
نبذة عن الكتاب:
يَتتبَّع محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي في كتاب «الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي» نشأةَ الفقه الإسلامي وتطوره منذ عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى عصر المؤلف، ويَربط مراحل الفقه بالبيئة السياسية والعلمية والاجتماعية التي أحاطت به، وبأحوال المجتهدين والمذاهب والمدارس الفقهية وطرق التأليف والتعليم والفتوى. وقد ألَّف الكتاب جوابًا عن سؤال: كيف نشأ الفقه الإسلامي إلى أن صار إلى حاله المتأخرة؟ فمهَّد لذلك بالكلام على معنى الفقه وموقعه بين العلوم، وعلى الفقه عند العرب قبل الإسلام، وعلى منزلة الفقه في الإسلام، ثم قَسَّم تاريخه إلى 4 أطوار: «طور الطفولية» من البعثة إلى وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، و«طور الشباب» من عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم إلى نهاية القرن الثاني، و«طور الكهولة» في القرنين الثالث والرابع، و«طور الشيخوخة والهرم» فيما بعد ذلك، ثم أَتبع هذه المراحل ببحث تجديد الفقه والاجتهاد والتقليد.
ويُعرِّف الحجوي الفقه من جهة اللغة والاصطلاح، ويَربطه بفهم مراد الخطاب الشرعي لا بمجرد حفظ الأحكام؛ فالفقه الشرعي عنده علم بالأحكام العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، ويتناول أفعال المكلفين في العبادات والمعاملات والأسرة والجنايات وغيرها. ثم يَبحث هل الفقه علم ديني محض أم تتداخل فيه مصالح الدنيا، ويَجعل منزلته ناشئةً من اتصاله المباشر بتنظيم أعمال الناس وضبط الحقوق والواجبات، فلا يَفصل تاريخ الفقه عن الحياة الواقعية التي نزلت فيها الأحكام وتكاثرت فيها الحوادث.
ويَبدأ «طور الطفولية» بتكوين مادة الفقه في العهد النبوي، فيَجعل أصوله الكبرى القرآن الكريم والسنة والإجماع والقياس، ثم يَبحث كل أصل من هذه الأصول من جهة ظهوره واستعماله وتكوُّن العمل الفقهي حوله. ويُفصِّل في القرآن الكريم وكتابته ووجوه تكاليفه، ثم السنة وحجيتها واستقلالها بالتشريع وبيانها للقرآن الكريم، وشروط العمل بها وتدوينها، ثم الإجماع والقياس، ويُتبع ذلك ببحث المصالح المرسلة وسد الذرائع وقول الصحابي رضي الله عنه والبراءة الأصلية وغيرها من طرق الاستدلال.
ويُفصِّل في علاقة السنة بالفقه، فلا يَجعلها مجرد مصدر ثانٍ بعد القرآن الكريم، بل يَبحث وظيفتها في البيان والتشريع المستقل، وطرق ثبوتها، وتاريخ كتابتها. ويَذكر أن كتابة القرآن الكريم كانت في ذاتها أول صورة من صور تدوين مادة الفقه، ثم يَبحث ما ورد في كتابة السنة والنهي عنها، ويُحرِّر الجمع بين الروايات بما يدل على جواز كتابتها إذا أُمن اختلاطها بالقرآن الكريم، مستشهدًا بكتابة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وبما كُتب لأبي شاه، وبالصحيفة التي كانت عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ويَجعل القياس حاضرًا في بناء الفقه منذ العهد النبوي، ويَذكر استعمال الصحابة رضي الله عنهم له بحضرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وإقراره للصحيح منه وتصحيحه للقياس الذي دخله الخلل. ويَستخلص من اجتماع القرآن الكريم والسنة والإجماع والقياس أن البنية الأصلية للفقه قد اكتملت في عهد النبوة، وأن التطور اللاحق كان في تفريع الجزئيات واستنباط أحكام النوازل وتوسيع التطبيق. ويُمثِّل لذلك بقضاء سعد بن معاذ رضي الله عنه في بني قريظة، وباجتهاد عمار بن ياسر رضي الله عنه في كيفية التيمم حين قاس الطهارة الترابية على المائية ثم بَيَّن له النبي محمد صلى الله عليه وسلم وجه الصواب.
