
نبذة عن الكتاب:
يَضْبِط جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي في كتاب «مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق» وجوهَ الجمع والفرق بين المسائل الفقهية المتشابهة في الصورة المختلفة في الحكم، أو المتفرقة ظاهرًا التي يجمعها معنى مؤثر، مستقصيًا دقائق الفروع في المذهب الشافعي ومحررًا الفارق الذي يقتضي اختلاف الحكم عند قيامه، والجامع الذي يقتضي الإلحاق عند انتفاء الفرق المعتبر. وقد قصد إلى تأليف متوسط ينتقي فيه المسائل المهمة المستحسنة، ولا يستوعب كل ما ورد في باب الفروق، مع عناية خاصة بالمسائل الغريبة التي يقل الوقوف عليها وما يتخللها من فوائد فقهية دقيقة.
ويقوم أصل الكتاب على التمييز بين «الجامع» و«الفارق»؛ فالجامع معنى مشترك بين مسألتين يقتضي اتحادهما في الحكم، أما الفارق فهو وصف يفصل إحداهما عن الأخرى ويصحح اختلاف الحكم بينهما. ولا يكتفي الإسنوي بإيراد حكمين مختلفين ثم التماس فارق بينهما، بل قد ينتهي إلى أن الفارق المذكور ضعيف، وأن الصواب إلحاق إحدى المسألتين بالأخرى. كما يترك أحيانًا التصريح بالجامع لوضوحه، ويفصل بين مادة الكتاب وبين القواعد المتسعة التي كثرت نظائرها، إذ يجعل تلك الأخيرة من شأن كتابه الآخر «نزهة النواظر في رياض النظائر».
ويرتب مسائل الكتاب على أبواب الفقه، فيسير مع أبواب الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاملات والأنكحة والجنايات وغيرها، ثم يجعل كل مسألة وحدة قائمة بذاتها. فيذكر الحكم في الصورة الأولى، ثم يقابله بحكم الصورة المشابهة، ويتجه إلى الكشف عن سبب اختلافهما أو اتحادهما. وبذلك لا تأتي الفروق في صورة قواعد مجردة، وإنما تتولد من فروع عملية دقيقة تظهر فيها حقيقة الوصف المؤثر في الحكم.
ويعتمد في نقل أحكام المذهب وخلافاته، عند الإطلاق، على «الشرح الكبير» للرافعي و«روضة الطالبين» للنووي، ثم يتوسع في مراجعة غيرهما من كتب المذهب بحسب المسألة. ويحرص على نسبة الأقوال إلى أصحابها، وبيان الصحيح والضعيف، والتنبيه إلى اختلاف النقل أو اضطرابه، ثم يبني الفرق على الرأي الذي اختاره. فإذا كان الفرق منقولًا عن غيره صرح بذلك، وإذا وجد اعتراضًا عليه أو وجهًا يناقضه ذكره وناقشه، فلا تكون الفروق عنده مجرد أجوبة محفوظة، بل مسائل قابلة للفحص والنقد.
وتظهر طريقته بوضوح في مسائل العبادات؛ فقد يقارن بين صورتين اشتركتا في أصل الوجوب ثم اختلف حكم التأخير فيهما، كما في الصلاة والحج، فيجعل تحديد وقت الصلاة سببًا في اختلافها عن الحج عند موت المكلف بعد إمكان الأداء. ويقارن في مسائل الاشتباه بين الحدث الأصغر والأكبر، وبين الشك في نوع الزكاة أو العدة، باحثًا عن أثر اتحاد جنس الواجب أو اختلافه في مقدار ما يلزم المكلف احتياطًا. وقد يستدعي الفرق الواحد مسائل من أبواب متباعدة إذا اتحدت جهة الإشكال فيها.
ويجري هذا الأسلوب كذلك في المعاملات، فيفرق بين صيغ متقاربة بحسب دلالتها العرفية والشرعية؛ ففي البيع يميز بين ألفاظ يكون بعضها صريحًا في نقل الملك وبعضها كناية، ولا يقف عند مجرد اللفظ بل ينظر إلى قوة دلالته واستعماله. وفي أبواب الطلاق والكنايات يتتبع ألفاظًا شديدة التقارب، كاختلاف حروف الجر أو صيغ الدعاء، ثم يبحث هل العرف يجعل اللفظ مشعرًا بالفرقة والاستقلال أم لا، وقد يعترض على فارق منقول إذا رأى أن اللفظ الآخر يحتمل الدلالة نفسها.
