
نبذة عن الكتاب:
يَشْرَح عبد العزيز بن عبد الله الرَّاجحي في هذا الكتاب رسالة «الاقتصاد في الاعتقاد» للحافظ عبد الغني المقدسي، مُفَصِّلًا أصول عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة التي أجملها المتن، ومستدلًّا لها بالقرآن الكريم والسُّنَّة وأقوال السَّلف، مع بيان مذاهب المخالفين ومناقشتها، والتَّنبيه إلى ما يحتاج من عبارات المصنِّف إلى تقييد أو ترجيح أو تصحيح. ويجعل معنى «الاقتصاد» قائمًا على لزوم الوسط بين طرفي الإفراط والتَّفريط، فيعرض أهل السُّنَّة وسطًا بين الفرق في أبواب الصِّفات والقدر والإيمان وغيرها؛ فلا يسلكون مسلك الغلوِّ ولا مسلك الجفاء، وإنَّما يثبتون ما دلَّ عليه الوحي على الوجه الذي يليق بالله تعالى.
ويبدأ بتقرير أصل الإيمان بالله تعالى وتوحيده وأسمائه وصفاته، وأنَّ باب الأسماء والصِّفات توقيفيٌّ لا يُثبت فيه إلَّا ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، مع نفي المماثلة عن الله عزَّ وجلَّ، وإثبات معاني الصِّفات من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل. ويشرح أنَّ السَّلف يُمِرُّون نصوص الصِّفات كما جاءت مع فهم معانيها، ولا يعني ذلك تفويض المعنى؛ وإنَّما المجهول هو الكيفيَّة، فيثبتون الصِّفة ويحجبون أنفسهم عن الخوض في كيفيتها.
ويُفَصِّل صفة الاستواء على العرش، ويستعرض مواضع إثباتها في القرآن الكريم وما ورد فيها من السُّنَّة، ويجعل الاستواء صفةً فعليَّةً متعلِّقةً بالمشيئة، وعلوًّا خاصًّا على العرش يليق بجلال الله تعالى، ويُفَرِّق بينها وبين صفة العلوِّ التي يجعلها صفةً ذاتيَّةً ثابتةً لله تعالى على الدَّوام. ويعرض أدلَّة العلوِّ من النَّقل والعقل والفطرة، ويردُّ تأويل الاستواء بالاستيلاء، ويناقش مَن نفى علوَّ الله تعالى على خلقه أو جعل نصوص المعيَّة مناقضةً لنصوص الفوقيَّة، فيُقَرِّر أنَّ المعيَّة لا تستلزم الحلول والاختلاط، وأنَّ الله تعالى فوق خلقه مع إحاطته بهم علمًا وسمعًا وبصرًا.
ويشرح ما ورد من صفة الوجه والنَّفس واليدين والنُّزول، ويثبت اليدين لله تعالى على الحقيقة اللَّائقة به من غير تشبيه بيد المخلوق، مستدلًّا بالنُّصوص التي جاءت بالتَّثنية، ويناقش حمل اليد على مجرَّد القدرة أو النِّعمة. كما يثبت نزول الله تعالى إلى السَّماء الدُّنيا كما ورد في الحديث، من غير تعرُّض لكيفيَّته أو قياسه على نزول المخلوق، ويجعل القاعدة في هذه الصِّفات كلِّها واحدةً: إثبات ما أثبته الوحي مع نفي التَّمثيل والعلم بالكيفيَّة.
ويتناول الصِّفات الفعليَّة الاختياريَّة كالمحبَّة والمشيئة والإرادة والرِّضا والغضب والسَّخط والكره والبغض والفرح والضَّحك والعجب، فيجمع أدلَّتها من الكتاب والسُّنَّة ويثبتها على ما يليق بالله عزَّ وجلَّ. ويُفَرِّق في الإرادة بين الإرادة الكونيَّة القدريَّة التي لا بدَّ من وقوع مرادها وقد تتعلَّق بما يحبُّه الله تعالى وما لا يحبُّه، والإرادة الشَّرعيَّة الدِّينيَّة التي تتعلَّق بما يحبُّه ويرضاه وقد يقع المراد بها وقد لا يقع؛ ليجمع بذلك بين مشيئة الله تعالى الشَّاملة وبين أمره ونهيه ومحبَّته للطَّاعات وبغضه للمعاصي.