ولا يَقتصر في هذا الطور على أصول الاستدلال، بل يَتتبَّع تاريخ تشريع طائفة كبيرة من الأحكام، كالصلاة والنكاح والقتال والصيام وزكاة الفطر والأضحية والزكاة وتحويل القبلة والغنائم والميراث والطلاق والرجعة وقصر الصلاة والتيمم وغيرها، ليُظهر كيف تدرج التشريع وتكونت الفروع في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويَمزج في ذلك بين التاريخ والفقه والأصول، لأن معرفة زمن التشريع وأسبابه جزء من فهم تطور الحكم نفسه.
ثم يَنتقل إلى «طور الشباب»، ويَجعله زمن القوة والاتساع والاجتهاد؛ فقد اكتملت الأصول في العهد النبوي، ثم اتسعت الدولة الإسلامية وكثرت الفتوح واختلط المسلمون بأمم وبيئات جديدة، فنشأت نوازل لم تكن بهذه الكثرة من قبل. وفي هذا المناخ تكاثر المفتون والقضاة، ونشط الاجتهاد، واستُخرجت الجزئيات من العمومات، ووُضعت القواعد، ورُويت السنن، وفُسِّر القرآن الكريم، وعمل الفقهاء بالعموم والخصوص والإطلاق والتقييد وسائر وجوه الاستنباط.
ويَتتبَّع في هذا العصر فقه الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن بعدهم، وانتقال العلم بين الأمصار، واختلاف البيئات الفقهية في المدينة ومكة والعراق والشام ومصر وغيرها، ثم ظهور العلماء الذين تكوَّنت حولهم مناهج ومدارس. كما يَربط توسع الفقه بتدوين السنة والفقه؛ فيذكر أمر عمر بن عبد العزيز بجمع حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم خوفًا من ذهاب العلم والعلماء، ويَجعل دخول أقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتراجم الأبواب الفقهية في كتب الحديث صورةً من صور تدوين الفقه نفسه.
ويُخصِّص مساحة واسعة للمذاهب الفقهية التي دُوِّنت، ويذكر أن المذاهب المنقولة والمدونة عن المجتهدين بعد الصحابة رضي الله عنهم بلغت في الحصر الذي اعتمده 13 مذهبًا، فيبدأ بالحسن البصري ثم يتتبع أئمتها وتلامذتهم وأصولهم وطرق استدلالهم. ولا يجعل الترجمة مجرد ذكر للمولد والوفاة والشيوخ، بل يستعملها للكشف عن نشأة المذهب ومصادره وخصائصه الفقهية وأسباب انتشاره أو ضعفه.
ويَفصِّل في أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم من أئمة الاجتهاد، ويَبحث قواعد مذاهبهم وموقع خبر الواحد والقياس والاستحسان وعمل أهل المدينة وقول الصحابي رضي الله عنه وسائر الأصول في بناء كل مذهب. كما يَتناول الفقه التقديري وكثرة فرض المسائل قبل وقوعها، فيَذكر أن أبا حنيفة وسَّع هذا الباب لإعداد الأحكام للنوازل المحتملة، ثم ينتقد ما انتهى إليه بعض المتأخرين من الإفراط في افتراض مسائل شديدة البعد حتى استغرقت الأوقات عن الأصول والمقاصد، ويربط هذا الإفراط ببدايات انتقال الفقه من شبابه إلى طور الكهولة.
ويَقف عند نشأة أصول الفقه وتدوينه، فيربط عمل الشافعي باتساع مادة السنة وتكاثر الروايات واختلاط ظواهرها، وبالحاجة إلى قواعد تضبط الجمع والترجيح والاستنباط من القرآن الكريم والسنة. كما يربط ظهور هذا العلم بتغير اللسان العربي واختلاطه بلغات الأعاجم وضعف السليقة التي كانت تغني المتقدمين عن كثير من التقعيد النظري، فجاءت قواعد الأصول لضبط طريقة المجتهد في التعامل مع الأدلة.
