مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب إيثار الإنصاف في آثار الخلاف لسبط ابن الجوزي يوسف بن قزغلي PDF
كتاب إيثار الإنصاف في آثار الخلاف لسبط ابن الجوزي يوسف بن قزغلي PDF

نبذة عن الكتاب:

يَفحص يوسف بن قزغلي سبط ابن الجوزي في كتاب «إيثار الإنصاف في آثار الخلاف» الأحاديثَ والآثار التي بُنيت عليها جملة من أشهر مسائل الخلاف الفقهي، فيعرض مذهب الحنفية ومذهب المخالف، ثم يختبر الأخبار المحتج بها من الجانبين من جهة الرواية والدلالة، ويكشف علل الضعيف منها، ويجيب عن الاعتراضات، ويرجح عند الحاجة بمراتب الأدلة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم وقواعد النظر الفقهي. وقد حمله على التصنيف ما رآه في كتب الخلاف والمناظرات من احتجاج بعض الفقهاء بحديث لا يعرفون راويه ولا درجته، ورد حديث صحيح لمجرد الجهل به، أو إظهار علة الحديث إذا خالف المذهب والسكوت عنها إذا وافقه؛ فصرح بأنه سيبين العلة حيث وُجدت سواء أكان الحديث حجةً لمذهبه أم حجةً عليه، وعدَّ العصبية في هذا الباب محرمة. ومن هنا جاء اسم الكتاب معبرًا عن منهجه: تقديم الإنصاف في نقد الآثار على مجرد الانتصار للمذهب.

ويقتصر الكتاب على الأحاديث المتعلقة بالمسائل المشهورة، مع إحالة من أراد بسط المسائل والأدلة إلى مصنفاته الخلافية الأخرى. كما يَعزو الأحاديث إلى أئمة النقل برموز مختصرة؛ فيشير إلى أحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والدارقطني، ويستعمل عند فقد المنقول في بعض الأبواب عمومات القرآن الكريم، أما عند طلب الترجيح فيجعل إجماع الصحابة رضي الله عنهم من وجوه الترجيح التي يرجع إليها.

ويَسير في المسألة الواحدة على بناء واضح: يذكر الحكم في المذهب الحنفي، ثم أقوال مالك والشافعي وأحمد وغيرهم بحسب موضع الخلاف، ويستحضر أحيانًا أقوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، ثم يسوق أدلة مذهبه من الحديث أو القرآن الكريم أو الآثار، ويورد ما يحتج به المخالف، وبعد ذلك تبدأ المناقشة الحديثية والأصولية. وقد تبلغ هذه المناقشة نقد رجال الإسناد، أو بيان الإرسال والانقطاع والاضطراب والغرابة، أو المفاضلة بين الصحيح والأضعف، ثم تتبع ذلك مناقشة دلالة النص بالعموم والخصوص والتقييد والتأويل والجمع والترجيح. ويتجلى هذا البناء منذ أول مسألة في الخارج النجس من غير السبيلين؛ إذ يجمع أخبار الفريقين، ويذكر وجوه الطعن الواردة على أحاديث مذهبه، ثم يناقشها واحدًا واحدًا، وبعدها ينتقل إلى أدلة المخالفين ويرد عليها.

ولا يتعامل سبط ابن الجوزي مع صحة الحديث بوصفها أمرًا منفصلًا عن طريقة الفقهاء في الاستدلال؛ فالمراسيل مثلًا حجة عند الحنفية، ولذلك قد يجيب عن الطعن بالإرسال بأن أصل المذهب يقبل المرسل. وفي المقابل قد يرد حديثًا يوافق مذهبه إذا لم يعرف لفظه الذي استدل به أصحابه؛ ففي مسألة تتعلق بصوم رمضان يقول عن لفظ احتج به أصحابه: «وهذا اللفظ لا يعرف»، ثم يذكر الرواية المشهورة بدلًا منه. وهذا التطبيق يوافق ما أعلنه في المقدمة من أن نقد الخبر لا يتغير بتغير الجهة التي تنتفع به.

