
نبذة عن الكتاب:
يَردُّ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي في رسالة «الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة» على من أنكر تقييد عامة الناس بالمذاهب الفقهية المشهورة، وزعم أن الخروج عنها في بعض المسائل لا يُنكر؛ لأن الخارج قد يكون مجتهدًا اتبع ما ظهر له، أو مقلدًا لإمام آخر. ويَبني ابن رجب جوابه على أن حفظ الشريعة بعد انقطاع النبوة اقتضى حفظ أصولها ومصادرها وطرق فهمها، ثم ضبط الفتوى والأحكام حتى لا يصبح الدين مجالًا لكل من ادعى الاجتهاد أو نسب إلى المتقدمين ما لم يقولوه.
ويَستهل استدلاله بمثال جمع الصحابة رضي الله عنهم الأمة على المصحف العثماني، بعد أن أدت القراءة على الأحرف المتعددة في الأمصار إلى وقوع الاختلاف بينهم، فرأى الصحابة رضي الله عنهم أن المصلحة تقتضي جمع المسلمين على حرف واحد ومنع ما عداه دفعًا للتنازع وحفظًا للقرآن الكريم من الاضطراب. ثم يَجعل هذا المثال أصلًا يقيس عليه ضبط الفتوى؛ فكما جاز منع الناس من التوسع في القراءات حين صار اختلافها مظنة للفساد، جاز ضبط العامة في مسائل الحلال والحرام بمذاهب أئمة معدودين إذا كان ترك الباب مفتوحًا يؤدي إلى اضطراب الدين.
ثم يَنتقل إلى حفظ السنة، فيَذكر تفاوت الناس في الحفظ والضبط، وظهور الكذب والوهم بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم، وقيام أئمة الحديث بتمييز الصحيح من السقيم ومعرفة العلل والرواة. ويَستدل باستقرار الاعتماد في الرواية على الكتب والأئمة الذين عُرفت مكانتهم في هذا الفن على أن العلوم لا تُترك لكل مدعٍ، بل تُرد إلى من بلغ فيها مرتبة يعرف بها الصحيح من الخطأ. ويَذكر أن عامة الناس صاروا يعولون في الحديث على الكتب المشهورة، ولا يقبلون تصحيح كل أحد أو تضعيفه إلا إذا عُرف بالحذق والمعرفة.
ويَطبق ذلك على الفقه، فيُقرر أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم اختلفوا في كثير من مسائل الأحكام، وكان أهل العلم في العصور الأولى يفتون بما ظهر لهم مع قيام العلماء بإنكار الشذوذ والزلات. ثم تغيرت الحال بضعف الورع وكثرة المتكلمين في الدين بغير علم، فصار إطلاق باب الفتوى لكل من ادعى النظر مؤديًا إلى أن يُحلَّ الحرام ويُحرَّم الحلال، وينصب كل متكلف نفسه إمامًا للناس. ومن هنا يَربط ابن رجب بين ظهور المذاهب المحررة وحفظ الأحكام؛ إذ ضُبطت أقوال أئمتها وأصولهم وقواعدهم، وصارت الفروع تُرد إليها ويتميز المنقول الصحيح من المنسوب إليهم بغير حق.
ولا يَجعل ابن رجب الاجتهاد ممنوعًا بإطلاق، بل يَستثني من تحققت فيه آلته فعلًا؛ فمن بلغ درجة الاجتهاد وظهر صدقه فيها وجب عليه اتباع ما أداه إليه اجتهاده. وإنما يَمنع من لم يبلغ تلك المرتبة من أن يتعامل مع نفسه معاملة المجتهد، ويَجعل فرضه التقليد. ويُبيِّن أن وقوع الحق خارج أقوال الأئمة الأربعة -على فرض وقوعه- أمر نادر لا يدركه إلا مجتهد بلغ من العلم أكثر مما وصل إليه من سبقه، أما عامة الناس وطلاب العلم الذين لم يبلغوا هذه المنزلة فلا يَسعهم ذلك.
ويَرد على الاعتراض بأن غير الأئمة الأربعة من المجتهدين قد يُقلَّد، بأن مذاهب أولئك لم تُحفظ وتُضبط كما حُفظت المذاهب المشهورة، فيحتمل أن يُنسب إليهم ما لم يقولوه أو يُفهم كلامهم على غير مرادهم، ولا يوجد من يذب عن مذاهبهم ويكشف الخطأ في النقل عنهم. ثم يَفترض إمكان وجود مذهب آخر دُوِّن وضُبط على وجه مماثل، فيجعل جواز اتباعه مرتبطًا بظهور الانتساب إليه والفتوى به صراحة، لا بأن ينتسب المرء في الظاهر إلى مذهب مشهور ثم يُدخل في فتاويه أقوال مذهب آخر من غير بيان.
