مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي PDF
كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي PDF

نبذة عن الكتاب:

يُدرِّب أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي في كتاب «المعونة في الجدل» المتفقهَ على مواجهة الدليل بالدليل، ومعرفة المواضع التي يصح الاعتراض منها، والطريق الذي يُدفع به كل اعتراض؛ فقد صنفه لما رأى حاجة طلاب الفقه إلى معرفة ما يُعترض به على الأدلة وما يُجاب به عن تلك الاعتراضات، بعد أن كان قد بسط هذا الفن في كتابه «الملخص في الجدل». فجعل «المعونة» أقرب إلى المبتدئ، مع بقائها تذكرةً للمنتهي، وقدَّم قبل مسائل الجدل بابًا يضبط فيه وجوه الأدلة الشرعية حتى تجري الاعتراضات والأجوبة بعد ذلك على ترتيب الأدلة نفسها.

ويَقسم أدلة الشرع إلى أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال. فالأصل عنده الكتاب والسنة والإجماع، ويذكر أن الشافعي أضاف في قوله القديم قول الواحد من الصحابة رضي الله عنهم. أما معقول الأصل فيشمل فحوى الخطاب ودليل الخطاب ومعنى الخطاب، ويجعل معنى الخطاب هو القياس. ثم يضيف استصحاب الحال، ويفرق فيه بين استصحاب براءة الذمة واستصحاب حال الإجماع. وهذه المقدمة ليست استطرادًا في أصول الفقه، وإنما هي الخريطة التي سيبني عليها صناعة المناظرة: ما نوع الدليل المحتج به، وما مرتبته، ومن أي جهة يمكن الاعتراض عليه، وكيف يُصان بعد الاعتراض.

ويُفصِّل دلالة الكتاب إلى النص والظاهر والعموم؛ فالنص لا يحتمل إلا معنى واحدًا، والظاهر يحتمل معنيين يكون أحدهما أظهر، فيُحمل عليه حتى يقوم دليل يصرفه عنه، والعموم يتناول أفرادًا متعددة على وجه لا مزية لبعضها على بعض، فلا يُخص منه شيء إلا بدليل. ويميز في الظاهر بين ما ظهر معناه بوضع اللغة وما ظهر بوضع الشرع، ويعرض الخلاف في انتقال بعض الأسماء من معانيها اللغوية إلى معان شرعية.

ويَجعل دلالة السنة قولًا وفعلًا وإقرارًا. فالقول قد يَرِد ابتداءً أو يَرِد على سبب، وما استقل لفظه عن سببه يجري عليه حكم الخطاب المستقل، فلا يُقصر على سببه لمجرد وروده فيه، أما ما لا يستقل دون السبب فيُفهم القول مع سببه جملةً واحدة. ويفرق في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم بين ما وقع على غير وجه القربة فيدل على الجواز، وما وقع قربةً؛ فإن كان امتثالًا لأمر أو بيانًا لمجمل أخذ حكم ما يبينه أو يمتثله، وإن كان فعلًا مبتدأً جرى فيه الخلاف في دلالته. ويجعل إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للقول أو الفعل طريقًا آخر من طرق السنة.

ويُعرِّف الإجماع باتفاق علماء العصر على حكم الحادثة، ويفرق بين ما ثبت بقول الجميع وبين ما صدر عن بعضهم وانتشر وسكت عنه الباقون، ويذكر الخلاف في تسمية الثاني إجماعًا مع تصحيح حجيته. ثم يتناول قول الصحابي رضي الله عنه إذا لم ينتشر، فيذكر اختلاف قول الشافعي فيه بين القديم والجديد وما يترتب على ذلك من الاحتجاج به أو الاكتفاء بجعله مرجحًا.

ويُقسِّم معقول الأصل إلى فحوى الخطاب ودليل الخطاب والقياس. ففحوى الخطاب انتقال من المنطوق إلى ما هو مساوٍ له أو أولى بالحكم، ودليل الخطاب استدلال بتعليق الحكم على وصف على حكم ما عداه، مع ذكر الخلاف في حجيته. أما القياس فهو حمل فرع على أصل بعلة جامعة وإجراء حكم الأصل على الفرع، ويقسمه إلى قياس العلة وقياس الدلالة، ثم يجعل من قياس الدلالة الاستدلال بخصيصة الشيء عليه، والاستدلال بالنظير على النظير، والاستدلال بالشبه، مع بيان الخلاف في قوة هذا الأخير.

