
نبذة عن الكتاب:
يرسم محمَّد إبراهيم الفيومي في «تاريخ الفكر الدِّيني الجاهلي» صورةً للحياة الدِّينيَّة والفكريَّة في الجزيرة العربيَّة قبل الإسلام ضمن محيطها الشَّرقيِّ الأوسع، فيبحث صلات العرب بالحضارات والأديان المجاورة، والطُّرق التي انتقلت عبرها المعتقدات والأفكار إلى الجزيرة. وتشمل مباحثه اليهوديَّة والمسيحيَّة والصَّابئة والمجوسيَّة والوثنيَّة ومدى انتشارها بين العرب، ثمَّ يناقش في ضوء هذا الواقع التَّاريخيِّ دعوى تعلُّم النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم من أصحاب الدِّيانات السَّابقة ومصدر ما جاء به من القرآن.
يمهِّد الفيومي لهذا البحث بدراسة الشَّرق القديم بوصفه مجالًا حضاريًّا ودينيًّا مترابطًا، ويتتبَّع تطوُّر مفهوم الشَّرق وحدوده، وأهمِّيَّة الاكتشافات الأثريَّة والنُّقوش والكتابات القديمة في إعادة معرفة تاريخه. ويستعين بحفائر البحرين وتركستان وآسيا الوسطى وشبه الجزيرة العربيَّة ومصر وتل مرديخ وغيرها لإظهار الصِّلات بين مراكز الحضارة القديمة، كما يعرض تاريخ الكتابة في بلاد ما بين النَّهرين وبعض المكتشفات المتعلِّقة بالأديان القديمة. ويستخلص من هذه الشَّواهد أنَّ المنطقة لم تكن جزرًا حضاريَّةً منفصلة، وأنَّ التَّفاعل بين شعوبها شمل العقائد والرُّموز الدِّينيَّة إلى جانب التِّجارة واللُّغات والفنون.
ويخصِّص الباب الثَّاني للعرب في طورهم التَّاريخيِّ والسِّياسيِّ، فيبحث مدلول لفظ «العرب» ومفهوم الجاهليَّة، وتقسيم الإخباريِّين للعرب، ثمَّ يتناول العرب البائدة والعمالقة، وإبراهيم عليه السَّلام، والإسماعيليِّين وعرب الشَّمال، وقحطان وعرب الجنوب. ويعرض الأدوار السِّياسيَّة في اليمن، ثمَّ يتتبَّع الممالك العربيَّة قبل الإسلام، ومنها الأنباط وتدمر والغساسنة والمناذرة وكندة، مع بيان ما اتَّصل بتاريخ بعضها من النَّصرانيَّة وغيرها من المعتقدات، حتى تتَّضح البيئة السِّياسيَّة والحضاريَّة التي تحرَّكت فيها الأفكار الدِّينيَّة.
ويبحث بعد ذلك روافد الفكر الدِّينيِّ التي وصلت إلى العرب عن طريق الاحتكاك بالشُّعوب المجاورة، فينطلق من الرِّحلات التِّجاريَّة والدِّبلوماسيَّة وصلات مكَّة بالبتراء وتدمر والغساسنة والمناذرة، ويقرِّر أنَّ العرب قبل الإسلام لم يكونوا في عزلة فكريَّة أو اجتماعيَّة أو اقتصاديَّة. ويتناول المراكز الفكريَّة المحيطة بالجزيرة، مثل أنطاكية ونصيبين والرُّها والمدائن وجنديسابور، ويتطرَّق إلى الأفلاطونيَّة المحدثة وفيلون الإسكندريِّ والمانويَّة؛ ليبيِّن تعدُّد البيئات التي كانت تحيط بالعرب وتصل إليهم من خلالها الأخبار والأفكار والمعتقدات.
وتأخذ اليهوديَّة حيِّزًا مستقلًّا من هذا البحث؛ إذ يتناول الفيومي خلفيَّتها الهلنستيَّة، وعوامل هجرة اليهود إلى الجزيرة العربيَّة، ومناطق وجودهم وصلاتهم بالعرب، ثمَّ يصل بذلك إلى المناقشات التي وقعت زمن بعثة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حول مصدر القرآن. وعلى النَّحو نفسه يعرض المسيحيَّة في بلاد العرب من خلال تاريخها الفكريِّ واللَّاهوتيِّ، ومدرسة الإسكندريَّة وآباء الكنيسة والكنيسة السُّريانيَّة والرَّهبنة، ثمَّ يبحث طرق دخول المسيحيَّة إلى الجزيرة ومكَّة، وصلتها بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ورواية بحيرا، والتنظيم الدِّينيِّ المسيحيِّ وألفاظه ومؤسَّساته، وما يراه من آثار للنَّصرانيَّة في الجاهليِّين.
أما الصَّابئة فيتتبَّع الفيومي تاريخهم وجغرافيَّتهم الفكريَّة وانتقال أفكارهم إلى الجزيرة العربيَّة، ويبحث صلة العرب بعبادة الكواكب، ومعنى اسم الصَّابئة واستعماله، والأقسام المختلفة التي نُسبت إليهم، ومنها صابئة الحنفاء وصابئة الهند والفلاسفة وأهل الكتاب والبطائح. كما يناقش ما نُسب إليهم من أفكار الوساطة والهياكل والرُّؤساء، ويقارن بعض ما أورده الشَّهرستانيُّ والمسعوديُّ عنهم، ويبحث القضايا التي ورد ذكر الصَّابئة في سياقها القرآنيِّ وصلتهم بإبراهيم عليه السَّلام.
