
نبذة عن الكتاب:
يردُّ عبد المحسن بن حمد العبَّاد البدر في كتاب «التَّحذير من تعظيم الآثار غير المشروعة» على مقالٍ دعا صاحبه إلى الاهتمام بآثار النُّبوَّة ومواطن الرِّسالة، واستدلَّ لذلك بعدم عودة الشِّرك إلى بلاد الحرمين، وبتتبُّع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لبعض المواضع التي نزل بها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو صلَّى فيها، وبما نُقل في التَّبرُّك بآثاره. ويناقش المؤلِّف هذه المسائل من جهة ثبوت الأدلَّة ودلالتها، ويجعل محور ردِّه التَّفريق بين الآثار التي ثبتت مشروعيَّة العناية بها وبين الآثار المكانيَّة التي لم يرد في الشَّرع قصدها أو تخصيصها بعبادة، محذِّرًا من أن يؤدِّي تعظيم النَّوع الثَّاني إلى الغلوِّ واتِّخاذه ذريعةً إلى الشِّرك.
ويبدأ بمناقشة القول بأنَّ الشِّرك لا يعود إلى جزيرة العرب، فينقد الاستدلال بحديث شدَّاد بن أوس رضي الله عنه الذي ورد فيه نفي عبادة الشَّمس والقمر والوثن والحجر عن الأمَّة، ويبيِّن أنَّ في إسناده عبد الواحد بن زيد الذي حكم عليه أئمَّة الحديث بالتَّرك، فلا يصلح الحديث عنده للاحتجاج. ثمَّ يتناول حديث جابر رضي الله عنه في إياس الشَّيطان من أن يعبده المصلُّون في جزيرة العرب، ويقرِّر أنَّه لا يدلُّ على امتناع وقوع الشِّرك فيها بعد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لورود أحاديث صحيحة في عودة عبادة ذي الخلصة واللَّات والعزَّى، وما جاء في خروج الكافر والمنافق من المدينة عند رجفتها في زمن الدَّجَّال، ويستشهد كذلك بارتداد طوائف من العرب بعد وفاة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقتال أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه لهم.
ويجمع بين هذه النُّصوص وحديث إياس الشَّيطان من عبادته في جزيرة العرب على وجهين؛ أحدهما أن يكون المنفيُّ رجوع أهل الجزيرة جميعًا إلى الشِّرك، فلا يمنع ذلك وقوعه من بعضهم، والآخر أن يكون الإياس وصفًا لظنِّ الشَّيطان نفسه، وهو لا يعلم الغيب. ويبيِّن أنَّ الأحاديث الواردة في كون الإيمان يأرز إلى المدينة والحجاز لا تعارض عنده الأحاديث التي تدلُّ على إمكان وقوع الكفر والشِّرك في الجزيرة، وبذلك يرفض بناء حكمٍ عامٍّ يمنع عودتهما على بعض النُّصوص مع وجود نصوصٍ أخرى يراها صريحةً في خلاف ذلك.
وينتقل إلى تتبُّع الآثار المكانيَّة للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيقرُّ بأنَّ ذلك اشتهر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لكنَّه يقابله بما ينقله عن الخلفاء الرَّاشدين وجمهور الصَّحابة من عدم تحرِّي المواضع التي صلَّى فيها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم اتفاقًا من غير أن يقصد تخصيصها بالصَّلاة. ويستدلُّ خصوصًا بما ثبت عنده عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه حين رأى قومًا يقصدون مسجدًا لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى فيه، فنهاهم عن ذلك وحذَّرهم من اتِّخاذ آثار الأنبياء مواضع للعبادة. ويجعل الفارق في هذه المسألة بين متابعة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في فعلٍ قصده للتَّشريع، وبين تقصُّد مكانٍ لمجرَّد أنَّه اتَّفق نزوله أو صلاته فيه من غير قصدٍ لتخصيصه.
ويجعل سدَّ الذَّرائع أصلًا رئيسًا في منع التَّعلُّق بالآثار المكانيَّة التي لم تثبت مشروعيَّة قصدها، فيربط بينها وبين ما ورد من النَّهي عن اتِّخاذ القبور مساجد، والصَّلاة عندها، واتِّخاذها أعيادًا، وشدِّ الرِّحال إليها. ويستشهد بكلام ابن تيميَّة وابن القيِّم في أنَّ تخصيص المواضع بالعبادة من غير دليل قد يفضي إلى الغلوِّ ثمَّ إلى الشِّرك، ويستدلُّ بفعل عمر رضي الله عنه في النَّهي عن تتبُّع الآثار، ويذكر كذلك ما نُقل عنه في قطع الشَّجرة التي ارتبطت ببيعة الرِّضوان حين خُشي تعلُّق النَّاس بها.
