كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام لتقي الدين ابن تيمية PDF

المؤلف:تقي الدين ابن تيمية
القسم:كتب أصول الفقه وقواعده
نبذة عن الكتاب:
يَدْفَع تقي الدين ابن تيمية في كتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» توهمَ تعمد أئمة المسلمين مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقرر أن الأئمة المقبولين عند الأمة متفقون على وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا وُجِد لإمام قول يخالف حديثًا صحيحًا، لم يجز أن يجعل ذلك مطعنًا فيه أو دليلًا على استخفافه بالسنة، بل ينبغي البحث عن السبب الذي حال بينه وبين العمل بالحديث، إذ قد يكون الحديث لم يبلغه، أو لم يثبت عنده، أو لم يفهم منه الحكم الذي فهمه غيره، أو رأى دليلًا يعارض دلالته.
ويَرُد اختلاف العلماء أولًا إلى تفاوت ما بلغهم من السنة، موضحًا أن الإحاطة بجميع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تتحقق لأحد من الأمة، وأن الصحابي رضي الله عنه قد يعلم من السنة ما يخفى على من هو أعلم منه وأفضل. ويستدل لذلك بوقائع متعددة عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم؛ فقد خفيت على أبي بكر رضي الله عنه سنة ميراث الجدة حتى أخبره بها غيره، وخفيت على عمر رضي الله عنه أحكام في الاستئذان ودية الزوج والطاعون وغيرها حتى نقلها إليه بعض الصحابة رضي الله عنهم. فعدم بلوغ الحديث لا يقدح في رتبة المجتهد، وإنما يفسر كيف يجتهد في المسألة بآية أو حديث آخر أو قياس أو استصحاب فينتهي إلى حكم يخالف حديثًا لم يصل إليه.
ويُفَرِّق بعد بلوغ الحديث بين وصوله إلى الإمام وبين ثبوته عنده؛ فقد يبلغه من طريق فيه راوٍ مجهول أو مجروح عنده، أو بإسناد منقطع، بينما يصل إلى غيره من طريق متصل صحيح، أو يعرف غيره من حال الراوي ما لم يعرفه الأول، أو تقوم للحديث عنده شواهد ومتابعات تقويه. وقد يقع الخلاف نفسه في نقد الرجال؛ فيوثق عالم راويا يضعفه آخر، أو يختلفان في ثبوت السماع، أو في حال الراوي قبل الاختلاط وبعده، أو في أثر نسيانه للحديث وإنكاره إياه. ومن هنا كان بعض الأئمة يعلِّق مذهبه على صحة الحديث، فيصرح بأنه إن صح الخبر فهو قوله.
ويضيف إلى ذلك اختلاف الأئمة في الشروط التي يعتبرونها لقبول خبر الواحد؛ فقد يشترط بعضهم ألا يخالف ظاهر الكتاب أو السنة المشهورة، أو أن يكون الراوي فقيهًا إذا خالف الخبر قياس الأصول، أو أن ينتشر الحديث إذا تعلق بما تعم به البلوى. فرب حديث تقوم به الحجة عند عالم لا تقوم به عند آخر بسبب اختلاف أصولهما في شروط الاحتجاج، لا بسبب تقديم أحدهما رأيه عمدًا على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويجعل النسيان سببًا مستقلًا، إذ قد يبلغ العالم النص ويعرفه ثم ينساه عند الفتوى أو القضاء. ويذكر لذلك ما وقع لعمر رضي الله عنه في التيمم حين ذكّره عمار بن ياسر رضي الله عنه بما شهده معه من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، وما وقع في غير ذلك من المواضع التي كان العالم فيها حافظًا للنص ثم غاب عن ذهنه عند وقوع المسألة. فلا يلزم من صدور الفتوى المخالفة لنص سبق للعالم سماعه أن يكون قد أعرض عنه عامدًا؛ إذ النسيان من العوارض البشرية التي تقع للسلف والخلف.
ويُدَقِّق في أسباب تتصل بفهم النص نفسه، فقد يعرف الإمام الحديث ولا يعرف دلالته بسبب غرابة لفظ من ألفاظه، أو اختلاف استعمال اللفظ بين عرفه ولغة الخطاب النبوي، أو خفاء تركيب أو معنى عليه. وقد يعرف جهة الاستدلال، لكنه لا يراها حجة صحيحة بناء على أصل أصولي يخالفه فيه غيره؛ كاختلافهم في حجية مفهوم المخالفة، ودلالة الأمر على الوجوب أو الفور، وحجية العام بعد تخصيصه، ومدى عموم بعض الألفاظ والتراكيب. ولذلك يدخل جانب واسع من اختلاف الأصوليين في تفسير سبب اختلاف الفقهاء في دلالات النصوص.