ويَشدد في ذم هذا الخلط؛ فيَعُد الانتساب الظاهر إلى إمام مع مخالفة مذهبه في الباطن، ثم تقديم تلك الأقوال للناس على أنها مذهبه، من التدليس والكذب وسببًا في اضطراب المذاهب. ويدخل في ذلك من يُصنف كتابًا على مذهب معين ثم يَحشو فيه آراء من ينتسب إليه سرًّا من غير أن ينسبها إلى أصحابها أو يوضح مخالفتها للمذهب الذي ينتسب إليه. ويَجعل ادعاء الاجتهاد مع هذا أشد؛ لأن المجتهد لا يكون كذلك بمجرد نقل الأحكام والأدلة من كتب غيره، بل لا بد من استكمال معرفة الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والإجماع والخلاف وسائر أدوات الاجتهاد.
ثم يَناقش نهي الإمام أحمد عن تقليده وكتابة كلامه، ويُبيِّن أن مراده توجيه القادر إلى الاشتغال أولًا بالكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، ومعرفة الصحيح منها والسقيم ومآخذ الأحكام. فمن بلغ من هذه العلوم مبلغ الإمام أحمد أو قارب مرتبته لم يكن داخلًا في المنع، وإنما الكلام فيمن لم يملك إلا قليلًا من تلك العلوم ثم توهم أن النهي عن التقليد يمنحه حق الاجتهاد المطلق.
ويُطيل في بيان سعة علم الإمام أحمد بالقرآن والسنة والآثار والفقه، فيَذكر عنايته بالتفسير والناسخ والمنسوخ، ومعرفته بالأحاديث وطرقها وعللها ورجالها، وفقه معانيها، وإحاطته بمذاهب الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وأئمة الأمصار كمالك والأوزاعي والثوري والشافعي وغيرهم. ويَذكر أنه درس مسائل أصحاب أبي حنيفة وجالس الشافعي، وأن فتاوى أئمة الأمصار كانت تُعرض عليه فيجيب عنها موافقة أو مخالفة، ثم يَربط ذلك بقوة استنباطه وسعة تصرفه في النوازل على أصول معلومة ومآخذ مضبوطة.
ويُوجِّه طالب المذهب إلى ألا يتوهم أنه اطّلع على ما خفي على إمامه لمجرد وقوفه على حديث أو قول، بل يَبدأ بحفظ الكتاب والسنة، وفهمهما بكلام السلف، وجمع فتاوى الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وأئمة الأمصار، ثم يَضبط كلام الإمام الذي ينتسب إليه ويفهم مأخذه. ويَقرر أن من بلغ قدرًا معتبرًا من ذلك لا يزال طالبًا متعلمًا، وأن العلم لا يُنال بكثرة الجرأة على الترجيح والاعتراض قبل إحكام أصوله.
ولا يَحصر ابن رجب الأمر في مسائل الفروع؛ بل يربط منهج الإمام أحمد بعلوم الإسلام والإيمان والإحسان. ففي مسائل الاعتقاد يَدعو إلى التمسك بالمأثور عن السلف وترك فضول الكلام والجدل، وفي باب السلوك يَجعل العبرة بتحقيق الخشية والمراقبة والعمل، لا بزخرفة المصطلحات، وفي الفقه يَمدح الجواب عن النوازل الواقعة المحتاج إليها ويَذم توليد المسائل البعيدة التي لا تقع أو يندر وقوعها وتشغل عما هو أهم.
ويَنتقد تصورًا للعلم يقوم على كثرة الأقوال والاعتراضات وطول الجدل، ويَرفض أن تكون كثرة التصنيف والمناقشة دليلًا على تفوق المتأخر على المتقدم؛ لأن هذا يَلزم منه تفضيل أصحاب الكلام والجدل على كبار الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وأئمة الإسلام. ويَجعل العلم النافع علمًا يورث معرفة الله تعالى وخشيته وتعظيمه، ويُعرِّف المرء بما يحتاج إليه من أوامر الشرع ونواهيه، لا مجرد القدرة على ضرب أقوال العلماء بعضها ببعض والتنقيب عن زلاتهم.
ويَقرر أن أخطاء الأئمة في مسائل قليلة لا تُسقط إمامتهم ولا تَستدعي جعل البحث عن عثراتهم غاية مستقلة؛ فقد غمرت تلك الزلات كثرةُ صوابهم وحسن مقاصدهم ونصرتهم للدين. كما يَذم الاشتغال بفضول العلوم التي لا تنفع في الدين وتُقسِّي القلب وتُورث حب العلو والرئاسة، ويَرفض الرد على أهل البدع بطريقتهم من الجدل الكلامي والأقيسة العقلية إذا كان في نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف ما يغني عن ذلك، ويَجعل الاشتغال بما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم والعمل به أولى من الاسترسال في الخصومات.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














