
نبذة عن الكتاب:
يقارن أحمد بن عطية بن علي الغامدي في كتاب «الإيمان بين السَّلف والمتكلِّمين» بين مذاهب السَّلف وطوائف المتكلِّمين في حقيقة الإيمان وما يتفرَّع عنها من مسائل، ويجعل مدار البحث على خمسة موضوعات رئيسة: حقيقة الإيمان، والصِّلة بين الإيمان والإسلام، وزيادة الإيمان ونقصه، وحكم مرتكب الكبيرة، والاستثناء في الإيمان. ويبدأ بتحديد المقصود بالسَّلف والمتكلِّمين من جهة المنهج؛ فيجعل السَّلف معتمدين في تقرير مسائل الاعتقاد على الكتاب والسُّنَّة، ويطلق وصف المتكلِّمين على من سلك الطُّرق العقليَّة الكلاميَّة في تقرير العقائد، ثمَّ يبني دراسته على عرض مذهب السَّلف وأدلَّته، وعرض مذاهب الفرق من مصادرها، ثمَّ الموازنة بينها ومناقشة أدلَّتها.
ويقرِّر في عرض مذهب السَّلف أنَّ الإيمان مركَّب من اعتقاد القلب، وقول اللِّسان، وعمل الجوارح، ويجمع العبارات المنقولة عن الأئمَّة في تعريفه، مثل قولهم: «قول وعمل»، و«قول وعمل ونيَّة»، و«قول وعمل ونيَّة وسُنَّة»، مبيِّنًا أنَّ اختلاف هذه الألفاظ لا يرجع عنده إلى اختلاف في حقيقة المذهب؛ لأنَّ القول يتناول قول القلب واللِّسان، والعمل يتناول عمل القلب والجوارح، وزيادة النِّيَّة أو اتِّباع السُّنَّة جاءت لرفع الاحتمال وبيان تمام المراد. ثمَّ يستدلُّ لدخول هذه الأجزاء في الإيمان بالآيات التي أضافت الإيمان إلى القلب، والنُّصوص الآمرة بالنُّطق والإقرار، والآيات والأحاديث التي أطلقت اسم الإيمان على الأعمال، ويتوسَّع خصوصًا في الاستدلال بالصَّلاة والزَّكاة وحديث وفد عبد القيس وحديث شُعب الإيمان لإثبات أنَّ العمل ليس منفصلًا عن حقيقة الإيمان.
ويتناول الصِّلة بين الإيمان والإسلام من خلال ثلاثة أقوال منقولة عن السَّلف؛ فيعرض القول بترادفهما، والقول بالتَّفريق بينهما بحيث يكون الإسلام متعلِّقًا بالأعمال الظَّاهرة والإيمان بما وراءها، ثمَّ يرجِّح أنَّ بينهما تلازمًا مع اختلاف حقيقتهما عند اجتماعهما. ويجمع على هذا الأساس بين حديث جبريل، الذي فُسِّر فيه الإسلام بالأعمال الظَّاهرة والإيمان بأعمال الاعتقاد الباطنة، وحديث وفد عبد القيس الذي أُطلق فيه الإيمان على الشَّهادتين والصَّلاة والزَّكاة وغيرها. وينتهي إلى أنَّهما إذا اجتمعا في نصٍّ افترق مدلولاهما، وإذا أُفرد أحدهما دخل فيه الآخر، فلا يتحقَّق الإيمان الشَّرعي بلا إسلام، ولا الإسلام المعتبر بلا أصل من الإيمان.
ويعرض بعد ذلك مذهب السَّلف في زيادة الإيمان ونقصه، فيقرِّر أنَّ الإيمان يتفاضل، وأنَّه يزيد بالطَّاعة وينقص بالمعصية، مستدلًّا بالنُّصوص التي صرَّحت بزيادة الإيمان، وباختلاف المؤمنين في الأعمال والطَّاعات، وبأحاديث شُعب الإيمان وما تدلُّ عليه من تفاوت مراتبه. ويربط هذه المسألة بتعريف الإيمان نفسه؛ فمتى كانت الأعمال داخلة في مسمَّاه أمكن أن يزيد بفعل الواجبات والمستحبَّات وينقص بتركها وارتكاب المعاصي، ولا يلزم من ذهاب بعض الإيمان زوال أصله كلِّه، وبذلك يفرِّق بين مذهب السَّلف وبين المذاهب التي جعلت الإيمان شيئًا واحدًا لا يقبل التَّفاضل.
ويفصِّل في حكم العصاة ومرتكبي الكبائر، فيبيِّن أنَّ مذهب السَّلف لا يسلب مرتكب الكبيرة أصل الإيمان لمجرَّد معصيته، ولا يجعله كامل الإيمان، بل يجتمع فيه إيمان ومعصية، فيكون مؤمنًا بإيمانه فاسقًا بكبيرته، وينقص إيمانه بحسب ما ارتكب. أمَّا في الآخرة فهو تحت مشيئة الله عزَّ وجلَّ إن مات على التَّوحيد من غير توبة؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذَّبه، ولا يخلد في النَّار خلود الكفَّار. ويستعمل هذه القاعدة في الفصل بين مذهب السَّلف من جهة، وبين الخوارج الذين يحكمون على مرتكب الكبيرة بالكفر، والمعتزلة الذين يسلبونه اسم الإيمان ويجعلونه في منزلة بين المنزلتين في الدُّنيا مع القول بخلوده في النَّار في الآخرة، وغلاة المرجئة الذين بالغوا في فصل المعصية عن الإيمان من جهة أخرى.
