
نبذة عن الكتاب:
يُدرِّب أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي في كتاب «المعونة في الجدل» المتفقهَ على مواجهة الدليل بالدليل، ومعرفة المواضع التي يصح الاعتراض منها، والطريق الذي يُدفع به كل اعتراض؛ فقد صنفه لما رأى حاجة طلاب الفقه إلى معرفة ما يُعترض به على الأدلة وما يُجاب به عن تلك الاعتراضات، بعد أن كان قد بسط هذا الفن في كتابه «الملخص في الجدل». فجعل «المعونة» أقرب إلى المبتدئ، مع بقائها تذكرةً للمنتهي، وقدَّم قبل مسائل الجدل بابًا يضبط فيه وجوه الأدلة الشرعية حتى تجري الاعتراضات والأجوبة بعد ذلك على ترتيب الأدلة نفسها.
ويَقسم أدلة الشرع إلى أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال. فالأصل عنده الكتاب والسنة والإجماع، ويذكر أن الشافعي أضاف في قوله القديم قول الواحد من الصحابة رضي الله عنهم. أما معقول الأصل فيشمل فحوى الخطاب ودليل الخطاب ومعنى الخطاب، ويجعل معنى الخطاب هو القياس. ثم يضيف استصحاب الحال، ويفرق فيه بين استصحاب براءة الذمة واستصحاب حال الإجماع. وهذه المقدمة ليست استطرادًا في أصول الفقه، وإنما هي الخريطة التي سيبني عليها صناعة المناظرة: ما نوع الدليل المحتج به، وما مرتبته، ومن أي جهة يمكن الاعتراض عليه، وكيف يُصان بعد الاعتراض.
ويُفصِّل دلالة الكتاب إلى النص والظاهر والعموم؛ فالنص لا يحتمل إلا معنى واحدًا، والظاهر يحتمل معنيين يكون أحدهما أظهر، فيُحمل عليه حتى يقوم دليل يصرفه عنه، والعموم يتناول أفرادًا متعددة على وجه لا مزية لبعضها على بعض، فلا يُخص منه شيء إلا بدليل. ويميز في الظاهر بين ما ظهر معناه بوضع اللغة وما ظهر بوضع الشرع، ويعرض الخلاف في انتقال بعض الأسماء من معانيها اللغوية إلى معان شرعية.
ويَجعل دلالة السنة قولًا وفعلًا وإقرارًا. فالقول قد يَرِد ابتداءً أو يَرِد على سبب، وما استقل لفظه عن سببه يجري عليه حكم الخطاب المستقل، فلا يُقصر على سببه لمجرد وروده فيه، أما ما لا يستقل دون السبب فيُفهم القول مع سببه جملةً واحدة. ويفرق في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم بين ما وقع على غير وجه القربة فيدل على الجواز، وما وقع قربةً؛ فإن كان امتثالًا لأمر أو بيانًا لمجمل أخذ حكم ما يبينه أو يمتثله، وإن كان فعلًا مبتدأً جرى فيه الخلاف في دلالته. ويجعل إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للقول أو الفعل طريقًا آخر من طرق السنة.
ويُعرِّف الإجماع باتفاق علماء العصر على حكم الحادثة، ويفرق بين ما ثبت بقول الجميع وبين ما صدر عن بعضهم وانتشر وسكت عنه الباقون، ويذكر الخلاف في تسمية الثاني إجماعًا مع تصحيح حجيته. ثم يتناول قول الصحابي رضي الله عنه إذا لم ينتشر، فيذكر اختلاف قول الشافعي فيه بين القديم والجديد وما يترتب على ذلك من الاحتجاج به أو الاكتفاء بجعله مرجحًا.
ويُقسِّم معقول الأصل إلى فحوى الخطاب ودليل الخطاب والقياس. ففحوى الخطاب انتقال من المنطوق إلى ما هو مساوٍ له أو أولى بالحكم، ودليل الخطاب استدلال بتعليق الحكم على وصف على حكم ما عداه، مع ذكر الخلاف في حجيته. أما القياس فهو حمل فرع على أصل بعلة جامعة وإجراء حكم الأصل على الفرع، ويقسمه إلى قياس العلة وقياس الدلالة، ثم يجعل من قياس الدلالة الاستدلال بخصيصة الشيء عليه، والاستدلال بالنظير على النظير، والاستدلال بالشبه، مع بيان الخلاف في قوة هذا الأخير.
