
نبذة عن الكتاب:
يَسْتَنْهِض أبو شامة المقدسي في «خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول» همةَ طالب العلم للرجوع إلى الطريقة التي كان عليها المتقدمون في التفقه، وهي بناء الأحكام على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والاستعانة بأقوال الصحابة رضي الله عنهم والسلف لفهم النصوص، ثم طلب الراجح عند الاختلاف من غير تعصب لإمام أو مذهب. وتمثل هذه الخطبة مدخلًا مطولًا إلى مشروعه في إصلاح مسار النظر الفقهي؛ إذ يبدأ بتعظيم العلم وفضل أهله، ثم يتدرج إلى بيان آفات التحصيل في عصره، ونشأة المذاهب وتطور التقليد، وصفات العالم وطالب العلم، قبل أن يصرح بالمقصود من «الرد إلى الأمر الأول» ووجه الحاجة إليه.
ويفتتح حديثه بتصوير ما أصاب العلم من ضعف الإتقان وقلة التعظيم، فيقابل ذلك بما جاء في القرآن والسنة من رفع منزلة العلماء وطلاب العلم، ويورد آثارًا كثيرة في فضل العلم وتقديم الاشتغال به على كثير من نوافل العبادات إذا صحت النية. ولا يفصل بين شرف العلم والعمل به؛ فالعلم المحمود عنده ليس كثرة الرواية والمسائل وحدها، وإنما يصحبه الخشية والإخلاص والورع وصيانة النفس عن ابتذال العلم لأهل الدنيا، ولذلك يكثر من نقل كلمات السلف في أن حقيقة العلم تظهر في أثره على صاحبه، لا في كثرة الجدل والمحفوظات.
ويجعل الفقه من أجل العلوم بعد معرفة الله تعالى، لأنه ثمرة الكتاب والسنة والطريق إلى معرفة الأحكام، لكنه يربطه بإحكام أصول الفقه والتبحر في اللسان العربي؛ إذ لا يستقيم الاستنباط مع الجهل بطرائق العرب في الحقيقة والمجاز ودلالات الألفاظ وأساليب الخطاب. وينبه إلى أن كثيرًا من الخطأ في فهم القرآن والسنة نشأ من حمل الكلام على ظاهره من غير معرفة بسعة العربية وتصرفاتها، كما ينتقد من اقتصر من العربية على مقدمة يسيرة تعينه على المجادلة ولم يتوسع فيما يُفهم به كلام الشارع، ومن هجر أصول الفقه أو شغله بأبحاث ليست من صميم مقصده.
ويتتبع انتقال الفقه من الصحابة رضي الله عنهم إلى التابعين ثم أتباعهم، ويذكر مراكز الفقه في المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ومصر وغيرها، وكيف انتهت الرياسة العلمية في الأمصار إلى طوائف من الأئمة، ثم اشتهرت مذاهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. ويخص الشافعي بعناية واسعة، فيورد ما يدل على تمكنه من القرآن والسنة والعربية والفقه وأصوله، ويجعل اجتماع هذه الآلات فيه مثالًا لطريقة الاجتهاد التي يدعو إلى استعادتها؛ فالفقيه لا يبني قوله على الانتماء المجرد، وإنما يجمع أدوات فهم النص ثم ينظر فيما يدل عليه.
ويُشَدِّد في وصف آداب العالم والمتعلم، فيذم المراء والخصومة التي يكون غرضها الانتصار وقهر المخالف، ويقابلها بالنصيحة وطلب الحق وقبول التصحيح. ويحث طالب العلم على طول الملازمة والمراجعة والمذاكرة وكثرة المطالعة، وعلى اتهام نفسه بالتقصير بدل استعجال دعوى التحقيق، وعلى أن يعد تنبيه غيره له على خطئه فائدة يشكر عليها. فالمحقق في تصوره لا يكتفي بحفظ المختصرات أو إتقان رسوم الجدل، بل يجمع بين مطالعة الكتب ومذاكرة الشيوخ والتحقيق فيما يشكل عليه، ولا يستطاع ذلك مع طلب الراحة وقلة الصبر.