ويَنتقل بعد تثبيت هذه الخريطة إلى صلب الكتاب: الاعتراض على الاستدلال. ففي الاحتجاج بالكتاب يرتب وجوهًا متعددة، منها أن يستدل الخصم بطريق أصولي لا يقول به، أو يستعمل دليلًا في موضع لا يلتزم حكمه فيه، أو يُجاب استدلاله بالقول بموجب الآية مع حملها على معنى آخر، أو تُدَّعى إجمال دلالتها، أو يشترك الطرفان في الاستدلال بها كل لمذهبه، أو يقع الخلاف بسبب القراءة، أو يُدعى النسخ، أو التأويل والتخصيص، أو يعارض النص بنص آخر أو بعلة. ولا يكتفي بتسمية الاعتراض، بل يضع بإزائه جوابًا يبين كيف يستبقي المستدل حجته أو ينقل النزاع إلى الأصل الذي يتوقف عليه الاعتراض.

وتَظهر طريقته بوضوح في دعوى النسخ؛ فإذا أمكن الجمع بين النصين لم يجز الانتقال إلى النسخ، لأن استعمال الدليلين أولى من إهدار أحدهما. كما يناقش الاحتجاج بكون النص من شرع من قبلنا، والتأويل الذي يصرف الظاهر، وتخصيص العموم، والمعارضة بدليل آخر، ويجعل الجواب إما بإسقاط الدليل المعارض، وإما بإثبات إمكان الجمع، وإما بترجيح دليل المستدل إذا تعذر الجمع.

ويُخصِّص للسنة معالجة أوسع بسبب ما يسبق الاستدلال بمتنها من البحث في ثبوتها؛ فيجعل الكلام عليها من جهة رد الخبر، والإسناد، والمتن. فيعرض الاعتراض على خبر الواحد من أصله، أو رده فيما تعم به البلوى، أو لمخالفته القياس أو قياس الأصول، أو لكونه متضمنًا زيادةً على نص القرآن. ثم ينتقل إلى الإسناد، فيبحث مطالبة المستدل بإثبات الحديث، والقدح في الراوي بالكذب أو البدعة أو الغفلة، والجهالة والإرسال، ويبين ما يقابل ذلك من إظهار طريق آخر للخبر أو إزالة جهالة الراوي أو إثبات قبول المرسل على الأصل الذي يلتزمه المستدل.

ولا يجعل مخالفة الراوي لما رواه أو إنكاره للحديث بعد روايته كافيةً وحدها لإسقاط الخبر؛ إذ يحتمل النسيان أو الخطأ في التأويل، كما لا يرد زيادة الثقة لمجرد أن جماعة من الرواة لم يذكروها، لإمكان أن يكون راوي الزيادة قد سمعها في مجلس لم يحضره غيره أو كان أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند ورودها. ثم يعيد على متن السنة كثيرًا من الاعتراضات التي سبق تطبيقها على الكتاب، كالقول بالموجب، والإجمال، والمشاركة في الدليل، واختلاف الرواية، والنسخ، والتأويل، والتخصيص، والمعارضة، لأن مادة الجدل عنده تتغير بحسب طبيعة الدليل مع بقاء أصول الاعتراض متصلة بعضها ببعض.

ويُفرد للإجماع وجوه اعتراض تناسب حقيقته، ثم يتناول قول الواحد من الصحابة رضي الله عنه؛ فيمكن للخصم أن ينازع أصل حجيته، أو يعارضه بنص من الكتاب أو السنة، أو ينقل خلاف صحابي آخر فيتحول الاستدلال إلى مسألة وقع فيها الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم. ويكون جواب المستدل بإثبات حجية قول الصحابي رضي الله عنه على الأصل الذي اختاره، أو دفع النص المعارض، أو إسقاط القول المخالف، أو ترجيح أحد القولين.

ويَعامل دليل الخطاب بوصفه قريبًا من الخطاب المنطوق في أكثر وجوه الاعتراض، مع عناية خاصة بالاعتراض على حجيته نفسها؛ فقد يرد الخصم الاستدلال من أصله لأنه لا يقول بالمفهوم، فيجيب المستدل بإثبات حجيته أو بإظهار أن الدلالة في المسألة راجعة إلى نفس صيغة الخطاب، كالتعليق بالشرط، لا إلى مفهوم مجرد. وبهذا لا تبقى المناظرة عند صورة الفرع الفقهي، بل تنتقل عند الحاجة إلى الأصل الأصولي الذي تولد منه الخلاف.