ويُفَصِّل صفة الكلام، فيُقَرِّر أنَّ الله تعالى لم يزل متكلِّمًا إذا شاء، وأنَّ كلامه حقيقيٌّ مسموع مفهوم، وأنَّه كلَّم موسى عليه السَّلام ويكلِّم مَن شاء من عباده، ويردُّ على من جعل الكلام معنىً نفسيًّا لا حرف فيه ولا صوت. ويتناول القرآن الكريم بوصفه كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله، حروفه ومعانيه منه بدأ وإليه يعود، غير مخلوق، ويبحث الأقوال التي ظهرت في خلق القرآن واللَّفظ به، ويُفَرِّق بين كلام الله تعالى وبين أصوات العباد وأفعالهم عند القراءة.
ويبحث رؤية الله تعالى، فيثبت رؤية المؤمنين لربِّهم عزَّ وجلَّ يوم القيامة كما دلَّت عليها النُّصوص، ويجعلها رؤيةً حقيقيَّةً بالأبصار من غير إحاطة ولا تكييف، ويردُّ تأويل الرؤية بمعنى العلم أو انتظار الثَّواب. أمَّا رؤية النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لربِّه ليلة المعراج، فيعرض قول عبد الغني المقدسي في إثباتها، ثمَّ يناقشه ويرجِّح أنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم يرَ ربَّه بعين رأسه، وإنَّما رآه بفؤاده، جامعًا بين ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما وبين حديث عائشة رضي الله عنها والنُّصوص الدَّالَّة على احتجاب الله تعالى عن خلقه في الدُّنيا.
ويثبت الإسراء والمعراج، وأنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثمَّ عُرج به إلى السَّماوات بجسده وروحه، ويعرض ما وقع من خلاف في بعض تفاصيل ذلك. ويُقَرِّر ثبوت ما صحَّ من خصائص النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلوَّ منزلته بين الرُّسل عليهم السَّلام، وما أُعطيه من الشَّفاعة العظمى يوم القيامة حين يتراجع عنها الأنبياء عليهم السَّلام حتَّى تنتهي إليه، فيشفع عند الله تعالى في فصل القضاء بين الخلائق.
وينتقل إلى القضاء والقدر، فيجعل الإيمان به أصلًا من أصول الإيمان السِّتَّة، ويشرح مراتبه الأربع: علم الله تعالى السَّابق بجميع الأشياء، وكتابته مقادير الخلائق، ومشيئته النَّافذة التي لا يخرج عنها شيء، وخلقه سبحانه للعباد وأفعالهم. ويُفَرِّق بذلك بين مذهب القدريَّة الذين أخرجوا أفعال العباد عن خلق الله تعالى، ومذهب الجبريَّة الذين سلبوا العبد قدرته واختياره، ويُقَرِّر أنَّ العبد فاعل حقيقةً وله إرادة وقدرة، لكنَّ إرادته وقدرته واقعتان تحت مشيئة الله تعالى وخلقه.
ويبحث الصَّبر والرِّضا بالقضاء، فيجعل الإيمان بالقدر والصَّبر على المصيبة واجبين، ويفرِّق بين الصَّبر والرِّضا والشُّكر؛ فالصَّبر حبس النَّفس واللِّسان والجوارح عن التَّسخُّط، والرِّضا مرتبة أعلى منه، ثمَّ تأتي مرتبة الشُّكر. كما يُنَبِّه إلى أنَّ الاحتجاج بالقدر لا يصحُّ لتبرير المعاصي، وأنَّ القدر يُحتجُّ به في المصائب لا في ترك الأوامر وفعل المحظورات.
ويشرح حقيقة الإيمان عند أهل السُّنَّة بأنَّه قول القلب وتصديقه، وقول اللِّسان، وعمل القلب من الإخلاص والمحبَّة والخوف والرَّجاء، وعمل الجوارح، وأنَّه يزيد بالطَّاعة وينقص بالمعصية. ويضع هذا المذهب بين المرجئة الذين أخرجوا العمل من مسمَّى الإيمان، والخوارج والمعتزلة الذين جعلوا الكبيرة مزيلةً للإيمان. فمرتكب الكبيرة عند أهل السُّنَّة لا يخرج من الإسلام بمجرَّد معصيته ما لم يقع في ناقض أكبر، وإنَّما ينقص إيمانه ويضعف.
