
محمد أديب الصالح
محمد أديب الصالح: عالم سوري في أصول الفقه وعلوم القرآن والسنة، وأستاذ جامعي وداعية وخطيب، من كبار المتخصصين في أصول الفقه في عصره. وُلِدَ سنة 1926م في مدينة قطنا جنوب غربي دمشق، وتُوُفِّيَ والده وهو في الشهر السادس من عمره، فتولت والدته نظمية بنت أحمد الطحان رعايته، وامتنعت عن الزواج بعد وفاة زوجها تفرغًا لتربيته وتعليمه. وقد ظل بارًّا بها، وأهدى إليها رسالته للدكتوراه «تفسير النصوص في الفقه الإسلامي»، ولما تُوُفِّيَتْ سنة 1403هـ دُفِنَتْ في البقيع بالمدينة المنورة تنفيذًا لما كان بمنزلة وصيتها.
بدأ تعليمه في مدارس قطنا، ولازم حلقات العلم، وكان من أبرز شيوخه في هذه المرحلة إبراهيم الغلاييني مفتي قطنا، الذي أخذ عنه علوم الشريعة واللغة، وحفظ في أثناء ذلك عددًا من المتون. ثم حصل على الكفاءة الشرعية والكفاءة العامة والثانوية الشرعية والثانوية العامة بدمشق بين سنتي 1944 و1946م.
جَمَعَ في دراسته الجامعية بين الشريعة والقانون؛ فأُوفِدَ إلى الأزهر، والتحق بكلية أصول الدين، وحصل على شهادتها سنة 1949م، كما حصل على إجازة الحقوق من جامعة دمشق سنة 1950م. ومن شيوخه في مصر محمد أبو زهرة، وعلي الخفيف، ومحمد أحمد فرج السنهوري، كما اتصل بعدد من علماء الشام، منهم محمد هاشم الخطيب، ومحمد بهجة البيطار، وحسن حبنكة، وعلي الطنطاوي، ومصطفى الزرقا.
عمل بعد تخرجه في تدريس المرحلة الثانوية ودور المعلمين في دمشق وحلب مدة تزيد على 5 سنوات، ثم عُيِّنَ معيدًا في كلية الشريعة بجامعة دمشق سنة 1956-1957م بعد اجتيازه مسابقة علمية. ودَرَّسَ مادة «أحاديث الأحكام» في كلية الشريعة، ثم أُوفِدَ سنة 1959م إلى كلية الحقوق بجامعة القاهرة، فحصل على شهادة معهد الشريعة سنة 1961م، وكانت مع رسائلها العلمية في منزلة درجة الماجستير.
وحقق في هذه المرحلة كتاب «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني، مقرونًا بدراسة للكتاب ومنهجه في بيان الصلة بين القواعد الأصولية والفروع الفقهية عند الحنفية والشافعية. ثم حصل على الدكتوراه في الحقوق، تخصص الشريعة الإسلامية، من جامعة القاهرة بمرتبة الشرف الأولى، مع التوصية بطباعة الرسالة وتبادلها مع الجامعات الأجنبية، وكان موضوعها «تفسير النصوص في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة».
عاد إلى جامعة دمشق، فدَرَّسَ في كلية الشريعة، وأسهم في وضع مناهجها، ودَرَّسَ أصول الفقه في كلية الحقوق، وعلوم القرآن وعلوم الحديث والبلاغة النبوية في كلية الآداب. وتولى رئاسة قسم علوم القرآن والسنة بكلية الشريعة من سنة 1964م إلى سنة 1974م، ودَرَّسَ آيات الأحكام وأحاديث الأحكام وأصول الفقه، ثم رُقِّيَ إلى رتبة أستاذ مساعد سنة 1969م، وإلى رتبة أستاذ سنة 1974م.
ودَرَّسَ في الجامعة الأردنية بين سنتي 1970 و1974م، وكان محاضرًا فيها منذ العام الأول لافتتاح كلية الشريعة، ثم تولى رئاسة قسم أصول الدين، وأسهم في وضع مناهج الكلية، وشارك في إعداد بعض كتب التربية الإسلامية للمرحلة الثانوية وفي الندوات العلمية والتربوية والدعوية.
وفي سنة 1978م انتقل إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض أستاذًا في كلية أصول الدين، واستمر فيها إلى سنة 1988م. وأسهم في إنشاء قسم السنة وعلومها، وتولى رئاسته 8 سنوات، وعُنِيَ في وضع مناهجه بالربط بين أصول الحديث وأصول الفقه، ولا سيما تخريج أحاديث الأحكام والأحاديث الواردة في كتب الأصول. كما أشرف على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه، وشارك في مناقشة رسائل علمية في جامعات المملكة وغيرها.
وكان عضوًا في المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود، وعضوًا في المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة منذ سنة 1977م إلى أن صدر نظام التعليم العالي الجديد، كما شارك في تحكيم البحوث والإنتاج العلمي للترقيات والنشر، وفي عدد من المؤتمرات العلمية، ومنها مؤتمر السنة والسيرة، ومؤتمر المنظمات الإسلامية، ومؤتمر فقه الدعوة والدعاة، ومؤتمر مكافحة المسكرات والمخدرات.