ويَفْصِل بين عدم معرفة الدلالة وبين اعتقاد أن الدلالة غير مرادة بسبب معارض؛ فقد يرى المجتهد عامًا قد خُصِّص، أو مطلقًا قد قُيِّد، أو أمرًا قامت قرينة عنده تصرفه عن الوجوب، أو حقيقةً دل دليل عنده على إرادة المجاز منها. كما قد يرى الحديث معارضًا بآية أو حديث آخر أو إجماع، فيعتقد أنه ضعيف بالنسبة إلى المعارض، أو منسوخ، أو متأول. وقد يكون مصيبًا في ذلك أو مخطئًا، وقد يشتبه عليه المتقدم والمتأخر في باب النسخ، أو يحمل النص على تأويل لا يراه غيره صحيحًا، أو يعتمد إجماعًا ظنه منعقدًا لأن المخالف لم يبلغه.
ويذكر في آخر الأسباب ما يرجع إلى أصول متنازع فيها في باب تعارض الأدلة؛ كمعارضة بعض الفقهاء الحديث الصحيح بظاهر القرآن، أو رد الخبر المخصص لعموم الكتاب أو المقيد لمطلقه، بناءً على عد ذلك نوعًا من النسخ، أو تقديم عمل أهل المدينة على الخبر عند من يجعله حجة راجحة، أو تقديم القياس الجلي والقواعد الكلية على بعض أخبار الآحاد. فهذه الموازين الاجتهادية قد تؤدي إلى ترك ظاهر حديث عند عالم مع قيام موجب العمل به عند غيره، ويبقى الحكم على الإمام تابعًا لما ظهر له من الدليل لا لما استقر عند من جاء بعده.
ثم ينتقل ابن تيمية من بيان عذر الأئمة إلى مسألة الوعيد الوارد في بعض النصوص، فيقرر أن ثبوت العذر للمجتهد لا يقتضي إبطال دلالة الحديث على التحريم أو الوعيد. فقد يكون الفعل سببًا للعقوبة شرعًا، ثم تتخلف العقوبة عن شخص بعينه لوجود مانع أو فوات شرط، كالجهل أو التأويل أو عدم بلوغ النص. ولهذا لا يجوز أن يقال عن إمام فعل شيئًا متأولًا أو أفتى بجوازه إنه داخل بعينه في اللعن أو الوعيد الوارد في الحديث، كما لا يجوز في المقابل تعطيل النصوص العامة بدعوى أن بعض العلماء خالفوها.
ويَضْبِط بذلك الموقف من الخلاف بين تعظيم النصوص وحفظ أقدار المجتهدين؛ فلا تُتْرَك السنة الصحيحة لأجل قول إمام بعد ظهورها، ولا يُنتقص الإمام لأنه خالفها باجتهاد قام له عذره. فالمجتهد قد يفوته الحديث أو يضعفه أو يفهمه على غير وجهه أو يرى له معارضًا، أما من تَبَيَّن له النص وزال عنه موجب العذر فلا يكون عذر غيره حجة له في ترك ما ظهر له من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويظل الأصل الجامع أن الأئمة غير معصومين، مع اتفاقهم على أن الحجة الملزمة إنما هي ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن اختلافهم لا يسوغ التعصب لهم ولا الطعن فيهم.
ويَرُد اختلاف العلماء أولًا إلى تفاوت ما بلغهم من السنة، موضحًا أن الإحاطة بجميع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تتحقق لأحد من الأمة، وأن الصحابي رضي الله عنه قد يعلم من السنة ما يخفى على من هو أعلم منه وأفضل. ويستدل لذلك بوقائع متعددة عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم؛ فقد خفيت على أبي بكر رضي الله عنه سنة ميراث الجدة حتى أخبره بها غيره، وخفيت على عمر رضي الله عنه أحكام في الاستئذان ودية الزوج والطاعون وغيرها حتى نقلها إليه بعض الصحابة رضي الله عنهم. فعدم بلوغ الحديث لا يقدح في رتبة المجتهد، وإنما يفسر كيف يجتهد في المسألة بآية أو حديث آخر أو قياس أو استصحاب فينتهي إلى حكم يخالف حديثًا لم يصل إليه.
ويُفَرِّق بعد بلوغ الحديث بين وصوله إلى الإمام وبين ثبوته عنده؛ فقد يبلغه من طريق فيه راوٍ مجهول أو مجروح عنده، أو بإسناد منقطع، بينما يصل إلى غيره من طريق متصل صحيح، أو يعرف غيره من حال الراوي ما لم يعرفه الأول، أو تقوم للحديث عنده شواهد ومتابعات تقويه. وقد يقع الخلاف نفسه في نقد الرجال؛ فيوثق عالم راويا يضعفه آخر، أو يختلفان في ثبوت السماع، أو في حال الراوي قبل الاختلاط وبعده، أو في أثر نسيانه للحديث وإنكاره إياه. ومن هنا كان بعض الأئمة يعلِّق مذهبه على صحة الحديث، فيصرح بأنه إن صح الخبر فهو قوله.