ويعالج مسألة الاستثناء في الإيمان، أي قول الإنسان «أنا مؤمن إن شاء الله»، فيعرض مأخذ السَّلف في تجويزه من غير أن يكون ناشئًا عن الشَّك في أصل التَّصديق. ويبيِّن أنَّ الاستثناء عندهم يتَّصل بعدم الجزم باستكمال أعمال الإيمان وبالابتعاد عن تزكية النَّفس وادِّعاء كمالها، مع جواز ترك الاستثناء، وأنَّه لا يجوز إذا صدر عن شكٍّ في أصل الإيمان القلبي. ويفرِّق بذلك بين مأخذ السَّلف وبين من منع الاستثناء مطلقًا لأنَّه عدَّه شكًّا في الإيمان، وبين المأخذ الذي ربطه بالموافاة وما يختم للعبد به.
وينتقل إلى مذاهب الفرق فيخصِّص للخوارج والمرجئة والجهميَّة والكرَّاميَّة والمعتزلة والأشاعرة مباحث مستقلَّة، ويعرض تعريف كلِّ فرقة للإيمان وما يترتَّب عليه في مسائل الزِّيادة والنُّقصان والعصاة والاستثناء. فيذكر عن الخوارج إدخالهم الاعتقاد والقول والعمل في الإيمان مع معاملتهم له كلًّا لا يتجزَّأ، وما ترتَّب على ذلك من تكفير مرتكب الكبيرة. ويعرض المرجئة وما يجمع طوائفهم من تأخير العمل عن حقيقة الإيمان مع اختلافهم في تحديد ما يدخل فيه، ثمَّ يفرد مسألة أبي حنيفة والإرجاء بالبحث، فيناقش الأساس الذي استند إليه من نسبه إلى الإرجاء، ويميِّز مذهبه عن الإرجاء الغالي، فلا يجعله من المرجئة بالمعنى الذي اتَّفقت الطَّوائف على ذمِّه.
ويعرض مذهب الجهميَّة في جعل الإيمان معرفة القلب، وما يترتَّب عليه من القول بعدم تبعُّضه أو تفاضل أهله فيه، ثمَّ يقابله بمذهب الكرَّاميَّة الذين يجعلون الإيمان إقرار اللِّسان، حتى ناقش الكتاب ما يلزم هذا التَّعريف في شأن المنافق الذي يظهر الإقرار ويضمر خلافه. ويشرح مذهب المعتزلة في تركيب الإيمان من الاعتقاد والقول والعمل، مع اختلافهم عن السَّلف في حكم من ذهب بعض إيمانه بالكبيرة، إذ يجعلون مرتكب الكبيرة في منزلة بين الإيمان والكفر في أحكام الاسم، ويحكمون عليه في الآخرة بالخلود في النَّار إن مات من غير توبة. كما يعرض مذهب الأشاعرة في حقيقة الإيمان، وصلته بالتَّصديق، وما يتفرَّع عنه من أحكام الزِّيادة والنُّقصان والاستثناء.
ويعود في القسم المقارن إلى جمع هذه المذاهب بحسب أصولها، فيجعل تعريفات الإيمان المفردة دائرة بين التَّصديق، والمعرفة، والإقرار، ويقابلها بالتَّعريفات المركَّبة التي تدخل أكثر من عنصر في حقيقته. ثمَّ يناقش إخراج العمل من مسمَّى الإيمان بالنُّصوص التي سمَّت أعمالًا بعينها إيمانًا، مستشهدًا بطريقة الإمام البخاري في أبواب «صحيحه» حين جعل الصَّلاة والجهاد وقيام ليلة القدر وغيرها من الإيمان. كما يناقش القول بعدم زيادة الإيمان ونقصه، ويستدلُّ بالنُّصوص الصَّريحة في زيادة الإيمان وبالتَّفاوت الظَّاهر بين المؤمنين في أعمال القلوب والجوارح على أنَّ الإيمان ليس مرتبة واحدة ثابتة لا تقبل التَّفاضل.
ويوازن أخيرًا بين المذاهب في حكم مرتكب الكبيرة، فيجعل موقف السَّلف وسطًا بين من جعل المعصية غير مؤثِّرة في الإيمان، ومن أخرج صاحب الكبيرة من الإيمان أو من الإسلام بسببها، ويربط ذلك بأصل تجزُّؤ الإيمان وإمكان بقاء أصله مع ذهاب شيء من كماله الواجب. ثمَّ يقارن مذاهبهم في الاستثناء، فيردُّ المنع المطلق المبني على عدِّ كلِّ استثناء شكًّا، كما يميِّز مأخذ السَّلف عن تعليق الاستثناء على الموافاة وحدها، وينتهي إلى تقرير أنَّ الإيمان اعتقاد وقول وعمل، وأنَّه يزيد وينقص، وأنَّ مرتكب الكبيرة لا يُسلب أصل الإيمان ولا يُعطى كماله، وأنَّ الاستثناء جائز إذا تعلَّق بكمال الأعمال ولم يكن شكًّا في أصل التَّصديق.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














