
نبذة عن الكتاب:
يناقش أبو بكر جابر بن موسى الجزائري في كتاب «الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف» حكم الاحتفال بالمولد النَّبوي، قاصدًا معالجة الخلاف الذي اشتدَّ بين المسلمين فيه حتى تجاوز عند بعضهم مناقشة الحكم الشَّرعي إلى التَّباغض والتَّكفير واتِّهام منكري المولد ببغض رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. ويقرِّر منذ البداية أنَّ إنكار الاحتفال لا يعني بغض النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، كما أنَّ مجرَّد إقامة المولد لا يقتضي تكفير فاعله، ويجعل غرضه بيان حكم المولد مع منع الغلوِّ والإجحاف في معاملة المخالف.
ويؤصِّل قبل الكلام على المولد قاعدةً عامَّة في العبادة، فيقرِّر أنَّ ما يُتقرَّب به إلى الله عزَّ وجلَّ لا بدَّ أن يكون مشروعًا بالكتاب أو السُّنَّة، وأن يُؤدَّى على الوجه المشروع من حيث الكميَّة والكيفيَّة والزَّمان والمكان، مع إخلاص القصد لله تعالى. ويضرب لذلك أمثلة بالصَّلاة والحجِّ والصِّيام، موضِّحًا أنَّ أصل مشروعيَّة العبادة لا يبيح تغيير عددها أو صفتها أو وقتها أو موضعها المعيَّن شرعًا. وينقل هذه القاعدة إلى العبادات المشروعة التي قد يدخلها الإحداث، كالذِّكر إذا خُصَّ بألفاظ أو هيئات أو اجتماعات لم تثبت، ليخلص إلى أنَّ الابتداع قد يقع في أصل العبادة، وقد يدخل على عبادة مشروعة بتغيير صفتها أو تقييدها بما لم يرد.
ويُفصِّل معنى السُّنَّة والبدعة، فيجعل السُّنَّة ما شرعه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأمَّته من طرق البرِّ والخير بقول أو فعل أو تقرير، ويلحق بها سُنَّة الخلفاء الرَّاشدين رضي الله عنهم. أمَّا البدعة فيعرِّفها بما أُحدث في الدِّين من اعتقاد أو قول أو عمل لم يكن مشروعًا على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه. ثمَّ يسوق أمثلة لما يعدُّه من البدع الاعتقاديَّة والقوليَّة والفعليَّة، ويؤكِّد من خلالها أنَّ العبرة ليست بمجرَّد اشتمال الفعل على ذكر أو دعاء أو مظهر من مظاهر القربة، بل بثبوت أصل التَّعبُّد وصفته في الشَّرع.
ويميز بعد ذلك بين البدعة والمصلحة المرسلة، ويناقش إطلاق عبارة «البدعة الحسنة» على بعض الأعمال المستحدثة، مستعينًا بكلام الشَّاطبي في الاعتراض على تقسيم البدعة إلى الأحكام الخمسة. ويجعل الفارق أنَّ البدعة مقصودة لذاتها على جهة التَّعبُّد والتَّشريع، أمَّا المصلحة المرسلة فهي وسيلة لتحقيق مقصد شرعي أو حفظ واجب أو دفع مفسدة من غير أن تُتَّخذ عبادة مستقلَّة. ويطبِّق ذلك على جمع المصحف، واتِّخاذ المحاريب، وزيادة عثمان رضي الله عنه الأذان الأوَّل للجمعة، وبناء المآذن، واستعمال مكبِّرات الصَّوت، ويعرض مسألة القراءة الجماعيَّة للقرآن مفرِّقًا بين اتخاذها تعبُّدًا بهيئة مخصوصة واتخاذها وسيلةً للتَّعليم والمحافظة على القرآن.
ويتتبَّع الموالد بمعناها العام وما يجري في عدد منها من ممارسات، فيذكر اختلاف تسميتها بين البلدان بالمواسم والزَّرد والحضرات والموالد، ثمَّ يصف ما ينسبه إلى بعضها من الذَّبائح والنُّذور، ودعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم، والاختلاط، والرَّقص، والأسواق وغيرها. ويفرِّق في الحكم بين أصل الاجتماع المحدث وبين ما قد يصاحبه من أعمال أشدَّ حكمًا، فيعدُّ دعاء غير الله تعالى والذَّبح والنَّذر لغيره من الشِّرك، ويعدُّ غير ذلك من المحرَّمات بحسب نوعه، فلا يجعل جميع ما يقع في الموالد في مرتبة واحدة.