ويُظهر الكتاب كذلك الفارق بين منهج الفقيه ومنهج المحدث في بعض الأخبار. ففي مسألة زكاة الحلي، بعد أن يسرد أحاديث عامة وخاصة ويعرض ما قيل في رجال أسانيدها من الجرح، يقرر أن طريقة الفقهاء في قبول الأخبار قد تختلف عن طريقة المحدثين، وأن المراسيل حجة عند أصحابه، ثم يعضد ذلك بما ينقله من عمل الصحابة رضي الله عنهم. فالنقد عنده لا يقف عند الحكم المجرد على السند، وإنما ينظر في مجموع طرق الاستدلال التي يعتمد عليها المذهب.

ويَستعمل مراتب الأخبار نفسها في الترجيح؛ فالحديث الوارد في الصحيحين عنده أقوى من خبر مضطرب أو غريب، والخبر المشهور مقدم على الغريب في مواضع، كما يرد زيادات لم تشتهر في رواية الحديث إذا خالفت الروايات المحفوظة عند أصحاب الكتب المعتمدة. وفي مناقشة حديث عروة في الشراء مثلًا يرد زيادة التصدق بالدينار لأن البخاري وأبا داود والترمذي رووا الحديث من غيرها، ويربط قبول الزيادة بمدى التحاقها بالأصل واشتهارها.

ويتكرر في المسائل استعمال قواعد الدلالة الأصولية؛ فيقدم الخاص على العام، ويستعمل العموم إذا لم يثبت المخصص، ويرفض تقييد المطلق بغير دليل، ويفرق بين المنطوق والمفهوم، وبين النص وحكاية الحال التي لا عموم لها، وبين الإثبات والنفي عند التعارض. ففي مسألة نقض الوضوء بالخارج النجس يرجح الخبر المثبت على النافي بعد الاحتجاج بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، وفي مسائل أخرى يرد الاستدلال بواقعة معينة لأنها حكاية حال تحتمل وجوهًا متعددة فلا تنهض لإثبات حكم عام.

وتتصل بهذه الطريقة عنايته بإجماع الصحابة رضي الله عنهم وآثارهم؛ فهو يذكرهم في كثير من صدر المسائل لبيان من وافق الحكم، ثم يجعل اتفاقهم أحيانًا شاهدًا على ثبوت أصل الاستدلال أو وجهًا للترجيح بين الأخبار. ففي مسألة الخارج النجس يرى أن موافقة الصحابة رضي الله عنهم للمذهب تقوي جانب الأخبار المثبتة، وفي زكاة الحلي يحتج بما يراه إجماعًا منهم على الوجوب، وفي مسائل أخرى ينقل قضاء عمر أو عثمان أو علي رضي الله عنهم ويستدل بعدم ظهور المخالف.

ويَمتد هذا المسلك إلى أبواب العبادات ابتداءً بالطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج. ففي الطهارة يناقش نقض الوضوء بالخارج من غير السبيلين، واشتراط النية والترتيب، وإزالة النجاسة بغير الماء، وطهارة جلود الميتة بالدباغ. وفي الصلاة يعرض الترخص للعاصي بسفره وحكم تارك الصلاة، ثم ينتقل إلى مسائل الزكاة في الحلي ومال الضمار والدين والمستفاد ودفع القيم وزكاة مال الصبي والمجنون. وبعدها يبحث مسائل الصيام، ثم الحج وما يتعلق بفورية وجوبه وسائر الخلافات المختارة التي يثبت لها أثر حديثي.

وفي هذه الأبواب يظهر أثر الجمع بين نقد الخبر وبين تفسير دلالته. ففي اشتراط النية للوضوء يورد حديث «إنما الأعمال بالنيات»، ثم يناقش عمومه وسبب وروده ويحمله على ما يوافق جمع الأدلة، وفي ترتيب أعضاء الوضوء يتعامل مع دلالة «ثم» وفعل النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يستعمل في إزالة النجاسة إطلاق لفظ الغسل لمناقشة اشتراط الماء. وهكذا لا يُحسم الخلاف بمجرد وجود الحديث، بل بالنظر في ثبوته، وصيغته، وسياقه، وما يعارضه من نصوص.

ثم يَتسع الكتاب في أحكام الأسرة؛ فيعقد مسائل للنِّكاح، ثم الطلاق، والعتاق، والأيمان، ويناقش الولاية والكفاءة والطلاق والظهار والإرث المتصل بالطلاق في مرض الموت وغيرها. ويظل بناء المسألة قائمًا على بيان ثمرة الخلاف، ثم أدلة الأطراف. ومن أمثلة ذلك مسائل الطلاق التي ينقل فيها آثار الصحابة رضي الله عنهم، ويوازن بينها وبين الآيات والأحاديث، ويفرق في بعض المواضع بين الحكم المبني على الظاهر وبين خبر الشخص عن حقيقة قصده.

