
نبذة عن الكتاب:
يبحث محمد أديب الصالح في كتاب «تفسير النصوص في الفقه الإسلامي» مناهج فهم نصوص الأحكام واستخراج مدلولاتها، مستندًا إلى ما قرره الأصوليون في قواعد العربية ودلالات الخطاب ومسالك الاستنباط. وينطلق من أن الكتاب والسنة أصلَا التشريع اللذان ترجع إليهما الأحكام، وأن تفسير نصوصهما ليس مجرد شرح للألفاظ، بل معرفة بالطرائق التي ينتقل بها المجتهد من النص إلى الحكم، وبالضوابط التي تمنع الانحراف في فهم مراد الخطاب. ولهذا يتتبع نشأة قواعد التفسير منذ اعتمادها على السليقة العربية وفهم الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، إلى أن استقرت في صورة مناهج أصولية ذات مصطلحات وتقسيمات محددة.
ويمهد لذلك ببحث «البيان» عند الأصوليين وصلته بتفسير النصوص، فيعرض معناه اللغوي والاصطلاحي، وما وقع من خلاف في كونه إظهارًا للمعنى أو ظهورًا له، ثم يتتبع تطور تقسيماته من وجوه البيان التي ذكرها الشافعي إلى ما قرره الحنفية بعده من بيان التقرير والتفسير والتغيير والتبديل والضرورة. ولا يقف عند اصطلاحات هذه الأقسام، بل يكشف الوظيفة التي يؤديها كل نوع في فهم الخطاب، وما ينشأ من اختلاف في عدِّ الاستثناء والشرط والنسخ من أنواع البيان، مبرزًا أثر تطور المصطلح الأصولي في ضبط عملية التفسير نفسها.
ويجعل المؤلف طريقته قائمة على رد كل قاعدة إلى موضعها من التطور التاريخي، فيعرض الآراء بحسب أسبقية ظهورها، ويرجع عند الحاجة إلى اللغة وعرف الشريعة وفهم الصحابة رضي الله عنهم والتابعين. فإذا كان محل التطبيق آية قرآنية، نظر فيما ورد في تفسيرها من القرآن والسنة وآثار السلف وأقوال المفسرين، وإذا كان النص حديثًا اعتنى بتخريجه وكلام أهل الحديث فيه قبل الاستدلال به. كما يختبر مدى انطباق القاعدة الأصولية على الفروع التي خرجها الفقهاء عليها، فلا يكتفي بإثبات القاعدة نظريًا، بل ينظر في سلامة الصلة بين الأصل والفرع، ويحرص عند نقل مذاهب الفقهاء على الرجوع إلى كتب أصحاب المذهب أنفسهم.
ويقارن في بناء قواعد التفسير بين المدرستين الكبيرتين في أصول الفقه: طريقة الحنفية وطريقة المتكلمين، مع استحضار ما يقتضيه البحث من أقوال الظاهرية وغيرهم، ثم يبين ما تثمره الفروق الاصطلاحية والمنهجية بين الاتجاهات من اختلاف حقيقي في الأحكام. ويبدأ في هذا الجانب بأحوال اللفظ من جهة الوضوح والإبهام، فيعرض مراتب الواضح والمبهم عند الحنفية وما يقابلها عند المتكلمين، ثم يفرد التأويل بالبحث من حيث تطور معناه ومجاله وشروطه وأنواعه، وما يترتب على قبول بعض وجوه التأويل أو ردها من اختلاف في الفروع، مع بيان الحدود التي تفصل التأويل المقبول عن صرف النص بغير دليل.
