخلوا في دين الله عزَّ وجلَّ أفواجًا، وما تضمَّنه من الاستدلال على أنَّهم لم يكونوا عالمين بالدَّقائق الكلاميَّة والأدلَّة النَّظريَّة التي يذكرها المتكلِّمون في حدوث الأجسام ونفي الجسميَّة والمكان والحيِّز. ويسجِّل هذا الموضع ضمن فوائده لما يتعلَّق به من مسألة الإيمان والتَّقليد ومدى توقُّف صحَّة الاعتقاد على معرفة تلك المقدِّمات الكلاميَّة.
ويورد كذلك كلام أبي مسلم الأصفهاني الذي نقله الرَّازي عند تفسير قوله تعالى: «أأمنتم من في السَّماء»، وفيه أنَّ العرب كانوا مقرِّين بوجود الإله ومعتقدين أنَّه في السَّماء، ثمَّ يثبت النَّصَّ كما وجده في التَّفسير ضمن المواضع التي اختار تدوينها. وتكشف هذه النُّقول عن عناية المعلِّمي بالتقاط العبارات ذات الصِّلة بمباحث الاعتقاد من داخل تفسير الرَّازي، ولو جاءت في أثناء تفسير آية أو مناقشة قول من الأقوال.
ولا تقتصر اختياراته على المسائل العقديَّة؛ إذ يسجِّل فوائد لغويَّة وتفسيريَّة وأدبيَّة أيضًا، فمن ذلك تنبيهه إلى استعمال الرَّازي للمثل «بعد خراب البصرة»، وما أُلحق بالنَّصِّ من تصحيح موضعه في التَّفسير وبيان أنَّه في سورة القلم لا المعارج. ويظهر من طبيعة هذه الملاحظات أنَّ الرِّسالة أقرب إلى أوراق فوائد سجَّل فيها المعلِّمي ما لفت نظره أثناء مطالعة التَّفسير، لا إلى مصنَّف ذي أبواب متتابعة ومسائل مرتَّبة على موضوع واحد.
ويختم ما وصل من هذه الفوائد بمناقشة تفسير قوله تعالى: «ما لكم لا ترجون لله وقارًا»، ناقلًا رفض الرَّازي تفسير الرَّجاء بالخوف؛ لأنَّ الرَّجاء والخوف متضادَّان في الاستعمال اللُّغوي الظَّاهر. ثمَّ يقترح المعلِّمي أن يكون «الوقار» بمعنى التَّوقير والتَّعظيم، فيصير المعنى: ما لكم لا ترجون ثواب تعظيم الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ رجاء ثواب التَّعظيم يقتضي القيام به، وإهماله يدلُّ على عدم رجاء ثوابه. وهذه المسألة مثال واضح لطريقته في الرِّسالة: ينقل الفائدة من تفسير الرَّازي، ثمَّ يضيف حيث تدعو الحاجة فهمه الخاصَّ أو وجهًا تفسيريًّا يراه أقرب إلى معنى الآية.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