ويَعرض في الحدود والسرقة مسائل يتداخل فيها النص الحديثي مع قواعد العموم والدرء والضمان. ففي شروط الإحصان يبيّن أثر اشتراط الإسلام في حكم الزاني الذمي، ويقابل عموم آية الجلد بأحاديث رجم اليهود، ثم في السرقة يناقش اجتماع القطع والضمان، ويعرض الحديث الذي ينفي الغرم بعد القطع وما قيل في علله، ويبحث كذلك تكرر السرقة للعين الواحدة.

ويمتد البحث إلى السِّيَر وما يتصل بالغنائم، ثم إلى مسائل وصفها بعناوين مثل «الاستحسان» و«التحري»، ويعرض فيها فروعًا تطبيقية متنوعة. ففي التحري يبحث من اشتبهت عليه القبلة فصلّى باجتهاده ثم ظهر خطؤه، ويستدل بوقائع الصحابة رضي الله عنهم وتحول أهل قباء إلى القبلة من غير استئناف ما سبق من صلاتهم، مستعملًا ذلك في بيان أثر الاجتهاد عند تعذر العلم.

وتشغل المعاملات مساحة كبيرة من الكتاب؛ فيتناول الغصب والوديعة والعارية والصيد والذبائح والهبة والبيوع والسلم والصرف والشفعة والإجارات. ويُظهر في هذه الأبواب كيف يترتب على الخلاف في أصل واحد عدد من الفروع؛ ففي البيوع مثلًا يبحث أثر القبض في البيع الفاسد، وفي الصرف تعيّن الدراهم والدنانير، وفي الشفعة أسباب استحقاقها، وفي الإجارة زمن ملك الأجرة. وقد يصرح بأن الكلام في المسألة «راجع إلى حرف» أو أصل معين، ثم يبني عليه صورًا متعددة، وهو ما يجعل الكتاب كاشفًا للعلاقة بين الخلاف الجزئي والقاعدة الفقهية التي تفرعت عنه.

وفي القضاء والإثبات يَبحث الشهادات والدعوى والإقرار والوكالة والكفالة والحوالة، ويصل الخلاف بين المذاهب بآثاره العملية في الحكم القضائي. ففي شهادة الفاسق يبين ثمرة الخلاف في انعقاد النكاح، وفي الشهادة بالزنى، وفي نفاذ قضاء القاضي، وفي النكول يذكر اختلافهم في كونه حجة يحكم بها أو سببًا لرد اليمين على المدعي. ثم يناقش الإقرار في مرض الموت، والتوكيل بالخصومة، والكفالة بالنفس، والحوالة عند إفلاس المحال عليه.

ويَتابع في الرهن والصلح والأشربة والإكراه والحجر والمأذون والقصاص، حتى تشمل المادة طائفة واسعة من أبواب الفقه التي اشتهر فيها الخلاف. وفي الصلح يناقش صحة الصلح مع إنكار المدعى عليه، وفي الأشربة حكم تخليل الخمر، وفي الإكراه أثره في الطلاق وغيره من التصرفات، وفي الحجر حكم تصرف السفيه البالغ، وفي المأذون مدى سلطة العبد المأذون له في التجارة، ثم يصل إلى القصاص وما إذا كان موجب القتل العمد هو القصاص عينًا أو يثبت معه حق العدول إلى الدية بغير رضا القاتل.

ويَكشف «إيثار الإنصاف» بذلك عن صورة عملية للخلاف الفقهي كما يُمارس عند التقاء الفقه بالحديث وأصول الاستدلال؛ فالحديث قد يكون صحيحًا لكن دلالته غير مسلمة، وقد يكون ظاهر الدلالة لكن طريقه ضعيفًا، وقد تتقوى جهة بموافقة الصحابة رضي الله عنهم أو بعموم من القرآن الكريم أو بكون الخبر مثبتًا في مقابلة نافٍ، وقد يسقط الاستدلال بسبب الإرسال أو الاضطراب أو جهالة الراوي أو احتمال الواقعة أكثر من وجه. والمبدأ الذي يحكم هذا كله هو الذي صرح به المؤلف منذ البداية: العلة تُبيَّن حيث وُجدت، سواء خدمت المذهب أم أضعفته، لأن سلامة الاستدلال مقدمة على العصبية للمذهب.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