ويَبلغ الكتاب أدقَّ مراحله حين ينتقل إلى القياس والعلل؛ فهنا تتعدد جهات الاعتراض لأن الخصم يستطيع منازعة الأصل أو حكمه، أو وجود العلة، أو صلاحيتها للتعليل، أو وجودها في الفرع، أو ارتباط الحكم بها. ويعرض الشيرازي الاعتراضات واحدًا بعد آخر، ثم يبين ما يصح من الأجوبة عنها، مستعملًا مسائل فقهية من الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والبيوع والنكاح والجنايات وغيرها، حتى تتحول القاعدة الجدلية إلى ممارسة تطبيقية يمكن للمتفقه أن يتدرب عليها.

ومن هذه الاعتراضات النقض، وهو إظهار موضع توجد فيه العلة ولا يوجد حكمها، ويعرض لدفعه بعدم تسليم مسألة النقض، أو بمنع وجود العلة فيها، أو بتحرير مدلول ألفاظ العلة بحيث يتبين أن الصورة المنقوض بها غير داخلة فيها. ويناقش كذلك أجوبة نُسبت إلى الحنفية، كالتسوية بين الأصل والفرع في موضع النقض، أو دفعه بالاستحسان، أو بجواز تخصيص العلة، ويرفض ما لا يراه جوابًا صحيحًا عن النقض.

ويَفصل بعد ذلك في الكسر، وهو وجود معنى العلة من غير الحكم، والقول بموجب العلة، فيبين كيف يُجاب عن الأخير بالرجوع إلى عموم التعليل أو ظاهره أو تفسيره إذا حاول الخصم قبول نتيجة محدودة لا تستوعب ما يدل عليه التعليل. ثم يعرض الاعتراض بأن العلة لا توجب جميع أحكامها، ويفرق في الجواب بين الأحكام التي تختلف جهاتها ولا يلزم من اشتراكها في وصف واحد أن تتحد في جميع النتائج.

ويُبيِّن فساد الوضع حين يُعلَّق على العلة ضد ما تقتضيه، سواء عُرف ذلك من نص شرعي أو من أصل مقرر، ثم يبحث فساد الاعتبار عندما يقاس حكم على حكم مع ورود النص بالتفريق بينهما، أو مع اختلاف الأصل والفرع في جهة تمنع صحة الإلحاق. ويدخل في ذلك التمييز بين ما بُني على التوسعة وما بُني على التضييق، وبين الابتداء والاستدامة، وبين الأحكام المختلفة في القوة، مع تقرير أن مجرد اختلاف الأصل والفرع في بعض الأحكام لا يكفي لإبطال القياس إذا كانا مستويين في الجهة التي وقع التعليل بها.

ويُعالج «الفرق» بوصفه محاولةً لإثبات معنى في الأصل يمنع إلحاق الفرع به، سواء تعلق بقياس العلة أو قياس الدلالة أو قياس الشبه. فإذا كانت علة الأصل نفسها موضع خلاف، وجَّه العناية إلى مناقشة تلك العلة وإبطال صلاحيتها قبل الاشتغال بتفاصيل الفرع. وفي قياس الدلالة يختبر الفروق المستخرجة من أحكام الشرع أو من نظائر الحكم، وفي قياس الشبه يجيز مقابلة الفرق بجمع مماثل يكشف أن جهة الاتفاق بين الأصل والفرع أقوى في محل النزاع من الجهة التي استند إليها المعترض في التفريق.

ثم يَعود إلى استصحاب الحال، فيفرق بين استصحاب براءة الذمة واستصحاب حال الإجماع. فبراءة الذمة أصل يُتمسك به عند عدم الدليل الناقل، ويمكن الاعتراض عليه بمعارضته بأصل آخر أو بإقامة دليل ينقل الواقعة عن البراءة. أما استصحاب حال الإجماع في موضع طرأ فيه ما يغير وصف المسألة فيضعفه؛ لأن الإجماع السابق إنما انعقد في حال معينة، فلا يصح نقله آليًا إلى الحالة المختلف فيها بعد تغيرها.

