
نبذة عن الكتاب:
يُبَسِّط حافظ ثناء الله الزاهدي في كتاب «تلخيص الأصول» جملة من مباحث أصول الفقه بقصد تقريب مصطلحات هذا الفن إلى طلبة العلم، مع الاقتصار على تحليل المفاهيم الأصولية وذكر أمثلة توضّح استعمالاتها عند الأصوليين. وقد صرّح بأن الكتاب خطوة أولى في مشروع يرمي إلى تكوين وعي أصولي لدى الطالب، وأنه اختار سبعة أصول، يجعل الأصلين منها الكتاب والسنة، وما عداهما تابعًا لهما، ثم يُعَرِّف كل أصل ويذكر من متعلقاته ما يكفي لتكوين صورته في الذهن.
ويبدأ بتمهيد يُعَرِّف فيه أصول الفقه من جهة تركيبه الإضافي ومن جهة كونه لقبًا لفن مخصوص؛ فالأصل ما يُبنى عليه غيره، ويطلق اصطلاحًا على القاعدة وعلى الدليل الذي يكون مصدرًا للحكم، والفقه هو معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية باستدلال. ثم يُعَرِّف أصول الفقه بأنه القواعد التي يُتَوَصَّل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية، ويجعل من موضوعاته مصادر الحكم، وما يثبت بها، وكيفية الاستدلال منها، وحال المستدل، ومن ثمرته التمكن من معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها.
ويجعل الكتاب والسنة في صدر مصادر الحكم، لكنه يركّز في بابهما على طرق الاستنباط من النص، فيعرضها أولًا بحسب ترتيب الجمهور، ثم بحسب ترتيب الحنفية. فعند الجمهور يُقَسِّم الدلالة إلى منطوق ومفهوم؛ والمنطوق منه صريح وغير صريح. ويبحث في الصريح النص والظاهر والمؤول والمجمل بحسب قوة دلالة اللفظ على معناه واحتماله لغيره، ثم يجعل من غير الصريح دلالة الاقتضاء ودلالة التنبيه والإيماء ودلالة الإشارة. أما المفهوم فيُقَسِّمه إلى مفهوم موافقة، يدخل فيه ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم أو مساويًا للمنطوق، ومفهوم مخالفة يتنوع بحسب الصفة والشرط والغاية واللقب والعدد.
ثم ينتقل إلى طريقة الحنفية في تحليل النصوص، فيرتبها بحسب جهات متعددة. فمن حيث وضع اللفظ للمعنى يتناول الخاص والعام والمشترك والمؤول، ومن حيث ظهور المعنى يُفَرِّق بين الظاهر والنص والمفسر والمحكم، ومن حيث الخفاء يذكر الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه. ثم يُقَسِّم الاستعمال إلى حقيقة ومجاز وصريح وكناية، قبل أن يعرض طرق الوقوف على المراد من النص في اصطلاحهم: عبارة النص، وإشارته، ودلالته، واقتضاؤه. ويُبَيِّن مراتب هذه الطرق عند التعارض؛ فتتقدم العبارة على الإشارة، والإشارة على الدلالة، والدلالة على الاقتضاء، مع تقرير ما يفيده كل طريق من ثبوت الحكم.
ويبحث بعد ذلك الحكم الشرعي، فيُعَرِّفه بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا. ويعرض الحكم التكليفي، مُبَيِّنًا تمييز الحنفية بين الفرض والواجب، وبين الحرام والمكروه التحريمي، في مقابل الترادف بينهما عند الجمهور، ثم يذكر المندوب والمكروه التنزيهي والمباح. ويتوسع في الحكم الوضعي فيُعَرِّف السبب والشرط والمانع والركن والعلة والعلامة والعزيمة والرخصة والصحة والبطلان والفساد والأداء والإعادة والقضاء، ويُفَرِّق في المعاملات بين الباطل والفاسد عند الحنفية؛ فالباطل ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد ما شرع بأصله دون وصفه.
