
نبذة عن الكتاب:
يبدأ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتاب «إرشاد العامه إلى معرفة الكذب وأحكامه» من أثر الخطأ في فهم الكلام على العقائد والأحكام، ولا سيما التأويل الذي يصرف النصوص الشرعية عن دلالاتها حتى قد ينتهي إلى نسبة ما يخالف الواقع إلى أخبار الله عز وجل ورسله؛ ولذلك يجعل تحقيق معنى الكذب وضبط حدود التأويل والقرائن أساسًا لفهم هذه القضية. فيبحث أولًا معنى الخبر، ثم يعرض أقوال أهل العلم في الصدق والكذب، ويختار قول الجمهور أن الصدق مطابقة الخبر للواقع والكذب عدم مطابقته له، مع التفريق بين كذب الخبر وبين مؤاخذة المخبر؛ فقد يخالف الخبر الواقع بسبب خطأ لا تقصير فيه فلا يلحق صاحبه إثم المتعمد، كما أن من يجزم بخبر وهو لا يعلم مطابقته أو يعتقد مخالفته للواقع قد تلحقه معرة الكذب وإن صادف كلامه الواقع اتفاقًا. ثم يدقق في الخبر المحتمل لأكثر من معنى، ويقرر أن المدار على المعنى الظاهر الراجح الذي يفهم من الكلام مع اعتبار القرائن، فلا يكفي أن يضمر المتكلم في نفسه معنى بعيدًا يوافق الواقع إذا ترك كلامه ظاهرًا في معنى يعلم بطلانه؛ لأن الإفهام هو غرض الكلام، والتأويل الذهني الذي لا يدل عليه اللفظ أو القرينة لا يغير دلالته. ويتصل بهذا بحث واسع في المجاز والاستعارة والفرق بينهما وبين الكذب؛ فالمجاز الصحيح يحتاج إلى علاقة معتبرة وقرينة تصرف المخاطب عن الظاهر، أما استعمال لفظ في غير ظاهره من غير قرينة ثم الاحتماء بتأويل خفي في النفس فلا يخرجه من الكذب إذا كان المعنى الذي يفهمه المخاطب مخالفًا للواقع. ويجعل القرينة عنصرًا حاسمًا في فهم النص، ويحلل صورها وتأثيرها في نقل الكلام من الظهور إلى الإجمال أو من الإجمال إلى معنى راجح، ويطبق ذلك على نصوص شرعية وقع الخطأ في فهمها، مثل قوله عز وجل في الصيام: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، وحديث «أطولكن يدًا»، وبعض مزاح النبي صلى الله عليه وسلم، ليبين أن استحضار السياق والحال وسائر القرائن يمنع التعجل في حمل الكلام على أول معنى يتبادر منه.
ويمتد كتاب «إرشاد العامه إلى معرفة الكذب وأحكامه» إلى المعاريض والتورية وما يجوز منها، فيبين أن الإنسان قد يحتاج إلى جواب ولا يريد التصريح بالواقع، فيستعمل كلامًا محتملًا لا يدل دلالة راجحة على الباطل، فيكون ذلك مخرجًا من الكذب إذا لم يتضمن غشًا أو مفسدة، ثم يناقش كلمات إبراهيم عليه السلام الثلاث ومَن عدها من المعاريض، ويقف طويلًا عند الأحاديث التي سمتها «كذبات» و«خطايا»، محاولًا تحديد موقعها من تعريف الكذب ومن أحكام الأنبياء. وبعد ذلك يخصص بحثًا لما رُخِّص فيه مما يسميه الناس كذبًا، فيفحص أسانيد وألفاظ الأحاديث الواردة في الإصلاح بين الناس والحرب وحديث الزوجين، ويفرق بين الحديث المرفوع وكلام الزهري وما وقع فيه من إدراج، ثم يحلل وقائع محمد بن مسلمة رضي الله عنه مع كعب بن الأشرف والحجاج بن علاط، ويميل إلى حمل قدر كبير من الكلام الوارد فيها على الإيهام والمعاريض والألفاظ الصحيحة المحتملة بدل التوسع في إباحة الكذب الصريح. ويشدد على أن الترخيص لا يسوغ إذا جر مفسدة، وبخاصة الغدر ونقض الأمان والعهود، ويستدل بوفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالعهد حتى في حال حاجة المسلمين، ثم يبحث الضرورة التي قد تبيح الكذب، فيفرق بين الخوف على النفس من الهلاك أو الضرر الشديد، والخوف على غيرها، ويقيد الجواز بألا يفضي الكلام إلى ظلم إنسان آخر أو إهدار حقه، رافضًا استعمال قاعدة دفع أعظم المفسدتين بطريقة تجعل الإنسان يتسبب عمدًا في ظلم بريء لدفع ضرر أكبر عددًا. ويعقب ذلك بالتشديد في الكذب، فيقدم الكذب على الله عز وجل بوصفه أن ينسب إليه المرء وصفًا أو حكمًا بلا علم أو مع علمه ببطلانه، ثم يورد النصوص في ذم الكذب على غيره وصلته بخصال النفاق. وفي الصفحات الأخيرة يعيد تحرير حقيقة الكذب بتمييز الخبر الكاذب عن المخبر الكاذب، ويناقش ما يجوز من الخطأ على الأنبياء عليهم السلام في الأمور الدنيوية مع عصمتهم في تبليغ الدين، مستشهدًا بقصة تأبير النخل والقضاء بحسب ما يظهر من حجج الخصوم، ثم يعود إلى تعريف الظاهر والقرينة، ويقرر أن البحث الصحيح ينبغي أن يتعلق بالكلام كاملًا مع قرائنه لا بالكلمة منفردة، وأن القرينة المعتبرة هي التي يمكن للمخاطب إدراكها، فلا يصح اتخاذ معنى خفي لا دليل عليه ذريعة لصرف الكلام عن دلالته. وتبقى هذه القاعدة هي الخيط الجامع للكتاب: حماية الصدق في الخطاب وحماية النصوص الشرعية من تأويل يجعل المعنى الذي يفهم منها مخالفًا للواقع ثم يعتذر عنه بإرادة باطنة أو احتمال لا تسنده قرينة صحيحة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














