
نبذة عن الكتاب:
يُبْرِز عطية محمد سالم في هذا الكتاب وجوه الإحسان في الشريعة الإسلامية، ثم يقابلها بما يراه من أوجه الخلل في القوانين الوضعية، مستندًا إلى النصوص الشرعية والتطبيقات الفقهية والقضائية، ومركزًا على ما تتميز به الشريعة من الكمال والشمول والسماحة والبقاء. وينطلق من أن الإحسان ممتد في جميع جوانب التكليف والحياة؛ في القول والجدال والدعوة، وفي معاملة المسيء، والعلاقة بالوالدين، والعشرة الزوجية، وسائر صور التعامل، ويربط هذا المعنى بالأمر العام بالعدل والإحسان وبكمال الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده.
ويجعل كمال الشريعة ظاهرًا في مصدرها وفي مقاصدها العملية؛ فهي قائمة على تحقيق جلب المنافع ودفع المضار، ثم تجاوز ذلك إلى الحث على مكارم الأخلاق ومحاسن العبادات. ففي باب المنافع يقرر أصل الإباحة فيما خلق الله تعالى للإنسان، وتسخير الموجودات لخدمته، وتشريع العقود التي تنظم الانتفاع من بيع وإجارة وشركة وغيرها، مع تقييد حرية التعاقد بما يمنع الضرر والحيف، فلا يكون مجرد تراضي الطرفين كافيًا إذا أفضى إلى ظلم أحدهما أو الإضرار بالمصلحة.
ويعرض دفع المضار من خلال حماية الضروريات التي لا يستقيم المجتمع بدونها، فيذكر الدين والنفس والعقل والنسب والعِرض والمال، ويربط كل واحد منها بجملة من الأحكام التي تحفظه. فحفظ العقل يتصل بتحريم المسكر وما يذهبه، وحفظ النسب بتحريم الزنا وما يلحق به من وسائل، وحفظ العرض بتحريم القذف والغيبة والنميمة، وحفظ المال بتحريم السرقة والغش والتدليس وأكل الأموال بالباطل. ثم يجعل مكارم الأخلاق بعدًا مكمّلًا لهذه الحماية، فيستدل بما جاءت به الشريعة من البر، وحسن العشرة، وصدق القول، والوفاء بالوعد والعهد، والعفو، والإيثار، والإحسان إلى المسيء.
ويبين أن الشريعة لا تقف عند الحد الأدنى من أداء الحق، بل تفتح باب الفضل فوقه؛ فالإنظار للمعسر واجب عند تحقق عسرته، ثم تأتي مرتبة أعلى هي التصدق عليه، وفي بعض الحقوق الزوجية تقرر قدرًا لازمًا ثم تحث على العفو والتفضل. ويرى في هذا الانتقال من العدل المجرد إلى الإحسان شاهدًا على أن التشريع لا يقتصر على ضبط علاقة الإنسان بغيره، بل يوجهه إلى ما هو أكمل في الأخلاق والتعامل.
ويشرح الشمول بأن الشريعة تتناول مختلف طبقات الناس وأحوالهم، وتنظم علاقة العبد بالله تعالى، وعلاقة الناس بعضهم ببعض، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، وتجمع بين العبادات والمعاملات وما يتصل بأعمال الدنيا والآخرة. كما يجعل عمومها للأجناس والأمكنة والأزمنة من مقتضيات هذا الشمول، فلا تختص بأمة أو بيئة معينة، بل تتسع لتغير الأحوال مع بقاء أصولها الحاكمة.
أما السماحة فيجعلها قائمة على نفي الحرج والتكليف في حدود الوسع، ويصلها بقاعدة أن المشقة تجلب التيسير، وبما شرع من الرخص، وبإسقاط المؤاخذة في أحوال الخطأ والنسيان والإكراه. ومن ثم لا يجعل التيسير أمرًا خارجًا عن التشريع، بل جزءًا من بنائه، يتداخل مع التكليف نفسه ويظهر عند تبدل أحوال المكلفين وقدرتهم.
