
نبذة عن الكتاب:
يُفصِّل عبد الرَّحمن عبد الخالق في كتاب «الحد الفاصل بين الإيمان والكفر» حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر، والضَّوابط التي يفرِّق بها بين الحكم على القول أو الفعل بأنَّه كفر، والحكم على شخصٍ معيَّن بأنَّه كافر، قاصدًا معالجة طرفين متقابلين: التَّوسُّع في تكفير المسلمين لمجرَّد المخالفة أو الوقوع في بعض الأقوال والأفعال، والتَّساهل في مفهوم الإيمان حتى يُجعل مجرَّد الانتساب إلى الإسلام أو النُّطق بالشَّهادة كافيًا مع نقض أصول الدِّين. ويجعل هذه التَّفرقة أساسًا للكتاب؛ لأنَّ الكفر قد يصدر -بحسب تقريره- قولًا أو فعلًا ممَّن لا يجوز الحكم بكفره مباشرةً حتى تُراعى الشُّروط المتعلِّقة بحاله وعلمه وقصده.
ويبدأ بتحديد حقيقة الإيمان من الاستعمال القرآني والنَّبوي، فيجعله قائمًا على أصلين متلازمين: التَّصديق، والعمل أو الالتزام بالعمل. فالتَّصديق يشمل الإيمان بالله عزَّ وجلَّ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر وسائر ما ثبت من أخبار الغيب، أمَّا العمل فيشمل الانقياد لأوامر الله تعالى واجتناب نواهيه. ويؤكِّد أنَّ الإيمان ليس تصديقًا ذهنيًّا خاملًا منفصلًا عن الاستجابة، بل تصديقٌ يثمر الإذعان والعمل، ويستدلُّ بالآيات التي وصفت المؤمنين بإقامة الصَّلاة والإنفاق والجهاد والتَّوكُّل والخوف من الله تعالى. ثمَّ يشرح ما تتضمَّنه شهادة التَّوحيد عنده من الإقرار بوحدانيَّة الله عزَّ وجلَّ وربوبيَّته وكمال صفاته، وإفراده بالعبادة، والإقرار بحقِّه في الأمر والتَّشريع، وتصديق ما أخبر به من البعث والجنَّة والنَّار والغيب.
ويفرِّق في الأعمال الشَّرعيَّة بين الاعتقاد بالحكم وبين تنفيذه، فيعدُّ جحد وجوب ما ثبت وجوبه أو استحلال ما ثبت تحريمه ناقضًا للإيمان، بينما يفرِّق بين ذلك وبين وقوع المسلم في المعصية مع اعتقاده تحريمها. فترك الصَّوم أو الحجِّ أو غيرهما تكاسلًا أو بخلًا لا يجعله عنده بمنزلة من ينكر أصل الوجوب، كما أنَّ ارتكاب الزِّنا أو السَّرقة أو شرب الخمر مع الإقرار بالتَّحريم لا يساوي استحلالها والاعتراض على تحريمها. ويخصُّ الصَّلاة بمناقشة أوسع بسبب الخلاف في تاركها، ويعرض قول من يكفِّر تاركها بالكلِّيَّة وقول من لا يجعله كفرًا مخرجًا من الملَّة ما دام مقرًّا بوجوبها، ثمَّ يرجِّح المؤلف تشديد الحكم فيمن يتركها كلِّيًّا، رابطًا ذلك بتعريفه للإيمان بوصفه تصديقًا يقتضي الانقياد والعمل.