ويَختم الجانب التطبيقي بترجيح الأدلة عند تعذر إسقاط أحد المتعارضين أو الجمع بينهما، فيفرق بين ترجيح الظواهر وترجيح المعاني. ففي أخبار الآحاد ينظر إلى الإسناد؛ فيرجح بما يدل على زيادة الضبط والعلم والمباشرة للقصة وكثرة الرواية والصحبة وحسن السياق والاحتياط في الحديث وغيرها من وجوه تقوية الرواية. ثم ينتقل إلى المتن، فيرجح الخبر الموافق لدليل آخر، وما كان أظهر دلالة، وما قصد به بيان الحكم، وما انضم إليه تفسير راويه، والإثبات على النفي لما مع المثبت من زيادة علم، والمتأخر عند ثبوت التأخر، ويتناول كذلك الترجيح بالاحتياط والحظر والإباحة.

ويُفصِّل في ترجيح المعاني والعلل؛ فيقدم ما كان أصله منصوصًا عليه أو ثابتًا بدليل مقطوع به، وما كثرت أصوله، وما كانت علته منصوصة، وينظر في قوة الوصف، واطراده وانعكاسه، وموافقته دليلًا آخر، وما يفضي إليه من احتياط أو نقل عن الأصل. وبذلك يصبح الترجيح المرحلة التي يُفصل بها بين حجتين بقيتا بعد الاعتراض والجواب، فلا يكفي في الجدل أن يعرف الناظر كيف ينقض دليل خصمه أو يحمي دليله، بل يحتاج عند بقاء الدليلين إلى معرفة أيهما أقوى في جهة الإثبات والدلالة.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