ثم انتقل سنة 1988م إلى قسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية في جامعة الملك سعود بالرياض، ودَرَّسَ فيها نصوص الأحكام في ضوء بيان العربية وقواعد أصول الفقه إلى سنة 1996م.
وكان إلى جانب عمله الجامعي خطيبًا وداعية، فتولى خطبة الجمعة في مسجد جامعة دمشق بين سنتي 1964 و1969م، وشارك في الندوات العلمية والتربوية، وأقام حلقات متخصصة في أصول الفقه وأصول الحديث وتفسير النصوص، كما شارك في النشاط العلمي والدعوي في قطر والكويت، وعمل أستاذًا زائرًا في عدد من الجامعات العربية.
وصحب مصطفى السباعي وأفاد منه، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة «حضارة الإسلام» من سنة 1964م إلى سنة 1981م، وكتب فيها عددًا كبيرًا من الافتتاحيات والبحوث والمقالات العلمية والفكرية، جُمِعَ جانب منها لاحقًا في كتاب «معالم في الغاية والمنهج».
وكان له حضور واسع في إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية منذ سنة 1978م، وقدم عددًا من البرامج العلمية والدعوية، من أشهرها «معالم قرآنية في البناء والتنمية» الذي ناهزت حلقاته 1000 حلقة، و«السنة ومكانتها التشريعية في الإسلام»، و«مشاهد القيامة في الحديث النبوي»، و«التقوى في الكتاب والسنة»، و«الربانيون قدوة وعمل»، و«القصص في السنة النبوية»، كما شارك في ندوات إذاعية وتلفزيونية متعددة.
ووُصِفَ بالهدوء والأناة وخفض الصوت والتواضع، وبالعمق في تناول المسائل العلمية، وكان يميل إلى ربط الدراسات الشرعية بأصولها، ويؤكد ضرورة الجمع بين أصول الفقه وأصول الحديث، والعناية بصحة النصوص التي تُبْنَى عليها القواعد والاستنباطات.
ترك عددًا من المؤلفات والتحقيقات المهمة، من أشهرها «تفسير النصوص في الفقه الإسلامي» في مجلدين، وهو دراسته للدكتوراه، و«لمحات في أصول الحديث»، و«مصادر التشريع الإسلامي ومناهج الاستنباط»، و«مع الجامع لأحكام القرآن»، و«على الطريق»، و«هكذا يعلم الربانيون»، و«أدعياء الهيكل»، و«القيامة: مشاهدها وعظاتها في الحديث النبوي» في 3 أجزاء، و«التقوى في هدي الكتاب والسنة وسير الصالحين» في 4 أجزاء، و«معالم في الغاية والمنهج»، و«القصص في السيرة النبوية»، و«شذرات وقطوف»، و«الكشكول»، و«رحلة مع الشامي المرابط شيخ الإسلام الإمام أبي عمرو الأوزاعي».
ومن تحقيقاته «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني، و«تخريج أحاديث البزدوي» للقاسم بن قطلوبغا بالاشتراك مع عبد الله عبد الغني كحيلان، و«علم أصول الفقه» لعبد الوهاب خلاف تحقيقًا وتخريجًا وتعليقًا.
وله بحوث متعددة، منها «نظرة في الإجماع عند الشافعي»، و«عجمة القلب واللسان»، و«عالم وكتاب» عن الزنجاني وكتابه، و«أحكام القرآن» في سورتي البقرة والنساء، و«عربية اللسان في القرآن الكريم»، و«في البلاغة النبوية»، و«حول التفسير حسب النزول وعلاقة ذلك بالمعاني والأحكام»، و«بين الطبري ويحيى بن سلام»، و«في نور التنزيل»، و«مصطلحات وتعريفات نبوية». وله كذلك سلسلة «معالم قرآنية في البناء» في 7 كتب تناولت مناهج النبوة، وبناء الأمة، والبناء الحضاري، والإنسان والحياة، والقصص القرآني، وشفاء القرآن، وموقع المرأة المسلمة.
وبعد تقاعده من العمل الجامعي واصل عقد الحلقات العلمية الخاصة في أصول الفقه والحديث النبوي، والتفرغ للمطالعة والتأليف والتنقيح والاستدراك على بعض مؤلفاته، كما استمر في مناقشة الرسائل العلمية وتحكيم البحوث والإنتاج العلمي والاستشارات الأكاديمية.
تُوُفِّيَ في مدينة الرياض مع أذان ظهر يوم الأحد 8 شوال سنة 1438هـ، الموافق 2 يوليو 2017م، وصُلِّيَ عليه في جامع الراجحي الكبير بحي الجزيرة، ثم دُفِنَ في مقبرة النسيم بالرياض.
كتب محمد أديب الصالح PDF