سبط ابن الجوزي يوسف بن قزغلي
يوسف بن قزغلي بن عبد الله التركي العوني الهبيري البغدادي، أبو المظفر شمس الدين، المعروف بسبط ابن الجوزيك عالم متفنن وفقيه ومؤرخ وواعظ بليغ، اشتهر بوعظ أهل الشام، وهو سبط الإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي. وُلِدَ ببغداد، واختلف في سنة مولده؛ فقيل سنة 581هـ، وقيل سنة 583هـ، وذُكِرَ أيضًا أنه وُلِدَ في نيف وثمانين وخمسمائة. نشأ ببغداد في كنف جده ابن الجوزي، الذي تولى تربيته وتعليمه، وسمع منه، كما سمع من عبد المنعم بن كليب، وعبد الله بن أبي المجد الحربي، وارتحل في طلب العلم، فسمع بالموصل من أحمد وعبد المحسن ابني الخطيب الطوسي، وبدمشق من أبي حفص ابن طبرزد، وأبي اليمن الكندي، وغيرهم. كان في أول أمره على المذهب الحنبلي، ثم تفقه على جمال الدين محمود الحصيري، وانتقل إلى المذهب الحنفي، وصار من فقهائه. واستوطن دمشق في شبابه، وأفتى بها ودَرَّسَ، كما حَدَّثَ بدمشق ومصر، وحظي بقبول واسع بين الناس. برز في الوعظ حتى انْتَهَتْ إليه رئاسة الوعظ وحسن التذكير ومعرفة التاريخ، وكان حلو الإيراد، لطيف الشمائل، حسن الهيئة، قوي الحضور، واسع المحفوظ، بارعًا في البحث والمناظرة، مفرط الذكاء. وكان لمجالسه أثر كبير في العامة والخاصة، وحضرها العلماء والأمراء والملوك والوزراء، وذُكِرَ أن الناس كانوا يتسابقون إلى مجالس وعظه، وأن جماعة كانوا يتوبون فيها، وربما أسلم فيها بعض أهل الذمة. أقبل عليه أولاد الملك العادل وأحبوه، كما كانت له صلة بالملك المعظم عيسى، وذُكِرَ أن انتقاله من المذهب الحنبلي إلى الحنفي كان متصلًا بكثرة اجتماعه به وشدة عناية الملك بالمذهب الحنفي. روى عنه جماعة، منهم الدمياطي، وعبد الحافظ الشروطي، وعبد الرحمن بن عبيد، ونجم الدين الشقراوي، وأبو بكر بن الشايب، وأبو عبد الله بن الزراد، وعماد الدين ابن البالسي، وغيرهم. وتفقه عليه أيضًا ابنه عبد العزيز، الذي دَرَّسَ بعده. كان واسع التصنيف في التاريخ والتفسير والحديث والفقه والسيرة، ومن أشهر كتبه «مرآة الزمان في تاريخ الأعيان»، وهو من أكبر مصنفاته التاريخية، و«تذكرة خواص الأمة بذكر خصائص الأئمة»، و«الجليس الصالح»، و«كنز الملوك في كيفية السلوك»، و«مقتضى السياسة في شرح نكت الحماسة»، و«منتهى السول في سيرة الرسول»، و«الانتصار والترجيح»، و«اللوامع في أحاديث المختصر والجامع»، و«شرح الجامع الكبير»، و«مناقب أبي حنيفة»، و«إيثار الإنصاف في آثار الخلاف»، وهو في الفقه على المذاهب الأربعة، وله تفسير كبير للقرآن قيل إنه بلغ 29 مجلدًا. ونُقِلَ عن الذهبي أنه رأى له مصنفًا يدل على تشيعه، كما ذكر أن العامة كانوا يبالغون في الغلو في مجلسه. ويظهر هذا أيضًا من تصنيفه «تذكرة خواص الأمة بذكر خصائص الأئمة» في الأئمة الاثني عشر. تُوُفِّيَ في منزله بسفح قاسيون بدمشق في ذي الحجة سنة 654هـ، وقيل تحديدًا ليلة الثلاثاء 21 ذي الحجة، وشُيِّعَ في جنازته السلطان والقضاة.
عرض النبذة وكتب المؤلف