ويفرد للقضاء الإسلامي مساحة واسعة بوصفه ميدانًا يظهر فيه كمال الشريعة عمليًّا. فيفرق بين شكل القضاء ومنهجه؛ أما الشكل الإداري فيقبل التطور تبعًا لتغير أحوال الناس، من تخصيص القضاة بالمكان أو النوع أو المقدار، وترتيب درجات المحاكم، وتنظيم الجلسات والسجلات والكتابة والضبط، ما دام ذلك يحقق المصلحة ولا يعارض نصًّا. ويستدل بصور من التخصيص في العهد النبوي وما بعده، ويرى في مراجعة بعض الأحكام أمام جهة أعلى أصلًا لما يعرف لاحقًا بتعدد درجات التقاضي.
ويجعل المنهج القضائي قائمًا على العدل وسماع الخصمين وتحميل المدعي عبء البينة والمنكر اليمين، وعلى صلاح القاضي وطمأنينته وتجرده من المؤثرات التي تشوش حكمه. ويستشهد بنصوص الأمر بالقسط ولو مع الخصومة أو مع غير المسلمين، ثم بأمثلة من أقضية الصحابة رضي الله عنهم التي قدم فيها الحق على منزلة الخصوم أو قرابتهم. كما يتوسع في معنى التحكيم ليشمل الخصومات الفردية والزوجية، ثم النزاعات التي تقع بين الجماعات والطوائف.
وينتقل بعد ذلك إلى «مساوئ القوانين الوضعية»، فيجملها في نشأتها، وانتقالها إلى البلاد الإسلامية، والعوامل التي رسخت وجودها، وما أثير من طعون على الشريعة، ثم المقارنة بين النظامين في المسائل التي كانت موضع اعتراض كالحدود والقصاص. ويعرض نشأة بعض القوانين الحديثة بوصفها نتيجة تراكم مصادر رومانية وجرمانية وكنسية وملكية ثم جمعها وصياغتها في قوانين موحدة، ويقابل هذا المسار التاريخي بما يقرره من اكتمال الشريعة من أصلها وعدم توقفها على سلسلة متتابعة من التعديلات البشرية.
ويركز في المقارنة التطبيقية على أثر التشريع في حماية الضروريات، فيناقش بعض الأحكام القانونية المتعلقة بالزنا والعِرض والمال والعقود. ويعترض على جعل بعض صور الاعتداء على العرض حقًّا شخصيًّا محضًا يتوقف تحريك الدعوى فيه على إرادة أفراد معينين، ويرى أن ذلك يضعف حماية النسب والعرض. كما ينتقد إطلاق مبدأ «العقد شريعة المتعاقدين» إذا أدى إلى إقرار الربا أو استغلال الطرف الأقوى للطرف الأضعف، ويقابله بقيود الشريعة على المعاملات لمنع الضرر والحيف.
ويعالج كذلك الاعتراضات على العقوبات الشرعية من جهة دعوى القسوة، فيردها إلى مقصد حماية المجتمع والضروريات، ويوازن بينها وبين عقوبات وضعية قد تطول بالحبس وتختلف آثارها على الفرد وأسرته والمجتمع. وتظل المقارنة عنده مرتبطة بالسؤال عن قدرة كل نظام على صيانة الدين والنفس والعقل والنسب والعرض والمال، لا بمجرد صورة العقوبة منفردة عن وظيفتها ومحل تطبيقها.
ويُنهي المقارنة بالتأكيد على أن التشريع الإسلامي يجمع بين حماية المجتمع، ومراعاة حال الفرد، وتقييد العقوبات والمعاملات بضوابط تمنع التوسع والظلم، وأن بعض النظم الحديثة عادت إلى الأخذ بأحكام قريبة من التشريع الإسلامي في مسائل الأسرة وغيرها، في حين يظل معيار المفاضلة مقدار ما يحققه النظام من العدل وصيانة الضروريات وحفظ مصالح الناس أفرادًا وجماعات.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