أبو إسحاق الشيرازي
الشيخ الإمام القدوة المجتهد، شيخ الإسلام، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفَيْرُوزَابَادِي الشيرازي الشافعي، نزيل بغداد، قيل: لقبه جمال الدين. مولده في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. تفقه على: أبي عبد الله البَيْضَاوِي، وعبد الوهاب بن رَامِين بشيراز، وأخذ بالبصرة عن الخَرْزِي. وقدم بغداد سنة خمس عشرة وأربعمائة، فلزم أبا الطيب، وبرع، وصار معيده، وكان يضرب المثل بفصاحته وقوة مناظرته. وسمع من أبي علي بن شَاذَان، وأبي بكر البَرْقَانِي، ومحمد بن عبيد الله الخَرْجُوشِي. حدث عنه: الخطيب، وأبو الوليد البَاجِي، والحُمَيْدِي، وإسماعيل بن السَّمَرْقَنْدِي، وأبو البدر الكَرْخِي، والزاهد يوسف بن أيوب، وأبو نصر أحمد بن محمد الطوسي، وأبو الحسن بن عبد السلام، وأحمد بن نصر بن حَمَّان الهَمَذَانِي، خاتمة من روى عنه. قال السَّمْعَانِي: هو إمام الشافعية، ومدرس النظامية، وشيخ العصر. رحل الناس إليه من البلاد، وقصدوه، وتفرد بالعلم الوافر مع السيرة الجميلة، والطريقة المرضية. جاءته الدنيا صاغرة فأباها، واقتصر على خشونة العيش أيام حياته. صنف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب، وكان زاهدًا، ورعًا، متواضعًا، ظريفًا، كريمًا، جوادًا، طلق الوجه، دائم البشر، مليح المحاورة. حدثنا عنه جماعة كثيرة. حكي عنه، قال: كنت نائمًا ببغداد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر وعمر، فقلت: يا رسول الله، بلغني عنك أحاديث كثيرة عن ناقلي الأخبار، فأريد أن أسمع منك حديثًا أتشرف به في الدنيا، وأجعله ذخرًا للآخرة. فقال لي: يا شيخ، وسماني شيخًا، وخاطبني به، وكان يفرح بهذا: «قل عني: من أراد السلامة، فليطلبها في سلامة غيره». قال السَّمْعَانِي: سمعت هذا بمرو من أبي القاسم حيدر بن محمود الشيرازي، أنه سمع ذلك من أبي إسحاق. وعن أبي إسحاق: أن رجلًا أخسأ كلبًا، فقال: مه! الطريق بينك وبينه. وعنه: أنه اشتهى ثريدًا بماء باقلاء، قال: فما صح لي أكله لاشتغالي بالدرس وأخذي النوبة. قال السَّمْعَانِي: قال أصحابنا ببغداد: كان الشيخ أبو إسحاق إذا بقي مدة لا يأكل شيئًا، صعد إلى النَّصْرِيَّة، وله بها صديق، فكان يثرد له رغيفًا، ويشربه بماء الباقلاء، فربما صعد إليه وقد فرغ، فيقول أبو إسحاق: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾. قال أبو بكر الشاشي: أبو إسحاق حجة الله على أئمة العصر. وقال الموفق الحنفي: أبو إسحاق أمير المؤمنين في الفقهاء. قال القاضي ابن هانئ: إمامان ما اتفق لهما الحج، أبو إسحاق، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدَّامَغَانِي. أما أبو إسحاق فكان فقيرًا، ولو أراده لحملوه على الأعناق. والآخر لو أراده لأمكنه على السندس والإستبرق. السَّمْعَانِي: سمعت أبا بكر محمد بن القاسم الشَّهْرَزُورِي بالموصل يقول: كان شيخنا أبو إسحاق إذا أخطأ أحد بين يديه، قال: أي سكتة فاتتك. قال: وكان يتوسوس، يعني في الماء. وسمعت عبد الوهاب الأَنْمَاطِي يقول: كان أبو إسحاق يتوضأ في الشط، ويشك في غسل وجهه، حتى يغسله مرات، فقال له رجل: يا شيخ، ما هذا؟ قال: لو صحت لي الثلاث ما زدت عليها. قال السَّمْعَانِي: دخل أبو إسحاق يومًا مسجدًا ليتغدى، فنسي دينارًا، ثم ذكر، فرجع، فوجده، ففكر، وقال: لعله وقع من غيري، فتركه. قيل: إن ظاهرًا النيسابوري خرج لأبي إسحاق جزءًا، فقال: أخبرنا أبو علي بن شاذان. ومرة: أخبرنا الحسن بن أحمد البزاز. ومرة: أخبرنا الحسن بن أبي بكر الفارسي. فقال: من ذا؟ قال: هو ابن شاذان. فقال: ما أريد هذا الجزء، التدليس أخو الكذب. قال القاضي أبو بكر الأنصاري: أتيت أبا إسحاق بفتيا في الطريق، فأخذ قلم خباز، وكتب، ثم مسح القلم في ثوبه. قال السَّمْعَانِي: سمعت جماعة يقولون: لما قدم أبو إسحاق نيسابور رسولًا، تلقوه، وحمل إمام الحرمين غاشيته، ومشى بين يديه، وقال: أفتخر بهذا. وكان عامة المدرسين بالعراق والجبال تلامذته وأتباعه، وكفاهم بذلك فخرًا، وكان ينشد الأشعار المليحة، ويوردها، ويحفظ منها الكثير. وعنه قال: العلم الذي لا ينتفع به صاحبه أن يكون الرجل عالمًا ولا يكون عاملًا. وقال: الجاهل بالعالم يقتدي، فإذا كان العالم لا يعمل، فالجاهل ما يرجو من نفسه؟ فالله الله يا أولادي! نعوذ بالله من علم يصير حجة علينا. قيل: إن عبد الرحيم بن القُشَيْرِي جلس بجنب الشيخ أبي إسحاق، فأحس بثقل في كمه، فقال: ما هذا يا سيدنا؟ قال: قرصي الملاح، وكان يحملهما في كمه للتكلف. قال السَّمْعَانِي: رأيت بخط أبي إسحاق رقعة فيها نسخة ما رآه أبو محمد المَزِيدِي: رأيت في سنة ثمان وستين ليلة جمعة أبا إسحاق الفَيْرُوزَابَادِي في منامي يطير مع أصحابه في السماء الثالثة أو الرابعة، فتحيرت، وقلت في نفسي: هذا هو الشيخ الإمام مع أصحابه يطير وأنا معهم. فكنت في هذه الفكرة، إذ تلقى الشيخ ملك، وسلم عليه عن الرب تعالى، وقال: إن الله يقرأ عليك السلام، ويقول: ما تدرس لأصحابك؟ قال: أدرس ما نقل عن صاحب الشرع. قال له الملك: فاقرأ علي شيئًا أسمعه. فقرأ عليه الشيخ مسألة لا أذكرها. ثم رجع الملك بعد ساعة إلى الشيخ، وقال: إن الله يقول: الحق ما أنت عليه وأصحابك، فادخل الجنة معهم. قال الشيخ أبو إسحاق: كنت أعيد كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت، أخذت قياسًا آخر على هذا، وكنت أعيد كل درس ألف مرة، فإذا كان في المسألة بيت يستشهد به، حفظت القصيدة التي فيها البيت. كان الوزير ابن جَهِير كثيرًا ما يقول: الإمام أبو إسحاق وحيد عصره، وفريد دهره، ومستجاب الدعوة. قال السَّمْعَانِي: لما خرج أبو إسحاق إلى نيسابور، خرج معه جماعة من تلامذته، كأبي بكر الشاشي، وأبي عبد الله الطبري، وأبي معاذ الأندلسي، والقاضي علي المَيَانِجِي، وقاضي البصرة ابن فِتْيَان، وأبي الحسن الآمِدِي، وأبي القاسم الزَّنْجَانِي، وأبي علي الفَارِقِي، وأبي العباس بن الرُّطْبِي. قال ابن النجار: ولد أبو إسحاق بفَيْرُوزَابَاد، بليدة بفارس، ونشأ بها، وقرأ الفقه بشيراز على أبي القاسم الدَّارَكِي، وعلى أبي الطيب الطبري صاحب المَاسَرْجِسِي، وعلي الزَّجَّاجِي صاحب ابن القاص، وقرأ الكلام على أبي حاتم القَزْوِينِي صاحب ابن الباقلاني، وخطه في غاية الرداءة. قال أبو العباس الجرجاني القاضي: كان أبو إسحاق لا يملك شيئًا، بلغ به الفقر حتى كان لا يجد قوتًا ولا ملبسًا. كنا نأتيه وهو ساكن في القَطِيعَة، فيقوم لنا نصف قومة؛ كي لا يظهر منه شيء من العري. وكنت أمشي معه، فتعلق به بَاقِلَّانِي، وقال: يا شيخ، كسرتني وأفقرتني! فقلنا: وكم لك عنده؟ قال: حبتان من ذهب أو حبتان ونصف. وقال ابن الخَاضِبَة: كان ابن أبي عقيل يبعث من صُور إلى الشيخ أبي إسحاق البذلة والعمامة المثمنة، فكان لا يلبس العمامة حتى يغسلها في دجلة، ويقصد طهارتها. وقيل: إن أبا إسحاق نزع عمامته، وكانت بعشرين دينارًا، وتوضأ في دجلة، فجاء لص، فأخذها، وترك عمامة رديئة بدلها، فطلع الشيخ، فلبسها، وما شعر حتى سألوه وهو يدرس، فقال: لعل الذي أخذها محتاج. قال أبو بكر بن الخَاضِبَة: سمعت بعض أصحاب أبي إسحاق يقول: رأيت الشيخ كان يصلي عند فراغ كل فصل من «المهذب». قال نظام الملك، وأثنى على أبي إسحاق، وقال: كيف حالي مع رجل لا يفرق بيني وبين نَهْرُوز الفراش في المخاطبة؟ قال لي: بارك الله فيك. وقال له لما صب عليه كذلك. قال محمد بن عبد الملك الهَمَذَانِي: حكى أبي، قال: حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن المَاوَرْدِي عزاء، فتكلم الشيخ أبو إسحاق واجلًا، فلما خرجنا، قال المَاوَرْدِي: ما رأيت كأبي إسحاق! لو رآه الشافعي لتجمل به. أخبرني الحسن بن علي، أخبرنا جعفر الهَمَذَانِي، أخبرنا السِّلَفِي: سألت شجاعًا الذُّهْلِي عن أبي إسحاق، فقال: إمام أصحاب الشافعي، والمقدم عليهم في وقته ببغداد. كان ثقة، ورعًا، صالحًا، عالمًا بالخلاف علمًا لا يشاركه فيه أحد. قال محمد بن عبد الملك الهَمَذَانِي: ندب المقتدي بالله أبا إسحاق للرسلية إلى المعسكر، فتوجه في آخر سنة خمس وسبعين، فكان يخرج إليه أهل البلد بنسائهم وأولادهم، يمسحون أردانه، ويأخذون تراب نعليه يستشفون به، وخرج الخبازون، ونثروا الخبز، وهو ينهاهم، ولا ينتهون، وخرج أصحاب الفاكهة والحلواء، ونثروا على الأساكفة، وعملوا مداسات صغارًا، ونثروها، وهي تقع على رؤوس الناس، والشيخ يعجب، وقال لنا: رأيتم النثار، ما وصل إليكم منه؟ فقالوا: يا سيدي، وأنت أي شيء كان حظك منه؟ قال: أنا غطيت نفسي بالمحفة. قال شِيرَوَيْه الدَّيْلَمِي في «تاريخ همذان»: أبو إسحاق إمام عصره، قدم علينا رسولًا إلى السلطان ملكشاه، سمعت منه، وكان ثقة، فقيهًا، زاهدًا في الدنيا على التحقيق، أوحد زمانه. قال خطيب الموصل أبو الفضل: حدثني أبي، قال: توجهت من الموصل سنة 459 إلى أبي إسحاق، فلما حضرت عنده رحب بي، وقال: من أين أنت؟ فقلت: من الموصل. قال: مرحبًا، أنت بلديي. قلت: يا سيدنا، أنت من فَيْرُوزَابَاد. قال: أما جمعتنا سفينة نوح؟ فشاهدت من حسن أخلاقه ولطافته وزهده ما حبب إلي لزومه، فصحبته إلى أن مات. توفي ليلة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربعمائة ببغداد، وأحضر إلى دار أمير المؤمنين المقتدي بالله، فصلى عليه، ودفن بمقبرة باب أَبْرَز، وعمل العزاء بالنظامية، وصلى عليه صاحبه أبو عبد الله الطبري، ثم رتب المؤيد بن نظام الملك بعده في تدريس النظامية أبا سعد المُتَوَلِّي، فلما بلغ ذلك النظام، كتب بإنكار ذلك، وقال: كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة من أجل الشيخ. وعاب على من تولى، وأمر أن يدرس الإمام أبو نصر عبد السيد بن الصَّبَّاغ بها. قلت: درس بها الشيخ أبو إسحاق بعد تمنع، ولم يتناول جامكية أصلًا، وكان يقتصر على عمامة صغيرة وثوب قطني، ويقنع بالقوت، وكان الفقيه رافع الحمال رفيقه في الاشتغال، فيحمل شطر نهاره بالأجرة، وينفق على نفسه وعلى أبي إسحاق، ثم إن رافعًا حج وجاور، وصار فقيه الحرم في حدود الأربعين وأربعمائة. ومات أبو إسحاق، ولم يخلف درهمًا، ولا عليه درهم. وكذا فليكن الزهد. وما تزوج فيما أعلم. وبحسن نيته في العلم اشتهرت تصانيفه في الدنيا، كـ«المهذب»، و«التنبيه»، و«اللمع في أصول الفقه»، و«شرح اللمع»، و«المعونة في الجدل»، و«الملخص في أصول الفقه»، وغير ذلك. ومن شعره: أحب الكأس من غير المدام وألهو بالحسان بلا حرام وما حبي لفاحشة ولكن رأيت الحب أخلاق الكرام وقال: سألت الناس عن خل وفي فقالوا: ما إلى هذا سبيل تمسك إن ظفرت بود حر فإن الحر في الدنيا قليل ولعاصم بن الحسن فيه: تراه من الذكاء نحيف جسم عليه من توقده دليل إذا كان الفتى ضخم المعاني فليس يضيره الجسم النحيل ولأبي القاسم بن نَاقِيَاء يرثيه: أجرى المدامع بالدم المهراق خطب أقام قيامة الأماق خطب شجا منا القلوب بلوعة بين التراقي ما لها من راق ما لليالي لا تؤلف شملها بعد ابن بجدتها أبي إسحاق إن قيل مات فلم يمت من ذكره حي على مر الليالي باق وعن أبي إسحاق، قال: خرجت إلى خراسان، فما دخلت بلدة إلا كان قاضيها أو خطيبها أو مفتيها من أصحابي. قال أَنُوشْتَكِين الرِّضْوَانِي: أنشدني أبو إسحاق الشيرازي لنفسه: ولو أني جعلت أمير جيش لما قاتلت إلا بالسؤال لأن الناس ينهزمون منه وقد ثبتوا لأطراف العوالي المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي PDF - مكتبة الكتب الإسلامية