
نبذة عن الكتاب:
يَتَتَبَّع أبو عاصم البركاتي المصري في كتاب «دلالة الاقتران ووجه الاحتجاج بها عند الأصوليين» مسألةً دقيقة من مسائل دلالات الألفاظ، وهي مدى صحة نقل حكم أحد الشيئين إلى الآخر لمجرد اقترانهما في خطاب واحد. وينطلق من الخلاف الأصولي في حجية هذا المسلك؛ فطائفة من العلماء استعملته في الاستنباط، بينما ذهب الجمهور إلى ضعفه، ثم يجعل التطبيقات الفقهية ميدانًا لاختبار الأقوال وبيان المواضع التي تقوى فيها الدلالة أو تضعف، انطلاقًا من أن القاعدة الأصولية لا يظهر مقدار صلاحيتها إلا عند تنزيلها على الفروع.
ويُمَهِّد للمسألة بضبط مفرداتها، فيعرف الدلالة وما يتصل بها من الدليل والاستدلال، ثم يرجع الاقتران في اللغة إلى معنى المصاحبة والجمع بين شيئين، ويعرفه اصطلاحًا بأنه جمع الشارع بين شيئين لفظًا. ومن مجموع ذلك يصوغ دلالة الاقتران بأنها أن يُجمع بين شيئين أو أكثر في أمر أو نهي، ثم يُبَيَّن حكم أحدها، فيستدل بمجرد اقترانه بالآخر على ثبوت الحكم له. ومن أمثلتها الاستدلال على أن نجاسة الخمر معنوية باقترانها بالميسر والأنصاب والأزلام في وصف الرجس، والاستدلال باقتران التسمية على الوضوء بنفي الوضوء على اشتراطها عند بعض الفقهاء.
ويعرض مذاهب الأصوليين في الحجية، فينقل القول باعتبارها عن جماعة من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، ومنهم أبو يوسف والمزني وابن أبي هريرة والصيرفي، كما ينقل اختيارها عن القاضي أبي يعلى والحلواني، في مقابل مذهب الشافعية وأكثر المالكية وأكثر الحنابلة القائلين بأن مجرد الاقتران في اللفظ لا يوجب المشاركة في الحكم. وتدور حجة المثبتين على أن العطف يقتضي إشراك المعطوف مع المعطوف عليه فيما دخل فيه الأول، بينما يرد الجمهور بأن الاشتراك النحوي في العطف لا يستلزم التسوية في جميع الأحكام والصفات.
ويُعَمِّق البحث بالنظر في وظيفة واو العطف؛ فيميز بين كونها جامعة بين المعطوفين وبين دعوى أنها تسوي بينهما في الحكم. فالنص قد يعطف عامًا على خاص، أو مندوبًا على واجب، أو مباحًا على واجب، من غير أن تنتقل صفة أحد الطرفين إلى الآخر؛ كما في اقتران الأمر بالأكل من الثمر بالأمر بإيتاء حقه، مع اختلاف حكمهما، أو اقتران المكاتبة بإيتاء المكاتبين من مال الله تعالى مع اختلاف درجة الطلب. ومن هنا يقرر أن العربية تجيز عطف المتغايرات: الأمر على النهي، والخبر على الإنشاء، والمندوب على الواجب، فلا يكفي اتحاد السياق لإثبات اتحاد الحكم.
ويُفَرِّق تبعًا لذلك بين صور الاقتران بحسب تركيب الكلام؛ فعطف المفرد على المفرد أقوى من صور أخرى إذا اشتركا في لفظ جامع أو ظهرت علة مشتركة بينهما، وعطف الجملة الناقصة على الجملة التامة يقتضي مشاركة الثانية للأولى فيما لا تستقل دونه؛ فإذا قيل مثلًا: «هذه طالق ثلاثًا وهذه» شاركت الثانية الأولى في عدد الطلقات، لأن العبارة الثانية لم تستقل بحكمها. أما إذا عطفت جملة تامة على أخرى تامة، فالأصل استقلال كل واحدة بحكمها، فلا يلزم من اقتران الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مثلًا أن تتساويا في جميع شروط التكليف وتفاصيله.
ويستفيد من تقسيم ابن القيم لدلالة الاقتران إلى قوية وضعيفة ومتساوية؛ فتقوى حين يجمع الشارع أشياء تحت وصف واحد مشترك ثم يفصل أفرادها، كما في حديث خصال الفطرة، أو حين تدل قرائن السياق على إرادة جمع المذكورات في حكم جامع. وتضعف إذا استقلت كل جملة بمعناها وسببها وغايتها، فلا يبقى بينهما إلا مجرد العطف. أما موضع التساوي فهو ما كان ظاهر العطف فيه يشعر بالمشاركة، بينما يدل ظاهر قصد المتكلم على التفريق، فيحتاج الناظر حينئذ إلى الترجيح بين القرائن بدل الاعتماد على الاقتران وحده.
ويختبر هذه الضوابط على جملة من الفروع الفقهية؛ فيناقش استدلال مالك على سقوط الزكاة عن الخيل باقترانها بالبغال والحمير في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، وينظر في مسائل أخرى استُعمل فيها الاقتران لإثبات المشاركة في الوجوب أو الشرطية أو الطهارة والنجاسة. ولا يكتفي بنقل مأخذ الفقيه، بل يعيده إلى نوع الاقتران الواقع في النص: هل اجتمعت المذكورات تحت وصف جامع له أثر في الحكم، أم أن الجمل مستقلة ولم يجمع بينها إلا النسق اللفظي؟ وبهذا تتبين قيمة الدلالة من تركيب النص نفسه لا من وجود الواو وحدها.
ويؤكد في بحث عطف السنة على الواجب أن الجمع بين فعلين في خطاب واحد لا يمنع اختلاف مرتبتيهما؛ فقد يعطف المستحب على الواجب أو الواجب على المباح. ومن ثم يناقش من يجعل اقتران أحد الأمرين بالآخر دليلًا كافيًا على مساواتهما في الوجوب، ويستدل بجواز اختلاف الجمل المتعاطفة في نوعها وحكمها على أن العطف أوسع دلالة من التسوية الفقهية. فالمشاركة المعتبرة لا بد أن تستند إلى معنى زائد: كلفظ جامع، أو علة مشتركة، أو افتقار الجزء الثاني إلى الأول، أو قرينة تبين قصد المتكلم.
وينتهي أبو عاصم البركاتي إلى ترجيح مذهب الجمهور في أن دلالة الاقتران لا تستقل بإثبات الأحكام، وأن قوتها تختلف باختلاف صورة التركيب والقرائن المصاحبة له. فلا يطرحها طرحًا مطلقًا، بل يقبل الاستئناس والتقوي بها حيث تؤيدها قرائن معتبرة، أما نقل حكم أحد المقترنين إلى الآخر لمجرد اجتماعهما في النظم فلا يراه كافيًا؛ ولذلك يجعل الفارق الحاسم بين دلالة قوية يعززها السياق أو الاشتراك المؤثر، وبين مجرد اقتران لفظي لا يتجاوز الجمع في العبارة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