ويضيف إلى ذلك اختلاف الأئمة في الشروط التي يعتبرونها لقبول خبر الواحد؛ فقد يشترط بعضهم ألا يخالف ظاهر الكتاب أو السنة المشهورة، أو أن يكون الراوي فقيهًا إذا خالف الخبر قياس الأصول، أو أن ينتشر الحديث إذا تعلق بما تعم به البلوى. فرب حديث تقوم به الحجة عند عالم لا تقوم به عند آخر بسبب اختلاف أصولهما في شروط الاحتجاج، لا بسبب تقديم أحدهما رأيه عمدًا على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويجعل النسيان سببًا مستقلًا، إذ قد يبلغ العالم النص ويعرفه ثم ينساه عند الفتوى أو القضاء. ويذكر لذلك ما وقع لعمر رضي الله عنه في التيمم حين ذكّره عمار بن ياسر رضي الله عنه بما شهده معه من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، وما وقع في غير ذلك من المواضع التي كان العالم فيها حافظًا للنص ثم غاب عن ذهنه عند وقوع المسألة. فلا يلزم من صدور الفتوى المخالفة لنص سبق للعالم سماعه أن يكون قد أعرض عنه عامدًا؛ إذ النسيان من العوارض البشرية التي تقع للسلف والخلف.
ويُدَقِّق في أسباب تتصل بفهم النص نفسه، فقد يعرف الإمام الحديث ولا يعرف دلالته بسبب غرابة لفظ من ألفاظه، أو اختلاف استعمال اللفظ بين عرفه ولغة الخطاب النبوي، أو خفاء تركيب أو معنى عليه. وقد يعرف جهة الاستدلال، لكنه لا يراها حجة صحيحة بناء على أصل أصولي يخالفه فيه غيره؛ كاختلافهم في حجية مفهوم المخالفة، ودلالة الأمر على الوجوب أو الفور، وحجية العام بعد تخصيصه، ومدى عموم بعض الألفاظ والتراكيب. ولذلك يدخل جانب واسع من اختلاف الأصوليين في تفسير سبب اختلاف الفقهاء في دلالات النصوص.
ويَفْصِل بين عدم معرفة الدلالة وبين اعتقاد أن الدلالة غير مرادة بسبب معارض؛ فقد يرى المجتهد عامًا قد خُصِّص، أو مطلقًا قد قُيِّد، أو أمرًا قامت قرينة عنده تصرفه عن الوجوب، أو حقيقةً دل دليل عنده على إرادة المجاز منها. كما قد يرى الحديث معارضًا بآية أو حديث آخر أو إجماع، فيعتقد أنه ضعيف بالنسبة إلى المعارض، أو منسوخ، أو متأول. وقد يكون مصيبًا في ذلك أو مخطئًا، وقد يشتبه عليه المتقدم والمتأخر في باب النسخ، أو يحمل النص على تأويل لا يراه غيره صحيحًا، أو يعتمد إجماعًا ظنه منعقدًا لأن المخالف لم يبلغه.
ويذكر في آخر الأسباب ما يرجع إلى أصول متنازع فيها في باب تعارض الأدلة؛ كمعارضة بعض الفقهاء الحديث الصحيح بظاهر القرآن، أو رد الخبر المخصص لعموم الكتاب أو المقيد لمطلقه، بناءً على عد ذلك نوعًا من النسخ، أو تقديم عمل أهل المدينة على الخبر عند من يجعله حجة راجحة، أو تقديم القياس الجلي والقواعد الكلية على بعض أخبار الآحاد. فهذه الموازين الاجتهادية قد تؤدي إلى ترك ظاهر حديث عند عالم مع قيام موجب العمل به عند غيره، ويبقى الحكم على الإمام تابعًا لما ظهر له من الدليل لا لما استقر عند من جاء بعده.
ثم ينتقل ابن تيمية من بيان عذر الأئمة إلى مسألة الوعيد الوارد في بعض النصوص، فيقرر أن ثبوت العذر للمجتهد لا يقتضي إبطال دلالة الحديث على التحريم أو الوعيد. فقد يكون الفعل سببًا للعقوبة شرعًا، ثم تتخلف العقوبة عن شخص بعينه لوجود مانع أو فوات شرط، كالجهل أو التأويل أو عدم بلوغ النص. ولهذا لا يجوز أن يقال عن إمام فعل شيئًا متأولًا أو أفتى بجوازه إنه داخل بعينه في اللعن أو الوعيد الوارد في الحديث، كما لا يجوز في المقابل تعطيل النصوص العامة بدعوى أن بعض العلماء خالفوها.
ويَضْبِط بذلك الموقف من الخلاف بين تعظيم النصوص وحفظ أقدار المجتهدين؛ فلا تُتْرَك السنة الصحيحة لأجل قول إمام بعد ظهورها، ولا يُنتقص الإمام لأنه خالفها باجتهاد قام له عذره. فالمجتهد قد يفوته الحديث أو يضعفه أو يفهمه على غير وجهه أو يرى له معارضًا، أما من تَبَيَّن له النص وزال عنه موجب العذر فلا يكون عذر غيره حجة له في ترك ما ظهر له من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويظل الأصل الجامع أن الأئمة غير معصومين، مع اتفاقهم على أن الحجة الملزمة إنما هي ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن اختلافهم لا يسوغ التعصب لهم ولا الطعن فيهم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
روابط القراءة والتحميل
إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم














