
نبذة عن الكتاب:
يعالج ابن الجوزي في كتاب «تعظيم الفتيا» خطر التصدر للإفتاء من غير استكمال آلته، ويبين ما يقتضيه مقام الفتوى من علم وورع وتثبت؛ لأن المفتي يخبر عن حكم الله تعالى، فلا يسوغ له أن يتكلم في الحلال والحرام بما لا يحسنه. ويقرر منذ مطلع الكتاب أن الفقه المستخرج من القرآن والسنة لا يناله من مجرد حفظ المسائل، وإنما يحتاج إلى معرفة القرآن وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وعامه وخاصه، وإلى إحاطة بالسنة وطرقها وتمييز صحيحها من سقيمها وناسخها من منسوخها، مع معرفة العربية وما يتصل بفهم النصوص، مستشهدًا بأقوال الأئمة في شروط من يجوز له أن يتصدر للفتيا.
ويجمع في بيان آلة المفتي بين العلم بالكتاب والسنة وأقوال السلف والقياس، وينقل أن المفتي يحتاج إلى معرفة ما أجمع عليه العلماء وما اختلفوا فيه، حتى يتبع الإجماع ويجتهد عند وقوع الخلاف، وإلى رد الفروع التي لم يرد فيها نص خاص إلى أصولها المنطوق بها أو المجمع عليها. كما يورد عن الشافعي اشتراط البصر بالقرآن والحديث واللغة واختلاف علماء الأمصار مع الإنصاف وقلة الكلام وقوة القريحة، وعن أحمد بن حنبل اشتراط العلم بالسنن ووجوه القرآن والأسانيد الصحيحة، ليقرر أن الفتوى ثمرة رسوخ علمي مركب لا وظيفة ينالها المرء بمجرد الانتساب إلى الفقه.
ويستفيض في تصوير ورع السلف مع أهليتهم للجواب، فيورد أخبار الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في تدافع الفتوى وإحالة السائل بعضهم على بعض، حتى كان الواحد منهم يود أن يكفيه صاحبه الجواب، وكان بعض الفقهاء لا يتكلم في المسألة إلا عند الضرورة. ويربط ابن الجوزي بين العلم الحقيقي وبين هيبة القول في الدين، فينقل عن ابن عيينة أن أعلم الناس بالفتوى أسكتهم فيها، ويورد أحوال من كان يتغير لونه أو يرتعد إذا سئل عن الحلال والحرام، لأن السؤال عندهم لم يكن ميدانًا لإظهار المعرفة، بل موضع مسؤولية يخشى صاحبه تبعة الخطأ فيه.
ويتصل بهذا إنكار التعجل في المسائل التي لم تقع؛ فقد كان السلف يسألون عن النازلة: أوقعت أم لم تقع؟ فإن لم تقع أمسكوا عن الخوض فيها حتى تنزل، لئلا تشغلهم الفروض المتكلفة عن العلم النافع والوقائع المحتاج إليها. ويعظم ابن الجوزي كذلك منزلة قول العالم «لا أدري»، فيسوق أخبار ابن عمر رضي الله عنهما والشعبي ومالك وأحمد وغيرهم في كثرة التوقف فيما لم يتبين لهم، ويجعل الاعتراف بالجهل في المسألة وقاية للعالم من القول بغير علم، بخلاف من يحمله الحياء أو حب الظهور على جواب لا يملكه.
ويبحث جانبًا آخر من أمانة الفتوى، وهو الرجوع عن الخطأ بعد وقوعه؛ فيذكر من أخبار العلماء من لم يكتف بمعرفة خطئه في نفسه، بل بحث عمن أفتاه ليخبره بالصواب، حتى استعمل بعضهم مناديًا للوصول إلى صاحب المسألة، ومكث لا يفتي حتى عثر عليه. فالفتوى عنده لا تنتهي بخروج الجواب من فم المفتي، بل تبقى تبعتها قائمة، ويلزم من علم خطأ ما أفتى به أن يسعى إلى إصلاح أثره وإعلام المستفتي به.
وينتقد ابن الجوزي تراجع الهمم عن تحصيل شروط الاجتهاد، وانتقال بعض المتأخرين من فحص النصوص وأسانيدها إلى مجرد تقليد ما وجدوه في الكتب والتعاليق. ويخص الحديث النبوي بعناية ظاهرة، محذرًا من بناء الأحكام على روايات لا تثبت لمجرد ورودها في بعض المصنفات، ويورد نماذج لأحاديث استند إليها بعض الفقهاء في مسائل فقهية مع ضعف رواتها أو اتهام بعضهم بالكذب والوضع، ليؤكد أن ناقل الحكم لا يستغني عن التثبت من مستنده، وأن وجود الخبر في كتاب لا يكفي وحده للحكم بصحته.
ويربط انتشار الفتوى بغير علم بذهاب العلماء وظهور الجهال، ويستشهد بالحديث في قبض العلم بقبض العلماء حتى يتخذ الناس رؤساء جهالًا فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون. ومن هنا يوجه المستفتي نفسه إلى التحري عمن يأخذ عنه دينه، فلا يكفي اشتهار الرجل أو تصدره حتى تثبت أهليته، وينقل عن مالك أنه لم يفت حتى شهد له عدد من أهل العلم بأنه أهل لذلك، وأنه سأل من هو أعلم منه عن صلاحيته للفتوى، ولو نهوه عنها لانتهى. فالمفتي في هذا التصوير يتحمل تبعة من يقلده ويجعل قوله حجة له في دينه، ولذلك كان مقامه من أخطر مقامات العلم.
ويختم ابن الجوزي بالتحذير من طلب الرئاسة والتصدر قبل أوانه، ومن جعل العلم وسيلة إلى الشهرة والمباهاة واجتذاب وجوه الناس، ويرد حقيقة الرفعة إلى التقوى والعمل بمقتضى العلم. ويورد الوعيد فيمن يتعلم ليقال عالم أو يطلب بعلمه حظًا من الدنيا، جامعًا بذلك بين فساد الفتوى الناشئ من ضعف العلم وفسادها الناشئ من فساد القصد؛ إذ قد يستكمل الإنسان جانبًا من المعرفة ثم تفسد عليه نيته بطلب المنزلة، كما قد يفسد عليه القول من أصله إذا تكلم فيما لم يعلم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