وينتقل إلى نواقض الإيمان مقرِّرًا أنَّ الإيمان عنده حقيقة مترابطة لا يصحُّ قبول بعض أصولها وجحد بعضها الآخر؛ لأنَّ تكذيب رسولٍ أو خبرٍ ثابت أو حكمٍ معلوم لا ينحصر أثره في الجزئيَّة المكذَّبة، بل يرجع إلى الطَّعن في مصدرها. وعلى هذا الأصل يفسِّر جحد شيءٍ من أخبار الله تعالى ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، أو الاعتراض على شيءٍ من التَّشريع، أو استحلال المحرَّم، أو الاستكبار عن أمر الله عزَّ وجلَّ. ويعرض لذلك أمثلةً من مسائل الغيب والشَّعائر والأحكام، ويجعل الجامع بينها أنَّ الرَّدَّ المتعمَّد لما ثبت أنَّه من الدِّين يرجع في حقيقته إلى ردِّ خبر الله تعالى أو حكمه.
ويُفصِّل الاعتراض على حكمة التَّشريع، ويميِّز بين سؤال المسلم عن الحكمة وطلبه معرفتها وبين اعتقاد أنَّ حكمًا من أحكام الله عزَّ وجلَّ خالٍ من الحكمة أو غير صالح. ويستدلُّ بقصَّة سعد بن عبادة رضي الله عنه في حكم القذف، وبمراجعة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في صلح الحديبية، ليبيِّن أنَّ الاستشكال العارض أو صدور عبارة في حال المفاجأة لا يساوي الاعتقاد المستقرَّ المعترض على الشَّريعة، وأنَّ المسلم قد يستشكل الحكم ثمَّ يتبيَّن له وجهه فيسلِّم. ويطبِّق هذا التَّفريق على الاعتراضات المتعلِّقة ببعض الأحكام كالتَّعدُّد والطَّلاق والحدود وغيرها، فيجعل محلَّ النَّقض اعتقاد بطلان حكم الله تعالى أو انتفاء حكمته، لا مجرَّد البحث عن الحكمة أو عدم معرفتها.
ويعالج الحكم بغير ما أنزل الله عزَّ وجلَّ بتقسيمه إلى صورٍ مختلفة بحسب الاعتقاد المصاحب للفعل؛ فيعدُّ الحكم بغير الشَّريعة مع اعتقاد أفضليَّة الحكم المخالف أو مساواته لحكم الله تعالى كفرًا أكبر، ويفرِّق عنه صورة من يعتقد أنَّ حكم الله هو الحقُّ والأفضل ثمَّ يخالفه لهوى أو رشوة أو منفعة، ويضع هذه الصُّورة تحت معنى «كفر دون كفر». ويضيف إلى ذلك تمييزًا بين نصوص الكتاب والسُّنَّة وبين اجتهادات الفقهاء، فلا يجعل مخالفة اجتهاد فقهي بعينه مساويةً لمخالفة حكم الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ اجتهاد الفقيه عنده قابل للصَّواب والخطأ، بخلاف النَّصِّ الشَّرعي الثَّابت.
ويبحث الاستهزاء بالشَّعائر وبالمسلم، فيفرِّق بين السُّخرية من شخصٍ لصفةٍ أو خصومةٍ دنيويَّة، وهي معصية بحسب صورتها، وبين الاستهزاء به بسبب تمسُّكه بالإسلام أو بشعيرةٍ من شعائره، إذ يجعل الثَّانية راجعةً إلى الاستهزاء بالدِّين نفسه. ويطبِّق التَّفريق ذاته على معاداة المسلم؛ فالخصومة معه لمصلحة دنيويَّة لا تساوي معاداته بسبب إسلامه وتمسُّكه بدينه. ويؤكِّد في هذه المباحث ضرورة تحديد الجهة التي تعلَّق بها القول أو الفعل قبل إلحاقه بأحكام الكفر.
