
نبذة عن الكتاب:
يُعَالِج فيصل بن عبد العزيز آل مبارك في كتاب «مقام الرشاد بين التقليد والاجتهاد» حدَّ العلاقة بين اتباع الدليل وتقليد العلماء، ويقرر أن المقصود من الفقه والاجتهاد الوصول إلى حكم الله تعالى من الكتاب والسنة وما يتفرع عنهما من الأدلة، لا الانتصار لمذهب أو قول بعينه. ويجمع في ذلك نصوصًا وآثارًا وأقوالًا للأئمة في مراتب الاستدلال، وحدود الاجتهاد، وموضع التقليد المشروع، وخطر تقديم أقوال الرجال على الحجة بعد ظهورها، مع تأكيد أن الناس متفاوتون في القدرة على النظر، فلا يُطلب من العامي ما يُطلب من المجتهد، ولا يُعذر من ظهرت له الحجة في تركها لمجرد موافقة إمامه.
ويمهد للمسألة بنبذة في أصول الفقه، فيعرف الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية، ويذكر من أصول الأدلة الكتاب والسنة والإجماع، ويلحق بها شرع من قبلنا إذا قصه الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يرد ناسخ له. ويعرف السنة بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، ثم يذكر أقسام الحكم، ويجعل التقليد قبول قول القائل بلا حجة، والاجتهاد بذل الوسع في بلوغ الغرض. ومن هنا يبدأ التمييز بين من لا يملك آلة النظر فيلزمه سؤال أهل العلم، وبين من حصل له من الفهم ما يستطيع معه موازنة الأقوال وأدلتها.
ويستشهد بقول مالك في وجوب تقليد العوام للمجتهدين، ثم ينقل عن ابن تيمية أن المتوسط في العلم قد يسمع اختلاف العلماء وأدلتهم ويكون عنده من الفهم ما يرجح به أحد القولين، وأن الواجب عليه حينئذ اتباع ما ترجح عنده من غير ادعاء مرتبة الاجتهاد المطلق. فالمسألة عنده ليست محصورة بين مجتهد مطلق وعامي محض، بل ثمة طبقات من طلاب العلم تختلف قدرتهم على معرفة الدليل والترجيح، ويكون حكم كل واحد بحسب ما بلغه من العلم والاستطاعة.
ويجعل الكتاب والسنة أصل النظر، ويكثر من نقل كلام الشافعي في وجوب بذل طالب العلم وسعه في فهم أحكام الله تعالى نصًّا واستنباطًا، وفي أن القرآن خاطب العرب بلسانها وما تعرفه من معانيه. ويعرض القياس بوصفه طريقًا تابعًا للنص لا مزاحمًا له؛ فلا يصار إليه مع وجود الخبر، وإنما يعمل به عند الحاجة في إلحاق النظير بنظيره على معنى صحيح. ويؤكد هذا بآثار عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه في ترتيب القضاء: البدء بكتاب الله تعالى، ثم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم ما قضى به الصالحون، ثم الاجتهاد عند فقد ذلك.
ويفرق في الرأي بين المحمود والمذموم؛ فالرأي المبني على أصل من كتاب أو سنة أو إجماع، المستعمل عند فقد النص المباشر، من الاجتهاد المشروع، أما الرأي المجرد عن أصل أو المعارض للنص فهو المذموم. ويستفيد في ذلك من تقسيم ابن القيم للرأي إلى باطل يخالف النص، وصحيح عمل به السلف، ونوع يسوغ العمل به عند الاضطرار من غير إلزام الناس به. كما ينقل عن ابن بطال وابن حجر أن ذم الرأي الوارد عن السلف متوجه إلى القول بلا علم أو إلى تقديم القياس والرأي على الحديث، لا إلى الاستنباط المنضبط بالأصول.
ويوازن بين طائفتي أهل الحديث وأهل الفقه، ناقلًا كلام الخطابي في حاجة كل منهما إلى الأخرى؛ فالحديث أصل والفقه بناء عليه، ولا يستغني الفقيه عن معرفة السنة، كما لا تكفي الرواية دون فهم واستنباط. وينتقد الاقتصار على جمع الروايات مع ضعف التفقه في معانيها، كما ينتقد اشتغال بعض الفقهاء بالفروع والجدل مع قلة العناية بصحيح الحديث وسقيمه، ثم يرد الغاية إلى العمل بالكتاب والسنة واتباع الحق والعدل، لا إلى تكثير الجدل والمصطلحات.
ويجعل رد النزاع إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم قاعدة حاكمة على الخلاف كله، مستدلًا بقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ}. وينقل عن ابن القيم أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مستقلة واجبة، وأن طاعة غيره تابعة لطاعته، وأن وقوع النزاع بين أهل الإيمان لا يقدح في إيمانهم إذا ردوا محل النزاع إلى الوحي. وبهذا لا يكون الخلاف الفقهي سببًا لإسقاط المخالف، وإنما يكون ميدانًا للنظر في الحجة والرجوع إلى ما دل عليه النص.
ويفصل في التقليد المحرم، فيذكر ثلاثة أنواع: الإعراض عما أنزل الله تعالى اكتفاء بتقليد الآباء، وتقليد من لم تثبت أهليته للاتباع، والاستمرار في تقليد شخص بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قوله. ويشتد نقده للصورة الثالثة؛ لأن الأئمة أنفسهم نهوا عن تقليدهم عند مخالفة أقوالهم للدليل، ولأن المفتي لا يحل له أن يفتي بما لا يعلم صحته، كما لا يصح أن يجعل قول متبوعه معيارًا يرد به الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم أو أقوال من هو أعلم منه.
ولا يجعل ترك التقليد المذموم مساويًا لادعاء الاجتهاد المطلق؛ فينقل عن محمد بن عبد الوهاب الرد على من يصور اتباع الدليل بأنه خروج عن العلماء، ويقرر أن الاقتداء الحقيقي بالأئمة يكون في امتثال وصاياهم بتقديم الحديث عند ثبوته، لا في التمسك بأقوالهم عند مخالفته. ومن ثم يجوز لطالب العلم المنتسب إلى مذهب أن يخالف إمامه في مسألة لقوة الدليل أو لاتباع إمام آخر ظهر له رجحان قوله، ولا يكون ذلك قدحًا في عدالته أو خروجًا عن سبيل أهل العلم.
ويستفيد كذلك من تقريرات الشوكاني في الحث على كثرة تتبع الآيات والأحاديث وطلب الحكم منها بلا تعصب لمذهب، مع تمييز التقليد من رجوع العامي إلى المفتي؛ فعمل العامي بفتوى العالم لا يدخل في التقليد المذموم من كل وجه، لأن الشريعة أقامت الحجة على رجوع غير العالم إلى أهل الذكر. أما من قدر على معرفة الدليل أو ترجح لديه أحد القولين بعد النظر، فلا يستوي حكمه مع من لا يملك تلك القدرة.
ويعرض ضوابط الفتوى والقضاء من خلال كلام ابن تيمية، فيقرر تحريم الحكم والفتيا بالهوى أو باختيار قول دون نظر في مرجحه، ووجوب تولية الأصلح بحسب الإمكان، ومراعاة العلم والعدل والأمانة. كما يقرر أن من اتبع إمامًا ثم خالفه في بعض المسائل لقوة الدليل فقد أحسن، وأن التقليد لا يجوز مع معرفة الحكم، أما من عجز حقيقةً عن معرفة الحق أو لحقته مشقة عظيمة بسبب تعارض الأدلة في حقه، فيجوز له الرجوع إلى من يثق بعلمه ودينه.
ويختم بتثبيت مدار العلوم الشرعية على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن سائر العلوم إما آلات لفهمهما أو أمور خارجة عن المقصود الشرعي. فمقام الرشاد الذي يدور عليه الكتاب هو أن يعرف المرء قدر نفسه: فيجتهد إن كان من أهل الاجتهاد، ويرجح بقدر ما أوتي من آلة النظر، ويسأل أهل العلم إذا عجز، ولا يجعل التقليد حاجزًا بينه وبين الدليل إذا ظهر له، ولا يجعل الدعوة إلى اتباع النص ذريعة إلى التجرؤ على الفتوى بغير علم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