ويُدرج تغير اللغة نفسه ضمن العوامل المؤثرة في مسار الفقه؛ فاختلاط العربية بلغات الأمم الداخلة في الإسلام أضعف القدرة الفطرية على فهم النصوص ودفع إلى تدوين النحو واللغة وعلوم اللسان. ومن هنا لا يعرض الحجوي تاريخ الفقه منفصلًا عن تاريخ بقية العلوم، بل يُظهر كيف نشأت علوم العربية والحديث والأصول وغيرها استجابةً لحاجات جديدة فرضها اتساع المجتمع الإسلامي وتحول أحواله.
ثم يَصف «طور الكهولة» في القرنين الثالث والرابع بأنه زمن حافظ فيه الفقه على قوته بوجود كبار الحفاظ والمجتهدين والتآليف العظيمة، لكنه لم يَعُد في صعوده السابق؛ إذ أخذ التقليد ينتشر، وأصبحت طوائف العلماء تحصر نفسها داخل أصول المذاهب المدونة وتُكثر التفريع عليها. ومع ذلك ظل في هذا العصر مجتهدون مطلقون ومجتهدو مذاهب وأعلام كبار، ولذلك لا يجعله عصر انحلال، بل مرحلةً وسطى بين قوة الاجتهاد الأولى وغلبة التقليد اللاحقة.
ويَستخرج من تراجم علماء هذه المرحلة علامات التحول؛ فيذكر شيوع التقليد حتى أخذ الاجتهاد المطلق يضمحل تدريجيًّا، وتوسع الناس في خدمة مذاهب بعينها، ثم ظهور علم الخلاف والتصنيف المذهبي والتوثيق والفتوى وفق مدارس محددة. ويَتتبَّع بقاء بعض المذاهب وانقراض غيرها، حتى انتهى الأمر إلى غلبة مذاهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، بعد أن كانت مذاهب مجتهدين كثيرة مدونة ومتداولة.
ويَجعل السياسة من العوامل المؤثرة في توزع المذاهب وقوتها؛ فيرصد تأييد الدول لبعض المدارس، وانتقال العلماء، وإنشاء المدارس، والتنافس السياسي والمذهبي، ويربط بعض صور التعصب المذهبي بالتعصب السياسي. ولذلك يسبق كل طور عنده عرضٌ موجز للبيئة السياسية التي جرى فيها؛ فمسيرة الفقه ليست عنده سلسلة أسماء وكتب منفصلة عن المجتمع، وإنما حركة تتأثر بالدولة والتعليم والقضاء وانتقال العلماء ومراكز العمران.
ثم يَدخل «طور الشيخوخة والهرم» من القرن الخامس، ويَعزو انحداره إلى قصور الهمم عن الاجتهاد ثم عن الترجيح نفسه، والاقتصار على النقل، والانشغال بشرح كتب المتقدمين واختصارها، ثم شرح المختصرات والتحشية عليها. ويَنتقد المبالغة في جمع أكبر عدد من الفروع في أقل قدر من الألفاظ؛ لأنها حوَّلت الدرس الفقهي إلى فك الرموز والعبارات المستغلقة، وأبعدت المتعلم عن النصوص والأصول وملكة الاستنباط.
ويُفصِّل «غوائل الاختصار» تاريخيًّا، فيَتتبَّع انتقال بعض المدونات الفقهية من المصنفات المطولة إلى المختصرات ثم إلى مختصرات المختصرات، ويَذكر أن مقصد تيسير الحفظ وجمع المسائل كان حسنًا في أصله، لكن المبالغة فيه أفضت إلى غموض العبارة وتعدد احتمالاتها، ووقوع الخطأ في نقل المسائل، واستغراق وقت الشراح والحاشين في بيان المجمل وحل المقفل بدل النظر في نفس الفقه. كما يَنبه إلى خطر النقل من الكتب المختصرة غير المحققة ونسبة ظواهرها مباشرةً إلى الأصول التي اختُصرت منها.
ويَبحث التقليد تعريفًا وحكمًا، فيُعرِّفه بأخذ القول من غير معرفة دليله، ويَجعله سائغًا أو واجبًا لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد؛ لأن غير القادر على الاستنباط يرجع إلى أهل العلم. لكنه يَرفض تحويل هذا الاضطرار إلى أصل دائم يمنع القادر من معرفة الدليل، ويَستشهد بكلام العلماء في أن العلم معرفة الحق بدليله. ثم يُفرِّق بين تقليد العامي المشروع، وبين التقليد الذي يَعرض عن النصوص أو يترك الدليل بعد ظهوره لمن كان أهلًا للنظر.
ولا يَدعو إلى إلغاء المذاهب أو توحيدها في مذهب واحد؛ بل يَرفض فكرة توحيد المذاهب لما قد يترتب عليها من شقاق جديد، ويَقر ببقاء مذاهب الأقطار وما ألفه أهلها، لكنه يَرفض جعل الانتساب إلى مذهب حاجزًا يمنع الأخذ بدليل أقوى أو حكم من مذهب آخر عند حاجة معتبرة. ويَنقل القول بعدم وجوب التزام مذهب معين في كل مسألة، مع التحذير من تتبع الرخص على وجه يفضي إلى تركيب صورة لا يجيزها أحد من المجتهدين.
ويَربط هذا المبحث بإصلاح القضاء والتشريع؛ فيجيز الاستفادة من أقوال أئمة الإسلام المختلفة في القوانين المنظمة للمعاملات إذا اقتضت ذلك المصلحة والضرورة، ويَذكر أن الأحكام المبنية على الأعراف والعادات تَتغير بتغيرها. ويَنتقد اضطراب المحاكم حين يكون القاضي قادرًا على توجيه النصوص المذهبية المجملة إلى أحكام متناقضة، ويدعو إلى تحرير أحكام واضحة تتعاون على وضعها جماعة من العلماء بما يصون الحقوق ويمنع التلاعب في القضاء.
ويُفصِّل في الفتوى وأهلها، فلا يكتفي للمفتي المقلد بحفظ كتب المذهب؛ بل يشترط معرفةً مناسبة بالعربية وأصول الفقه، وعرف البلد، وما جرى به العمل، ونصوص المذهب ومطلقها ومقيدها وعامها وخاصها واصطلاحاتها، مع كثرة مطالعة كتب القواعد والفتاوى والنوازل. ويُفرِّق بين الفقيه الذي يعرف الحكم الكلي، والمفتي أو القاضي الذي يجب أن يعرف كذلك كيفية تنزيل ذلك الحكم على الواقعة الجزئية وتمييز أوصافها المؤثرة من الأوصاف التي لا أثر لها.
ويَختم مشروعه الإصلاحي بإحياء الاجتهاد، فيُعرِّفه باستفراغ الفقيه وسعه لتحصيل الحكم الشرعي بطريق النظر في الأدلة، ويُحدِّد للمجتهد قدرًا متوسطًا كافيًا من العربية وأصول الفقه والبلاغة، مع معرفة مواقع آيات الأحكام وأحاديثها، وأحوال الإجماع والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومراتب الأخبار والرواة. ولا يشترط بلوغ الإمامة القصوى في كل علم، بل المقدار الذي يمكِّن من فهم النصوص والاستنباط منها. ثم يُقسِّم مراتب النظر إلى مجتهد مطلق، ومجتهد مذهب قادر على التخريج على أصول إمامه، ومجتهد فتوى متمكن من الترجيح بين الأقوال.
ويَجعل الطريق العملي إلى تجديد الفقه إصلاحَ التعليم نفسه: ترك اعتماد الكتب الدراسية شديدة الاختصار التي حُذفت منها الأدلة واستغلقت عباراتها، وتأليف كتب متدرجة تناسب مراحل التعليم، وتربية الطلاب على النزاهة والأمانة ومكارم الأخلاق، وتمرينهم على استنباط الأحكام من القرآن الكريم والسنة مباشرةً، وإحياء دراسة كتب المتقدمين كـ«الموطأ» و«صحيح البخاري» و«الأم»، مع تدريس كتب أحكام القرآن الكريم والحديث وأصول الفقه والعربية بطريقة تُعيد للطالب ملكة النظر.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