ويَنتقل بعد تثبيت هذه الخريطة إلى صلب الكتاب: الاعتراض على الاستدلال. ففي الاحتجاج بالكتاب يرتب وجوهًا متعددة، منها أن يستدل الخصم بطريق أصولي لا يقول به، أو يستعمل دليلًا في موضع لا يلتزم حكمه فيه، أو يُجاب استدلاله بالقول بموجب الآية مع حملها على معنى آخر، أو تُدَّعى إجمال دلالتها، أو يشترك الطرفان في الاستدلال بها كل لمذهبه، أو يقع الخلاف بسبب القراءة، أو يُدعى النسخ، أو التأويل والتخصيص، أو يعارض النص بنص آخر أو بعلة. ولا يكتفي بتسمية الاعتراض، بل يضع بإزائه جوابًا يبين كيف يستبقي المستدل حجته أو ينقل النزاع إلى الأصل الذي يتوقف عليه الاعتراض.
وتَظهر طريقته بوضوح في دعوى النسخ؛ فإذا أمكن الجمع بين النصين لم يجز الانتقال إلى النسخ، لأن استعمال الدليلين أولى من إهدار أحدهما. كما يناقش الاحتجاج بكون النص من شرع من قبلنا، والتأويل الذي يصرف الظاهر، وتخصيص العموم، والمعارضة بدليل آخر، ويجعل الجواب إما بإسقاط الدليل المعارض، وإما بإثبات إمكان الجمع، وإما بترجيح دليل المستدل إذا تعذر الجمع.
ويُخصِّص للسنة معالجة أوسع بسبب ما يسبق الاستدلال بمتنها من البحث في ثبوتها؛ فيجعل الكلام عليها من جهة رد الخبر، والإسناد، والمتن. فيعرض الاعتراض على خبر الواحد من أصله، أو رده فيما تعم به البلوى، أو لمخالفته القياس أو قياس الأصول، أو لكونه متضمنًا زيادةً على نص القرآن. ثم ينتقل إلى الإسناد، فيبحث مطالبة المستدل بإثبات الحديث، والقدح في الراوي بالكذب أو البدعة أو الغفلة، والجهالة والإرسال، ويبين ما يقابل ذلك من إظهار طريق آخر للخبر أو إزالة جهالة الراوي أو إثبات قبول المرسل على الأصل الذي يلتزمه المستدل.
ولا يجعل مخالفة الراوي لما رواه أو إنكاره للحديث بعد روايته كافيةً وحدها لإسقاط الخبر؛ إذ يحتمل النسيان أو الخطأ في التأويل، كما لا يرد زيادة الثقة لمجرد أن جماعة من الرواة لم يذكروها، لإمكان أن يكون راوي الزيادة قد سمعها في مجلس لم يحضره غيره أو كان أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند ورودها. ثم يعيد على متن السنة كثيرًا من الاعتراضات التي سبق تطبيقها على الكتاب، كالقول بالموجب، والإجمال، والمشاركة في الدليل، واختلاف الرواية، والنسخ، والتأويل، والتخصيص، والمعارضة، لأن مادة الجدل عنده تتغير بحسب طبيعة الدليل مع بقاء أصول الاعتراض متصلة بعضها ببعض.
ويُفرد للإجماع وجوه اعتراض تناسب حقيقته، ثم يتناول قول الواحد من الصحابة رضي الله عنه؛ فيمكن للخصم أن ينازع أصل حجيته، أو يعارضه بنص من الكتاب أو السنة، أو ينقل خلاف صحابي آخر فيتحول الاستدلال إلى مسألة وقع فيها الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم. ويكون جواب المستدل بإثبات حجية قول الصحابي رضي الله عنه على الأصل الذي اختاره، أو دفع النص المعارض، أو إسقاط القول المخالف، أو ترجيح أحد القولين.
ويَعامل دليل الخطاب بوصفه قريبًا من الخطاب المنطوق في أكثر وجوه الاعتراض، مع عناية خاصة بالاعتراض على حجيته نفسها؛ فقد يرد الخصم الاستدلال من أصله لأنه لا يقول بالمفهوم، فيجيب المستدل بإثبات حجيته أو بإظهار أن الدلالة في المسألة راجعة إلى نفس صيغة الخطاب، كالتعليق بالشرط، لا إلى مفهوم مجرد. وبهذا لا تبقى المناظرة عند صورة الفرع الفقهي، بل تنتقل عند الحاجة إلى الأصل الأصولي الذي تولد منه الخلاف.
ويَبلغ الكتاب أدقَّ مراحله حين ينتقل إلى القياس والعلل؛ فهنا تتعدد جهات الاعتراض لأن الخصم يستطيع منازعة الأصل أو حكمه، أو وجود العلة، أو صلاحيتها للتعليل، أو وجودها في الفرع، أو ارتباط الحكم بها. ويعرض الشيرازي الاعتراضات واحدًا بعد آخر، ثم يبين ما يصح من الأجوبة عنها، مستعملًا مسائل فقهية من الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والبيوع والنكاح والجنايات وغيرها، حتى تتحول القاعدة الجدلية إلى ممارسة تطبيقية يمكن للمتفقه أن يتدرب عليها.