ثمَّ يخصِّص فصلًا لتعريف الكفر والتَّفريق بين «الكفر» و«الكافر»، فيقرِّر أنَّ وصف اعتقادٍ أو قولٍ أو عملٍ بأنَّه كفر لا يستلزم دائمًا الحكم على كلِّ شخصٍ صدر منه بأنَّه كافر. ويجعل هذه القاعدة من أهمِّ ما يمنع التَّسرُّع في التَّكفير؛ فقد يصدر القول بسبب جهلٍ أو خطأٍ أو تأويل، وقد لا يكون المتكلِّم عالمًا بما يستلزمه كلامه، ولذلك يفرِّق بين تقرير الحكم الشَّرعي العام وبين تنزيله على الأعيان. ويربط بذلك إقامة الحجَّة وبيان الخطأ ومعرفة حقيقة موقف الشَّخص قبل إصدار الحكم عليه، وينبِّه إلى أنَّ الحكم على البواطن والسَّرائر مردُّه إلى الله تعالى.
وينقد بعد ذلك ما يسمِّيه «العرف الكاذب»، ويقصد به تغيُّر مدلولات الألفاظ والأحكام في أذهان النَّاس حتى يصبح الانتساب الاجتماعي أو الاسم أو بعض المظاهر وحدها معيارًا كاملًا للحكم بالإيمان، أو يصبح وقوع المسلم في خطأٍ أو معصيةٍ معيارًا سريعًا للحكم بالكفر. ويعيد في مواجهة ذلك إلى القاعدة التي بنى عليها الكتاب: تحديد معنى الإيمان والكفر من النُّصوص الشَّرعيَّة، ثمَّ الفصل بين حقيقة الحكم وبين تطبيقه على المعيَّن. ويعترض بذلك على الاتِّجاه الذي يكفِّر المجتمعات والأفراد بالجملة، كما يعترض على الاتِّجاه المقابل الذي يفرغ الإيمان من لوازمه ويجعله انتسابًا أو تصديقًا مجرَّدًا لا أثر له في العمل.
ويعرض في فصلٍ مستقلٍّ الأمور التي لا تخرج المؤمن من الإيمان، فيضع المعاصي في مقدِّمتها ما لم تقترن بجحود الحكم أو استحلال المحرَّم، مستدلًّا بالأحاديث التي تثبت بقاء أصل التَّوحيد مع وقوع صاحبه في كبائر كالزِّنا والسَّرقة. ويناقش في هذا السِّياق مذهب الخوارج والمعتزلة في أصحاب الكبائر، كما يرفض التَّساهل الذي يفصل المعصية تمامًا عن أثر الإيمان في القلب. ويقرِّر أنَّ المؤمن قد تغلبه شهوته فيقع في المعصية، من غير أن يصبح وقوعه فيها وحده دليلًا كافيًا على خروجه من الإسلام، وبذلك يفصل بين المعصية والاستحلال، وبين ضعف الإيمان ونقض أصله.
ويختم بمسألة التَّأويل الخاطئ لنصوص الكتاب والسُّنَّة، فيفرِّق بين من يتعمَّد تحريف النَّصِّ للوصول إلى الباطل، وبين من يجتهد في فهمه فيخطئ مراده. ويشدِّد هنا على معرفة مقصد المتكلِّم والغاية التي أرادها من كلامه، وعدم بناء أحكام الكفر على احتمالات الألفاظ أو الشُّبهات أو تتبُّع الأخطاء. ويجعل إقامة الحجَّة وبيان الصَّواب مقدَّمين على التَّكفير والتَّشهير، ويحذِّر من اتِّهام النِّيَّات التي لا يعلم حقيقتها إلا الله عزَّ وجلَّ. ويستشهد بموقف علماء السَّلف من طوائف وقع منها التَّأويل في مسائل الاعتقاد من غير أن يجعلوا كلَّ متأوِّل كافرًا، وينتهي إلى الدعوة إلى ردِّ مسائل الاعتقاد إلى الكتاب والسُّنَّة، وفهم الألفاظ وفق دلالتها العربيَّة، والحذر من التَّأويل البعيد، مع الحذر في الوقت نفسه من تحويل الخطأ والاجتهاد والتَّأويل إلى بابٍ للتَّسرُّع في إخراج المسلمين من الإسلام.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