ثم يعرض تحولًا تاريخيًا يراه أصل الداء؛ فالصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم كانوا إذا نزلت الواقعة طلبوا حكمها من الكتاب والسنة، ويتدافعون الفتوى خوفًا من القول بلا علم، ثم كثرت النوازل فاجتهد العلماء ودوّنت فتاويهم وفُرِّعت عليها المسائل. وظل الفقه عند الأئمة قائمًا على الأصلين مع الاستفادة من أقوال من سبق، حتى استقرت المذاهب واشتهرت، فقصرت همم طائفة من المتأخرين، وصارت أقوال الأئمة عندهم بمنزلة أصول لا يتجاوزونها، وانصرفوا عن النظر الذي كان عليه أصحاب تلك الأقوال أنفسهم.
ويهاجم التعصب المذهبي حين يؤدي إلى رد النص أو تأويله تأويلًا بعيدًا دفاعًا عن قول الإمام، ويرى أن هذا المسلك مخالف لأصول الأئمة أنفسهم؛ لأنهم كانوا يرجعون عن أقوالهم إذا ظهر لهم الدليل، وقد نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره. ويستشهد بكلام المزني في أن مختصره إنما يقرب علم الشافعي للناظر ليحتاط لدينه وينظر في الدليل، ويفسر ذلك بطلب الصواب بالاجتهاد وترك التقليد الأعمى. فالمذهب عنده معين على فهم الفقه، لا حجابًا يحول بين الناظر وبين الكتاب والسنة.
ولا يقف نقده عند المقلدة؛ بل ينتقد كذلك من تركوا الفقه والحديث إلى الجدل المحض والأشكال المنطقية، ومن اكتفوا بسمت المتفقهين ومناصب المدارس من غير تحصيل. ويصف مجالس يطول فيها النزاع ولا تسمع فيها آية أو حديث، ويكون غرض المتناظرين إبطال قول الخصم لا معرفة الصواب. وفي مقابل ذلك يقرر أن الرأي والقياس إنما يستعملان عند الحاجة وبعد طلب الأثر، وينقل عن الأئمة ما يدل على تقديم الحديث الصحيح، وعلى أن القياس تابع للنص لا مزاحم له.
ويصرح بعد ذلك بمقصود الكتاب الذي كان يتهيأ لتأليفه: جمع مسائل الاتفاق والاختلاف وردها إلى «الأمر الأول»، أي إلى ما كان عليه الأئمة المتقدمون من استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، مع الاستظهار بأقوال السلف لفهم معانيهما، ثم اختيار القول الأقرب إلى دلالة الأصلين. ويربط ذلك بالأمر القرآني برد التنازع إلى الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم، ويرى أن الإنصاف في مسائل الخلاف يقتضي ألا يكون غرض المصنف ترجيح قول إمامه في كل موضع، بل النظر في أدلة الأقوال جميعًا والصيرورة إلى ما ترجح منها.
ويطبق هذا النقد داخل المذهب الشافعي نفسه، فيلاحظ اختلاف المتأخرين في نقل نصوص الشافعي، وفي تعيين القديم والجديد وتصحيح الأقوال، مع وجود كتب الإمام المدونة التي يمكن الرجوع إليها، وينبه إلى وقوع أخطاء في بعض المصنفات من جهة نقل الحديث أو الإجماع أو مذهب المخالف. ويرفض أن يكون قدم المصنف أو مكانته مانعًا من بيان خطئه؛ فإذا ثبت حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يرد لمجرد أن عالمًا متقدمًا خالفه، بل ينبغي لطالب العلم أن يفرح بما ظهر له من صواب لم يكن يعرفه، وأن يأخذ الحكمة ممن جاء بها، ويلازم الإنصاف واتباع الدليل؛ إذ كل أحد يخطئ ويصيب إلا من ثبتت له العصمة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