ويتبع ذلك ببحث البيان، فيُقَسِّمه إلى بيان التقرير والتفسير والتغيير والتبديل والضرورة. فالتقرير يؤكد المراد ويرفع احتمالات المجاز أو الخصوص أو التقييد، والتفسير يكشف المجمل والمشترك، والتغيير يصرف ظاهر اللفظ بالاستثناء أو الشرط أو تخصيص العام أو تقييد المطلق، أما التبديل فهو النسخ، ويعرض تعريفه عند الجمهور وعند الحنفية وشروطه وأركانه. ويجعل بيان الضرورة ما يُفهم به المراد من غير طريق موضوع أصلًا للبيان، كدلالة حال الساكت أو ما يثبت ضرورة من أسلوب الخطاب واختصاره.
ويخصّص الباب الثاني للمصادر التبعية، فيبدأ بالإجماع ويُعَرِّفه باتفاق جميع مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر على حكم شرعي، ويشترط في أهله الإسلام والاجتهاد واتفاق الجميع، وأن يكون الحكم دينيًا مستندًا إلى دليل من الكتاب أو السنة. ثم يُفَرِّق بين الإجماع الصريح والسكوتي، ويجعل الأول حجة قطعية عند الأئمة الأربعة، بينما لا يَعُدُّ السكوتي إجماعًا ولا حجة على ما اختاره.
ويشرح القياس بوصفه إلحاق فرع بأصل في الحكم لعلة جامعة بينهما، فيُعَرِّف أركانه الأربعة: الأصل والحكم والفرع والعلة، ويذكر شروط كل منها. ويعطي عناية خاصة بالعلة، فيشترط فيها التأثير والانضباط والظهور وألا تخالف نصًا أو إجماعًا وأن تكون متعدية، ثم يعرض طرق إثباتها بالنص الصريح والظاهر والإيماء والتنبيه، وبالاستنباط من طريق السبر والتقسيم والمناسبة والدوران. ويربط بذلك تخريج المناط وتنقيحه وتحقيقه، ثم يُقَسِّم القياس بحسب قوته إلى جلي وخفي، وبحسب طريق الجمع إلى قياس العلة والدلالة والشبه والإخالة والقياس في معنى الأصل.
ويُعَرِّف بعد ذلك الاستحسان بأنه عدول المجتهد في مسألة عن حكم نظائرها لوجه أقوى يقتضي ذلك العدول، ويقرر حجيته عند جمهور الحنفية والمالكية والحنابلة وخلاف الشافعية فيه. ثم يتناول الاستصحاب بوصفه إبقاء ما ثبت في الزمن الأول في الزمن الثاني، ويذكر من أنواعه البراءة الأصلية والإباحة الأصلية واستصحاب الأصل. ويختم مصادر الحكم بالاستصلاح، أي الاستدلال بالمصلحة المناسبة التي لم يقم دليل معين على اعتبارها أو إلغائها، مشترطًا أن تكون المصلحة كلية، متحققة في جلب منفعة أو دفع مضرة، وألا تصادم أصلًا من أصول الشرع.
ويجعل الباب الأخير للتعارض والاجتهاد والتقليد؛ فيُعَرِّف التعارض بتقابل دليلين على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى الآخر، ويشترط اتحاد المحل والوقت مع اختلاف الحكم وتساوي الدليلين في قوة الثبوت والدلالة، ثم يرتب طرق دفع التعارض في الجمع والتطبيق، فالترجيح، فالنسخ. ويُعَرِّف الاجتهاد باستفراغ المجتهد جهده في تحصيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط، ويجعل مجاله ما لم يثبت بدليل قطعي ثبوتًا ودلالة، وما يجد من الوقائع والنوازل غير المنصوص عليها، ويعده فرض كفاية. أما التقليد فهو العمل بقول من ليس قوله حجة من غير حجة، فلا يجوزه فيما ثبت قطعًا من أمور الدين، بينما يقرر في الفروع أن على المجتهد الاجتهاد وعلى العامي السؤال.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