ويتوسع في طرق دلالة الألفاظ على الأحكام، فيشرح منهج الحنفية القائم على عبارة النص وإشارته ودلالته واقتضائه. فعبارة النص تدل على المعنى المقصود من السياق أصالة أو تبعًا، وإشارته تكشف معنى لازمًا لم يكن هو المقصود الأصلي من سوق الكلام، ودلالته تنقل حكم المنطوق إلى المسكوت عنه لمعنى يدرك باللغة نفسها، أما الاقتضاء فيثبت ما لا يستقيم صدق الكلام أو صحته الشرعية أو العقلية إلا بتقديره. ويبين أن هذه الطرق عند الحنفية كلها من دلالة النص، لا من القياس والرأي، وأن مراتبها تظهر أهميتها عند التعارض والترجيح بينها.
ويقابل هذا بمنهج المتكلمين الذين يجمعون طرق الدلالة تحت قسمي المنطوق والمفهوم، ويبين مواضع الاتفاق والافتراق بين التقسيمين. فدلالة النص عند الحنفية تقابل في جانب كبير منها مفهوم الموافقة عند المتكلمين، مع اختلاف في التسمية والتصنيف، أما مفهوم المخالفة فيمثل موضعًا أوضح للخلاف؛ إذ يحتج به جمهور من المتكلمين بضوابط، بينما لا يجعله الحنفية طريقًا مستقلًا معتبرًا على النحو نفسه. ولا يكتفي المؤلف بإثبات هذا الاختلاف، بل يتتبع أثره في التطبيقات الفقهية، ويميز بين ما يدرك بمجرد اللغة وما يحتاج إلى اجتهاد قياسي، لأن اختلاف الطريق الذي ثبت به الحكم يؤثر في مرتبته وفي الأحكام المترتبة عليه.
وينتقل بعد ذلك إلى شمول الألفاظ وعدم شمولها، فيدرس العام وصيغه وطرق تخصيصه ودلالته، ثم المشترك وأسباب وقوعه وكيفية تعيين المراد منه. ويبحث الخاص وما يترتب على نوع دلالته، ثم يعرض المطلق والمقيد وما يقع من خلاف في حمل أحدهما على الآخر عند اتحاد الحكم أو السبب أو اختلافهما. وتظهر عناية الكتاب هنا بتخريج الفروع على الأصول، إذ لا تعرض هذه التقسيمات بوصفها مصطلحات مجردة، وإنما تربط بما أحدثه اختلاف الأصوليين في قوة الدلالة، واحتمال التخصيص، وإمكان البيان، واتحاد موجب النصوص أو اختلافه، من نتائج عملية في الفقه.
ويفرد الأمر والنهي بمبحث واسع ضمن أنواع الخاص، فيتناول دلالة صيغة الأمر وما إذا كانت تقتضي الوجوب ابتداء، وما يرد عليها من قرائن تصرفها إلى غيره، وما يتصل بالفور والتراخي والتكرار، ثم يبحث النهي ودلالته وما يرتبط به من أثر في صحة المنهي عنه أو فساده. ويظل معيار البحث في هذه المسائل هو الجمع بين تحرير القاعدة والنظر فيما بني عليها من الأحكام، حتى تظهر الصلة بين الاختلاف الأصولي والاختلاف الفقهي بدل أن تبقى القاعدة منفصلة عن مجال عملها.
ويمد محمد أديب الصالح مجال المقارنة إلى تفسير النص القانوني، فيورد تطبيقات من القانون المدني وغيره لبيان إمكان الإفادة من قواعد التفسير التي نشأت في أصول الفقه عند التعامل مع نص عربي تشريعي. ويقارن، من ذلك، بين استعمال القانونيين للمنطوق والمفهوم وبين اصطلاح الأصوليين، ويعرض تطبيقات لعبارة النص وإشارته ودلالته ومفهوم الموافقة والمخالفة في مواد قانونية، لا على سبيل مساواة النص الشرعي بالنص الوضعي، بل لإبراز قابلية القواعد اللغوية والمنهجية التي استقرأها الأصوليون للعمل في تفسير الخطاب التشريعي العربي، مع بقاء النصوص الشرعية في إطارها ومصادرها وأحكامها الخاصة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