ويقسِّم آثار النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ثلاثة أقسام؛ آثارٍ مرويَّة، وآثارٍ مكانيَّة، وآثارٍ جسديَّة. فالآثار المرويَّة هي حديثه وسنَّته صلَّى الله عليه وسلَّم، ويجعل المحافظة عليها واتِّباعها هي العناية الشَّرعيَّة المطلوبة بآثاره. أمَّا الآثار المكانيَّة فيفرِّق فيها بين ما ثبتت السُّنَّة بقصده، كمسجد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومسجد قباء، وبين الأماكن التي لم يرد دليلٌ على تخصيصها، فيمنع قصدها للتَّعبُّد أو التَّبرُّك لمجرَّد ارتباطها بحادثةٍ من السِّيرة أو مرور النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بها. ويجعل مناط المشروعيَّة في هذا القسم ثبوت الدَّليل، لا مجرَّد ثبوت الصِّلة التَّاريخيَّة بالمكان.
وأمَّا الآثار الجسديَّة، وهي ما لامس جسد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم من شعرٍ أو عرقٍ أو فضل وضوءٍ ونحو ذلك، فيثبت مشروعيَّة تبرُّك الصَّحابة رضي الله عنهم بها، ويجعل ذلك من خصائصه صلَّى الله عليه وسلَّم لما جعل الله تعالى فيه من البركة. وعلى هذا يحمل ما نُقل من التَّبرُّك بمنبره فيما كان يمسُّه جسده، ويفرِّق بين ذلك وبين التَّمسُّح بقبره أو تقبيله والطَّواف به. ثمَّ يقرِّر أنَّ هذه الآثار الجسديَّة قد انقرضت ولم يبق مجالٌ للتَّعلُّق بما يُدَّعى منها، وأنَّ غير النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يُقاس عليه في هذا الباب؛ إذ لم يتبرَّك الصَّحابة على هذا الوجه بأبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي رضي الله عنهم مع فضلهم.
ويستعين في تقرير هذا الفرق بكلام الشَّاطبي في تبرُّك الصَّحابة رضي الله عنهم بآثار النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وتركهم ذلك مع أفضل الأمَّة بعده، ويعرض احتمال اختصاص هذا النَّوع من البركة بالنُّبوَّة، أو أن يكون تركه مع غيره من باب سدِّ الذَّرائع خشية تجاوز العامَّة الحدَّ في تعظيم الصَّالحين. وينقل كذلك عن محمَّد بن وضَّاح ما يتَّصل بترك علماء المدينة قصد الآثار غير المشروعة، وعن عبد العزيز بن باز تأكيد اختصاص التَّبرُّك بالآثار الجسديَّة بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعدم قياس العلماء والصَّالحين عليه.
ويعرض نماذج لما يعدُّه من نتائج الغلوِّ في الأولياء والآثار، فينقل حكاياتٍ وردت في ترجمة أبي بكر العيدروس تتضمَّن الاستغاثة به ونسبة خوارق إليه، ويوردها مثالًا لما يمكن أن ينتهي إليه التَّعلُّق بالأشخاص والأضرحة. ثمَّ ينتقل إلى مناقشة دعواتٍ معاصرة للمحافظة على مواضع تُنسب إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كمكان مولده ومبرك ناقته وبعض البيوت والآبار، ويردُّ الاستدلال بمقام إبراهيم عليه السَّلام بأنَّ مشروعيَّة اتِّخاذه مصلًّى ثبتت بنصٍّ خاص، فلا يصحُّ عنده القياس عليه لإثبات مشروعيَّة قصد سائر الآثار.
ويناقش كذلك الاستدلال بما ورد في قصَّة تابوت بني إسرائيل وبما ثبت من عناية الصَّحابة بالآثار الجسديَّة للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيفصل بين هذه الأدلَّة وبين محلِّ النِّزاع في الآثار المكانيَّة. ويعترض على دعوى استمرار معرفة مواضع بعينها، كمبرك النَّاقة، إلى العصور المتأخِّرة من غير نقلٍ يثبت تعيينها وحفظها عبر القرون، ويرى أنَّ عدم قصد الصَّحابة رضي الله عنهم لهذه المواضع دليلٌ على أنَّ المحافظة الشَّرعيَّة على آثار النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إنَّما تكون باتِّباع حديثه وسنَّته والعمل بأقواله وأفعاله وتقريراته، لا بتتبُّع الأماكن التي لم يثبت تخصيصها.
ويختم بمناقشة ما نُسب إلى القرون الثَّلاثة الأولى من الإجماع على التَّبرُّك بالآثار المكانيَّة، فينفي ثبوت هذا الإجماع ويعارضه بما يورده عن عمر رضي الله عنه في النَّهي عن تتبُّع تلك المواضع. كما يردُّ على اتِّهام علماء نجد بتكفير الأشاعرة والماتريديَّة وسواد المسلمين، ويفرِّق بين الحكم على الفرق بالخطأ والوعيد وبين إخراجها من الإسلام. ثمَّ يناقش التَّفريق بين الإطراء والغلوِّ في محبَّة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيقرِّر وجوب محبَّته فوق محبَّة النَّفس والأهل والنَّاس أجمعين، مع منع الغلوِّ الذي يتجاوز حدود الشَّرع أو يؤدِّي إلى صرف شيءٍ من حقوق الله عزَّ وجلَّ لغيره.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