ومن هذه الاعتراضات النقض، وهو إظهار موضع توجد فيه العلة ولا يوجد حكمها، ويعرض لدفعه بعدم تسليم مسألة النقض، أو بمنع وجود العلة فيها، أو بتحرير مدلول ألفاظ العلة بحيث يتبين أن الصورة المنقوض بها غير داخلة فيها. ويناقش كذلك أجوبة نُسبت إلى الحنفية، كالتسوية بين الأصل والفرع في موضع النقض، أو دفعه بالاستحسان، أو بجواز تخصيص العلة، ويرفض ما لا يراه جوابًا صحيحًا عن النقض.
ويَفصل بعد ذلك في الكسر، وهو وجود معنى العلة من غير الحكم، والقول بموجب العلة، فيبين كيف يُجاب عن الأخير بالرجوع إلى عموم التعليل أو ظاهره أو تفسيره إذا حاول الخصم قبول نتيجة محدودة لا تستوعب ما يدل عليه التعليل. ثم يعرض الاعتراض بأن العلة لا توجب جميع أحكامها، ويفرق في الجواب بين الأحكام التي تختلف جهاتها ولا يلزم من اشتراكها في وصف واحد أن تتحد في جميع النتائج.
ويُبيِّن فساد الوضع حين يُعلَّق على العلة ضد ما تقتضيه، سواء عُرف ذلك من نص شرعي أو من أصل مقرر، ثم يبحث فساد الاعتبار عندما يقاس حكم على حكم مع ورود النص بالتفريق بينهما، أو مع اختلاف الأصل والفرع في جهة تمنع صحة الإلحاق. ويدخل في ذلك التمييز بين ما بُني على التوسعة وما بُني على التضييق، وبين الابتداء والاستدامة، وبين الأحكام المختلفة في القوة، مع تقرير أن مجرد اختلاف الأصل والفرع في بعض الأحكام لا يكفي لإبطال القياس إذا كانا مستويين في الجهة التي وقع التعليل بها.
ويُعالج «الفرق» بوصفه محاولةً لإثبات معنى في الأصل يمنع إلحاق الفرع به، سواء تعلق بقياس العلة أو قياس الدلالة أو قياس الشبه. فإذا كانت علة الأصل نفسها موضع خلاف، وجَّه العناية إلى مناقشة تلك العلة وإبطال صلاحيتها قبل الاشتغال بتفاصيل الفرع. وفي قياس الدلالة يختبر الفروق المستخرجة من أحكام الشرع أو من نظائر الحكم، وفي قياس الشبه يجيز مقابلة الفرق بجمع مماثل يكشف أن جهة الاتفاق بين الأصل والفرع أقوى في محل النزاع من الجهة التي استند إليها المعترض في التفريق.
ثم يَعود إلى استصحاب الحال، فيفرق بين استصحاب براءة الذمة واستصحاب حال الإجماع. فبراءة الذمة أصل يُتمسك به عند عدم الدليل الناقل، ويمكن الاعتراض عليه بمعارضته بأصل آخر أو بإقامة دليل ينقل الواقعة عن البراءة. أما استصحاب حال الإجماع في موضع طرأ فيه ما يغير وصف المسألة فيضعفه؛ لأن الإجماع السابق إنما انعقد في حال معينة، فلا يصح نقله آليًا إلى الحالة المختلف فيها بعد تغيرها.
ويَختم الجانب التطبيقي بترجيح الأدلة عند تعذر إسقاط أحد المتعارضين أو الجمع بينهما، فيفرق بين ترجيح الظواهر وترجيح المعاني. ففي أخبار الآحاد ينظر إلى الإسناد؛ فيرجح بما يدل على زيادة الضبط والعلم والمباشرة للقصة وكثرة الرواية والصحبة وحسن السياق والاحتياط في الحديث وغيرها من وجوه تقوية الرواية. ثم ينتقل إلى المتن، فيرجح الخبر الموافق لدليل آخر، وما كان أظهر دلالة، وما قصد به بيان الحكم، وما انضم إليه تفسير راويه، والإثبات على النفي لما مع المثبت من زيادة علم، والمتأخر عند ثبوت التأخر، ويتناول كذلك الترجيح بالاحتياط والحظر والإباحة.
ويُفصِّل في ترجيح المعاني والعلل؛ فيقدم ما كان أصله منصوصًا عليه أو ثابتًا بدليل مقطوع به، وما كثرت أصوله، وما كانت علته منصوصة، وينظر في قوة الوصف، واطراده وانعكاسه، وموافقته دليلًا آخر، وما يفضي إليه من احتياط أو نقل عن الأصل. وبذلك يصبح الترجيح المرحلة التي يُفصل بها بين حجتين بقيتا بعد الاعتراض والجواب، فلا يكفي في الجدل أن يعرف الناظر كيف ينقض دليل خصمه أو يحمي دليله، بل يحتاج عند بقاء الدليلين إلى معرفة أيهما أقوى في جهة الإثبات والدلالة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














