
نبذة عن الكتاب:
يُؤَصِّل صفي الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي في كتاب «نهاية الوصول في دراية الأصول» مسائل أصول الفقه تأصيلًا واسعًا يجمع بين تحرير القواعد، واستقصاء أدلتها، ومناقشة الاعتراضات الواردة عليها، والموازنة بين اتجاهات الأصوليين والمتكلمين والفقهاء. وقد قصد إلى جمع زُبَد المباحث المتفرقة، وإيراد النكت الدقيقة والأسئلة القادحة والأجوبة الشافية، مع مراعاة الإنصاف عند الاختلاف وتجنب التعصب، ليضم للقارئ في موضع واحد ما يحتاج في تحصيله إلى الرجوع إلى مصنفات متعددة.
ويقدم للعلم ببيان منزلته وصلته بالفقه؛ إذ تتوقف معرفة الأحكام الشرعية واستنباطها على قواعده، ويجتمع فيه النظر العقلي والنقل الشرعي، فلا هو نقل محض ولا نظر عقلي خالص. ثم يعرف الفقه بأنه العلم بجملة من الأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين إذا حصل بالنظر والاستدلال على أعيانها، ويفرق بينه وبين معرفة العامي المُستفتي، ويعرف أصول الفقه بأنه مجموع أدلة الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية دلالتها على الأحكام، وحال المُستدِلّ بها. ويدخل في ذلك معرفة شروط الاستدلال، وأسباب الترجيح، وحال المجتهد والمُستفتي، ويجعل موضوع العلم أحوال الأدلة من حيث دلالاتها وعمومها وخصوصها ومنطوقها ومفهومها وطرق استثمار الأحكام منها.
ويستهل المباحث التفصيلية بتحرير جملة من المصطلحات العقلية والأصولية التي يحتاج إليها الفن؛ كالدليل والنظر والعلم والظن والشك والتقليد، مع مناقشة الحدود الشائعة لها واختبارها من جهة الجمع والمنع. ثم يبحث الحكم الشرعي ويعرض تعريفات الأصوليين له، ويرجح إدخال «الوضع» في حده إلى جانب الاقتضاء والتخيير حتى يشمل السببية والشرطية والمانعية. ويتصل بذلك الكلام في الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة، وحقيقة تعلق خطاب الله تعالى بأفعال المكلفين، والفرق بين الحكم ومتعلقه وأسبابه وعلاماته.
ويُفَصِّل مباحث اللغة باعتبارها المدخل الضروري لفهم النصوص، فيبدأ بالكلام والكلمة وأقسامهما، ثم يبحث منشأ اللغات: أهي توقيفية من الله تعالى، أم اصطلاحية من البشر، أم وقع فيها الأمران، وينتهي إلى التوقف في تعيين أحد هذه الاحتمالات لعدم قيام دليل قاطع. ويمتد البحث إلى الوضع والاستعمال والحقيقة والمجاز والاشتراك والنقل والاشتقاق، ثم دلالات الألفاظ، والأمر والنهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمُقَيَّد، والمُجْمَل والمُبَيَّن، وما يتصل بذلك من التخصيص والاستثناء والشرط والصفة وبناء العام على الخاص.
ويبحث النسخ من جهة إمكانه ووقوعه وأركانه وشروطه وما يجوز أن يكون ناسخًا أو منسوخًا، ويفرق بين النسخ والتخصيص من حيث إن التخصيص دفع لبعض مدلول العام، والنسخ رفع لحكم ثبت قبل ذلك. ويولي تعارض طرق النقل عناية دقيقة، فيناقش نسخ القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد، وتخصيص العمومات به، ومراتب القطع والظن في المتن والدلالة، ولا يجعل قوة السند وحدها كافية في الترجيح إذا اختلفت قوة الدلالات.
ويتناول السنة وأخبارها من حيث حجيتها وطرق نقلها، ويميز بين المُتواتر وخبر الواحد وما يفيده كل منهما، وشروط القبول ومراتب الرواة. ويوازن بين خبر الواحد والقياس عند التعارض، فيقرر أن الخبر قد يكون أقوى من القياس لقلة المقدمات التي يتوقف عليها الظن بصحته ودلالته، مع مناقشة الآثار التي استدل بها من قدم القياس أو رد بعض الأخبار. كما يبحث الإجماع وحجيته وإمكان انعقاده وطرق نقله وما يعتبر فيه من الاتفاق، وصلته بغيره من الأدلة القطعية والظنية.
ويجعل للقياس مساحة واسعة من الكتاب، فيبحث حجيته وأركانه، ثم يفرد العِلّة بتفصيل بالغ؛ فيقرر أنها ليست مؤثرة في الحكم بذاتها، وإنما هي وصف جعله الشارع معرفًا للحكم، ثم يبحث الطرق الدالة على كون الوصف عِلّة للحكم، وشروط العِلّة، وطرق إثباتها، والمناسبة والدوران والسَّبْر والتقسيم وغيرها من المسالك. ويعرض كذلك الاعتراضات الواردة على القياس والقوادح في العلل، وما يجب على المستدل والمناظر دفعه منها، مع التمييز بين ما يقدح في أصل الدليل وما يضعف العمل به عند وجود معارض أقوى.
ويبحث التعارض والترجيح بين الأدلة الظنية على اختلاف أنواعها، سواء أكانت نصوصًا أم إجماعات منقولة أم أقيسة، ويجعل المدار على مقدار إفادة كل دليل للظن لا على مجرد اسمه أو نوعه. فإذا تعارض دليلان نظر في السند والدلالة، وفي إمكان النسخ والتخصيص، وفي قوة العِلّة عند القياس، وفي كثرة الاحتمالات الواردة على كل طريق. ولهذا قد يرجح دليل من نوع يُعَدّ في الأصل أضعف إذا كانت دلالته في الواقعة أقوى وأبعد عن الاحتمال.
ويعرض الأدلة المختلف في الاحتجاج بها، فيناقش المصالح المرسلة والاستحسان وشرع من قبلنا وغيرها. وفي المصلحة المرسلة يجعل الاعتبار قائمًا على غلبة الظن بموافقة المصلحة لمقاصد الشارع بعد ثبوت أن المصالح الخالصة أو الغالبة معتبرة في الشرع. أما الاستحسان فإن أريد به الحكم بمجرد ما يستحسنه المجتهد بعقله أو هواه من غير مستند شرعي فهو باطل، وإن أريد به معنى يستند إلى دليل معتبر فلا يكون حجة مستقلة عن ذلك الدليل الذي استند إليه.
ويصل إلى الاجتهاد والاستفتاء بوصفهما متعلقين بحال المُستدِلّ؛ فالعالم القادر على النظر مطالب ببذل وسعه في الأدلة، والعامي يرجع إلى من استكمل أهلية الفتوى. ويناقش العمل بالظن في المسائل الاجتهادية، وشروط المجتهد، وما يلزمه من البحث عن المخصصات والمعارضات والمرجحات، ويبين أن كثيرًا من الأحكام العملية لا طريق فيها إلى القطع، فلا يكون الظن المنضبط مذمومًا ما دام ناشئًا عن مدرك شرعي معتبر، بل هو الطريق الذي كلف المجتهد بالعمل بمقتضاه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