وينتقل إلى المولد النَّبوي بخصوصه، فيصف الصورة التي عرفها في بعض بلاد المغرب من قراءة جانب من السِّيرة والشَّمائل واتِّخاذ يوم من ربيع الأوَّل مناسبةً للفرح، والصورة التي شاهدها في المشرق من الاجتماعات والطَّعام وإنشاد المدائح وقراءة قصَّة المولد والقيام عند ذكر الولادة. وينبِّه إلى ما قد يدخل بعض القصائد والمدائح من غلوٍّ في النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أو ألفاظ يعدُّها من التَّوسُّلات الممنوعة. ثمَّ يقرِّر أنَّ الاحتفال بالمولد بالصورة الاصطلاحيَّة المتأخِّرة لم يكن معروفًا في عهد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ولا الصَّحابة ولا القرون المفضَّلة، وينسب ظهور الاحتفال به إلى الملك المظفَّر صاحب إربل، ويذكر تأليف أبي الخطَّاب ابن دحية كتابًا في المولد له.
ويردُّ على خمسة تعليلات يسوقها المجيزون للاحتفال: اتخاذه ذكرى للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وسماع شمائله ونسبه، وإظهار الفرح بمولده، وإطعام الطَّعام، والاجتماع على القرآن والذِّكر والصَّلاة عليه. فيعترض بأنَّ ذكر النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم والصَّلاة عليه متكرِّران في حياة المسلم ولا يحتاجان إلى ذكرى سنويَّة، وأنَّ تعلُّم السِّيرة والشَّمائل ينبغي أن يكون علمًا مستمرًّا لا سماعًا عارضًا مرَّة في العام، وأنَّ محبَّته والفرح به لا يختصَّان بيوم بعينه، وأنَّ إطعام الطَّعام مشروع في سائر الأوقات، فلا يستلزم تخصيص مناسبة دينيَّة جديدة، كما يفرِّق بين أصل مشروعيَّة الذِّكر وبين تخصيصه باجتماع وهيئة لم تثبت.
ويناقش كذلك الأدلَّة التي استند إليها بعض المرخِّصين في المولد، ولا سيَّما ما نقله عن السُّيوطي. فيتناول قصَّة تخفيف العذاب عن أبي لهب بسبب فرحه بولادة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وإعتاق ثويبة، فيردُّ الاحتجاج بها من جهة كونها رؤيا لا يثبت بها تشريع، ومن جهة الإرسال، ومن جهة ما يقرِّره في حكم عمل الكافر، فضلًا عن أنَّ فرح أبي لهب كان عنده فرحًا طبيعيًّا بولادة قريب لا عبادةً شرعيَّة. ويناقش رواية عقيقة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن نفسه، فيطعن في ثبوتها وفي دلالتها على إنشاء احتفال سنوي، كما يناقش الاستدلال بصيام عاشوراء شكرًا لله تعالى، ويرى أنَّ غايته ـ لو صحَّ القياس عليه ـ اتِّباع العبادة الثابتة لا إنشاء صورة أخرى من الاحتفال.
ويجعل الإنصاف في المسألة مانعًا من الانتقال من الحكم على الفعل إلى الحكم بالكفر أو الشِّرك على كلِّ من يفعله؛ فيؤكِّد أنَّ كثيرًا من المسلمين يقيمون المولد بدافع محبَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والرَّغبة في التَّقرُّب إلى الله تعالى، وأنَّ هذا الباعث ينبغي أن يُراعى عند النُّصح مع بقاء حكمه على الاحتفال نفسه بالبدعة. ولذلك يدعو إلى تعليم المحتفل حكم المسألة والرِّفق به في الإنكار وتجنُّب التَّشنيع الذي يدفعه إلى العناد، ويشدِّد في الوقت نفسه على أنَّ الحكم يتغيَّر إذا انضمَّ إلى الاحتفال شرك أو محرَّم آخر؛ فيكون الإنكار حينئذ بحسب المنكر المصاحب قوَّةً وضعفًا.
ويختم بمناقشة الاعتراض القائل إنَّ شيوع المولد وسكوت العلماء عنه دليل على قبوله، فيقرِّر أنَّ علماء أنكروا الاحتفال منذ ظهوره، ويورد رسالة تاج الدِّين الفاكهاني «المورد في الكلام على المولد» شاهدًا على ذلك. وينقل تفريق الفاكهاني بين اجتماع يخلو من المحرَّمات فيعدُّه بدعةً مكروهة، وبين اجتماع تنضمُّ إليه المحرَّمات من أخذ الأموال والغناء وآلات اللهو والاختلاط والرَّقص ونحوها فيشتدُّ حكمه. ويستقرُّ الكتاب بذلك على الجمع بين أصلين أراد المؤلِّف إبرازهما معًا: الحكم على المولد بأنَّه عبادة محدثة لا تثبت بمجرَّد اشتمالها على أعمال مشروعة في أصلها، ومنع الغلوِّ في الخصومة بسببها بتكفير المحتفلين أو اتِّهام منكريها ببغض النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