ويبحث الاستثناء في الإيمان، فيجيز قول المسلم: «أنا مؤمن إن شاء الله» إذا لم يُرَد به الشَّكُّ في أصل الإيمان، بل تجنُّب تزكية النَّفس وعدم الجزم باستكمال حقيقة الإيمان وخصاله. كما يشرح العلاقة بين الإسلام والإيمان، وأنَّهما إذا اجتمعا افترقا في الدَّلالة، فيُراد بالإسلام الأعمال الظَّاهرة، وبالإيمان الاعتقادات والأعمال الباطنة، وإذا انفرد أحدهما دخل فيه الآخر، مستعينًا بحديث جبريل عليه السَّلام في بيان مراتب الدِّين: الإسلام والإيمان والإحسان.
ويُفَصِّل الإيمان باليوم الآخر وما يسبقه من أحوال البرزخ؛ فيثبت عذاب القبر ونعيمه وسؤال منكر ونكير، ويستدلُّ لذلك بالنُّصوص القرآنيَّة والأحاديث، ويشرح ما يكون للمؤمن والفاجر عند قبض الرُّوح وفي القبر. ثمَّ يتناول البعث والحساب وتطاير الصُّحف والميزان والحوض والصِّراط، وما يقع من الشَّفاعة، ويعرض الخلاف في ترتيب بعض مشاهد القيامة ويرجِّح ما يظهر له من مجموع النُّصوص.
ويثبت حوض النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم يوم القيامة، ويبحث الأحاديث الواردة فيمن يُذادون عنه، مميِّزًا بين الصَّحابة رضي الله عنهم وبين مَن ارتدَّ أو نافق ممَّن نُسب إلى الصُّحبة في بعض الرِّوايات. كما يثبت الميزان الحقيقي الذي توزن به الأعمال، ويتناول الخلاف في كونه ميزانًا واحدًا أو موازين متعدِّدة، ويُقَرِّر بقاء الجنَّة والنَّار وعدم فنائهما، ودخول أهل الجنَّة الجنَّة وأهل النَّار النَّار بحسب ما دلَّت عليه نصوص الوعد والوعيد والشَّفاعة.
ويبحث أشراط السَّاعة، فيثبت خروج المسيح الدَّجَّال وما يكون معه من الفتنة والخوارق التي يجعلها الله تعالى ابتلاءً لعباده، ويردُّ على من أنكر شخصه أو جعل أخباره مجرَّد رموز وخيالات. كما يثبت نزول عيسى عليه السَّلام في آخر الزَّمان وقتله الدَّجَّال، وما يتبع ذلك من الأحداث الواردة في الأحاديث، ويعرض الإيمان بملك الموت وما يتصل بقبض الأرواح ضمن جملة الغيبيَّات التي تُتلقَّى بالتَّسليم للنَّصِّ الصَّحيح.
ويُقَرِّر مكانة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وخصائصه وحقوق أصحابه رضي الله عنهم، ويتناول ترتيب الخلفاء الرَّاشدين في الفضل والخلافة: أبا بكر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان ثمَّ عليًّا رضي الله عنهم، مع إثبات فضل الصَّحابة والكفِّ عمَّا شجر بينهم، والشَّهادة بالجنَّة لمن شهد له النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بها. ويربط سلامة الاعتقاد بلزوم السُّنَّة وطريقة السَّلف، ويحذِّر من إحداث الأقوال والعبادات التي لا أصل لها، مُؤَكِّدًا أنَّ كمال الدِّين يقتضي الاكتفاء بما جاء به الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وعدم الزيادة فيه أو النُّقصان منه.
ولا يقتصر شرح الرَّاجحي على فكِّ ألفاظ «الاقتصاد في الاعتقاد»، بل يوسِّع مسائلها بالتَّأصيل والمقارنة بين المذاهب، ويشرح المصطلحات، ويذكر وجوه الاستدلال، ويجيب عن الأسئلة المتفرِّعة عنها، ويعقِّب على بعض اختيارات عبد الغني المقدسي حين يرى الدَّليل على خلافها، كما فعل في مسألة رؤية النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم لربِّه ليلة المعراج؛ فتظهر مادَّة الكتاب شرحًا تعليميًّا موسَّعًا لعقيدة السَّلف يجمع بين تفسير المتن وتقرير الدَّليل وردِّ المخالف وتحرير مواضع الخلاف.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