ويعالج المجوسيَّة من تاريخها السَّابق لزرادشت، ثمَّ يتناول زرادشت وكتاب «الأفستا» ومضمون العقيدة وقضيَّة الخير والشَّرِّ، قبل أن ينتقل إلى وجود المجوسيَّة بين العرب وعلاقة الإسلام بأهلها. وفي السِّياق نفسه يتناول ما سمَّاه الزَّندقة عند عرب الجاهليَّة، ثمَّ ينتقل إلى العرب الذين سخطوا على عبادة الأصنام أو شكُّوا فيها وطلبوا دينًا آخر، فيعرض أخبار زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وأميَّة بن أبي الصَّلت، وورقة بن نوفل، وغيرهم ممَّن نسبت إليهم المصادر رفض الوثنيَّة أو طلب الحنيفيَّة أو اعتناق النَّصرانيَّة.
ويجعل الفيومي مكَّة محورًا مستقلًّا في دراسة التَّاريخ الدِّينيِّ للعرب، فيبحث موقعها في الحجاز وصلاتها التِّجاريَّة ودخولها في مجال الصِّراعات السِّياسيَّة المحيطة بالجزيرة، ثمَّ يتناول بناء البيت ودعوة إبراهيم عليه السَّلام إلى التَّوحيد وصلته بالجزيرة العربيَّة. ومن هذا الأصل ينتقل إلى تحوُّل العرب نحو الوثنيَّة، فيبحث نشأتها وانتشار أصنامها ومواطن عبادتها وما ارتبط بكلِّ قبيلة أو موضع منها.
ويفصِّل مظاهر عبادة الأصنام بذكر اللَّات والعزَّى ومناة وهبل وودٍّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر وإساف ونائلة وذي الخلصة وذي الشَّرى وغيرها، مع بيان سدنة بعض هذه الأصنام ومواضعها ودرجة تعظيم القبائل لها. كما يتناول ولاية الكعبة والزَّعامة الدِّينيَّة لقريش، وما سمَّاه «التَّحمُّس القرشيَّ»، وما ترتَّب عليه من أحكام وممارسات، ثمَّ يعرض موقف القرآن من تلك المظاهر. ويظهر في بحث هبل مثلًا اتِّصاله بالاستقسام بالقداح في مسائل النَّسب والزَّواج والسَّفر وغيرها، بينما ارتبطت العزَّى عند قريش بالزِّيارة والهدايا والنُّذور.
ويحلِّل في الباب الأخير عددًا من القضايا التي تكوِّن التَّصوُّر الدِّينيَّ الجاهليَّ نفسه، فيبحث نشأة الوثنيَّة من خلال اعتقاد الشَّبه والأسباب الظَّاهرة وتعظيم المجهول والاعتقاد في الأرواح والمقدَّسات والحلول، ثمَّ يتناول تصوُّر الإله والشِّرك ومظاهره عند العرب. ويستشهد بما ورد في الشِّعر الجاهليِّ عن الله عزَّ وجلَّ، ويميِّز بين الدَّهريِّين والموحِّدين، ويبحث الإيمان بالبعث وموقف بعض العرب من الرِّسالة، ثمَّ يناقش قضايا الغيب والقضاء والقدر وما نُسب إلى القدريَّة.
وتدخل الممارسات التَّعبُّديَّة ضمن رسم هذه الحياة الدِّينيَّة؛ فيتناول الفيومي القرابين والحيوانات التي أضفى عليها الجاهليُّون أحكامًا دينيَّةً، ومنها البحيرة والسَّائبة والوصيلة والحام، ثمَّ يبحث السَّدنة والصَّوم والتَّحنُّث وبيوت العبادة والمذابح والكعبة وكسوتها. ويخصِّص للحجِّ والعمرة بحثًا في أصلهما ومواسمهما وما أدخله الجاهليُّون عليهما، ويذكر الحجَّ إلى مكَّة وإلى بيوت دينيَّة أخرى، وما اقترن بذلك من الذَّبائح، ثمَّ يتناول التَّلبية واختلاف صيغها بين القبائل وبعض العادات المتَّصلة بالإحرام والهدي والإفاضة والعمرة.
ويستكمل صورة المعتقد الجاهليِّ ببحث تصوُّرات العرب عن النَّفس والرُّوح والدَّهر والرَّجعة، وتسخير عالم الأرواح، والشَّيطان والملائكة والهواتف والجان والهامة والغول. ثمَّ يتتبَّع وسائل استكشاف المجهول والتَّنبُّؤ بالأحداث عندهم، فيبحث التَّطيُّر والفأل والكهانة وأصناف الكهَّان والسِّحر والعرافة والقيافة والفراسة والعيافة والاستقسام بالأزلام، وهي موضوعات يربط بها بين الاعتقاد في القوى الخفيَّة وبين الممارسات التي استعان بها الجاهليُّون في قراراتهم وتفسير ما يقع لهم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