ويتناول أبواب الأسرة بمثل هذه الدقة، فيبحث الفروق المتعلقة بالنكاح والطلاق والحضانة والنذر وما يتصل بها. فمن ذلك تفريقه بين الحضانة وولاية النكاح عند غيبة الولي أو الحاضن؛ لأن مقصود الحضانة حفظ الطفل بواسطة قرابة تتحقق مباشرتها، بخلاف التزويج الذي يمكن انتقال ولايته على وجه آخر. وتكشف هذه الأمثلة أن الفارق عنده لا يطلب من صورة الحكم وحدها، بل من مقصد الباب وطبيعة الحق والوظيفة التي شرع الحكم من أجلها.
وفي الجنايات يقارن بين صور تتشابه في وصف إهدار الدم أو استحقاق العقوبة ثم تختلف في القصاص، ويعلل الفرق بأوصاف تتصل بقدرة الشخص على إزالة سبب الإهدار أو استمراره فيه. ومن هذا القبيل تمييزه بين قتل المرتد وقتل الزاني المحصن في بعض الصور، مع اشتراكهما في أصل استحقاق القتل، ثم بنائه اختلاف الحكم على وصف زائد في إحدى الحالتين. وتكشف هذه الطريقة عن عناية بتمييز العلة المؤثرة من الأوصاف المصاحبة التي لا يتغير الحكم بها.
ولا يلتزم الإسنوي دائمًا بإثبات الفرق؛ فقد يكون غرض المسألة إبطال فرق شاع بين صورتين وإظهار قوة الجامع بينهما. ومن هنا تتجاوز قيمة الكتاب جمع «الفوارق» إلى نقدها؛ إذ يختبر صلاحية الوصف المذكور للتأثير في الحكم، فإن لم يقو على ذلك رجح الإلحاق. ويظهر هذا في عباراته التي ينبه فيها إلى أن الحق قد يكون في التسوية لا التفريق، أو يورد فارقًا ثم يعقبه بقوله إن فيه نظرًا، أو يذكر وجهًا آخر يعارضه.
ويستفيد الكتاب من التداخل بين الفقه وأصوله وقواعده؛ لأن النظر في الجامع والفارق يقتضي البحث في العلل والمقاصد ودلالات الألفاظ والعرف والضرورة ونوع العبادة أو المعاملة وطبيعة الحق. لكنه يظل كتابًا في فروع الفقه الشافعي مرتبًا على أبوابه، لا مصنفًا نظريًّا مستقلًا في أصول الفقه. ولهذا تظهر القاعدة من خلال تطبيقاتها، ويأتي التحرير تابعًا لمسألة فقهية محددة لا لبحث تجريدي في تعريف العلة أو القياس.
ويتميز بناء المسألة عنده بكثرة المقارنة بين الفروع، مع استدراكات وفوائد تعرض أثناء البحث. فالمسألة قد تبدأ بفرق جزئي ثم تفتح بابًا إلى نظير في باب آخر، أو إلى خلاف في تصحيح الحكم، أو إلى نقل عن إمام سابق، ثم تعود إلى تحديد الجامع أو الفارق. وقد صرح بأن كثيرًا من المسائل مقصود بالنظر في نفسه، وأن فوائد نفيسة تقع خلالها استطرادًا، وهو ما يفسر اجتماع الدقة في الفروق مع كثرة الفوائد الفقهية المتناثرة في ثنايا الكتاب.
ويجعل «مطالع الدقائق» الفقه المقارن داخل المذهب أداةً لتمييز الأحكام المتقاربة، فلا يكفي أن تتشابه صورتان ليحكم بإلحاق إحداهما بالأخرى، كما لا يكفي اختلاف الحكم المنقول لإثبات وجود فارق صحيح. وإنما ينظر في الوصف المؤثر: فإن صح أنشأ فرقًا معتبرًا، وإن ضعف بقي الجامع أقوى وأوجب التسوية؛ ولهذا يدور الكتاب على تحرير الحدود الدقيقة التي تفصل بين الفروع المتشابهة، ورد كل حكم إلى المعنى الذي يفسر اختصاصه بمحل دون آخر.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














