
نبذة عن الكتاب:
يتتبَّع أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي في كتاب «إمتاع الأسماع بما للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع» سيرة النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ويستقصي ما يتَّصل بشخصه وحياته وأهل بيته وخصائصه وشمائله ومعجزاته وعباداته وأحكامه وأمواله ومتاعه ومن تولَّى خدمته وبعض شؤونه. ولا يقتصر الكتاب على سرد وقائع السِّيرة، بل يجمع الرِّوايات من كتب الحديث والسِّير والتَّاريخ والدَّلائل والأنساب واللُّغة والفقه، ويورد اختلاف النَّقل في عدد من الوقائع والمسائل، ويناقش الأسانيد والألفاظ والأقوال، ويستطرد إلى الأحكام الفقهيَّة المرتبطة بما يرويه.
ويعرض المقريزي أحداث السِّيرة منذ ما قبل البعثة، فيذكر نسب النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومولده ونشأته وما سبق النُّبوَّة من إرهاصات، ثمَّ يتوسَّع في أمارات نبوَّته ومبتدأ الوحي. ويورد حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي بالرُّؤيا الصَّادقة، وتحبُّب الخلاء إليه، وتعبُّده في غار حراء، ومجيء جبريل عليه السَّلام إليه بأوَّل ما نزل من القرآن، ويضمُّ إلى ذلك ما رُوي من تسليم الحجر والشَّجر عليه قبل البعثة، وما نُقل من الأخبار المتعلِّقة بالتَّبشير بظهوره وصفته ومهاجره.
وتتَّسع مادَّة السِّيرة لأحداث الدَّعوة المكِّيَّة والهجرة إلى المدينة وما أعقبها من الغزوات والسَّرايا والبعوث، فيسوق المقريزي أخبار بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر وفتح مكَّة وحنين والطَّائف وتبوك وغيرها، ويتابع ما وقع خلالها من أحداث وما ارتبط بها من أشخاص وأحكام. ويورد في أثناء ذلك تفاصيل لا تتعلَّق بالمواجهة العسكريَّة وحدها، بل تشمل المعاهدات والمراسلات والأمان والغنائم والأسرى وما نزل من القرآن في الوقائع، ويستمرُّ في ترتيب أحداث السِّيرة حتى حَجَّة الوداع ومرض النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ووفاته وما اتَّصل بتجهيزه ودفنه وما خلَّفه. ويظهر امتداد هذا السَّرد بين أجزاء الكتاب في افتتاح الجزء الثَّاني بتتمَّة أخبار فتح مكَّة.
ويعتني المقريزي بالتَّفاصيل الجزئيَّة داخل الحوادث، فيجمع طرق الخبر وألفاظه، ويقابل ما تذكره المصادر المختلفة، وقد يعقِّب على الرَّاوي أو الإسناد أو اختلاف النُّسخ. كما يربط بعض الوقائع بما يترتَّب عليها من مسائل فقهيَّة، فلا تبقى الغزوة أو الحادثة مجرَّد خبر تاريخيٍّ؛ إذ يناقش في سياق فتح مكَّة مثلًا تحريم الخمر وبيعها، وشحوم الميتة، ومتعة النِّساء، والعفو عن بعض أهل مكَّة، ويستند في مواضع كثيرة إلى كتب الحديث مع تعيين طرق الرِّوايات واختلاف ألفاظها.
ويفرد جانبًا واسعًا لأمارات النُّبوَّة والمعجزات، ثمَّ ينتقل من ذكرها مجملةً إلى تفصيل أنواعها وأخبارها. ويستهلُّ الجزء الخامس بفصل جامع في معجزات رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على سبيل التَّفصيل، ومن أوائل ما يبحثه إبطال الكهانة بمبعثه، ثمَّ تتتابع أبواب الدَّلائل والمعجزات في أجزاء لاحقة، فتدخل فيها الأخبار المتعلِّقة بالجمادات والحيوان، واستجابة الدُّعاء، والإخبار بالمغيَّبات والحوادث المستقبلة، وما وقع لبعض الأشخاص بين يديه من أمور جعلها المصنِّف من أعلام نبوَّته.
ويستمرُّ هذا الباب في تتبُّع ما نُقل من إخباره صلَّى الله عليه وسلَّم بأمور وقعت بعد ذلك، أو معرفته بأمور لم يشهدها بحسب الرِّوايات التي يسوقها. ومن ذلك ما يورده في الأجزاء المتأخِّرة من أخبار الفتن والحوادث، وما ينقله عن إخباره أبا سفيان بن حرب رضي الله عنه بما حدَّث به نفسه يوم فتح مكَّة، وإخباره بقدوم عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه مؤمنًا قبل وصوله. ويعقِّب المقريزي أحيانًا على هذه الأخبار بالحكم على وجه دلالتها، أو بمقارنتها بما وقع في الأزمنة اللاحقة.
ويبحث الكتاب المفاضلة بين النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وغيره من الأنبياء عليهم السَّلام، وما يتَّصل بفضائله وخصائصه ومكانته، مع إيراد النُّصوص والأقوال ومناقشة وجوه الاستدلال. وتتفرَّع من الخصائص مسائل عقديَّة وفقهيَّة كثيرة تتَّصل بحقوقه وحرمته وما يجب له، وأحكام الصَّلاة والسَّلام عليه، وما اختصَّ به في الدُّنيا والآخرة، وأحكام أزواجه وذريَّته وآله، وما يثبت لهم من أحكام. ويطيل المقريزي في بعض هذه المسائل بنقل أقوال الفقهاء واختلاف المذاهب ومناقشة أدلَّتها، فلا تقتصر أبواب الخصائص على تعداد الفضائل.
وتشغل الشَّمائل النَّبويَّة مساحة كبيرة من الكتاب؛ إذ يصف المقريزي هيئة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصفاته وأحواله وعاداته، ويجمع ما ورد في لباسه ونعله وخفِّه وخاتمه وفراشه وأدواته وما استعمله في حياته اليوميَّة. ويورد الرِّوايات المتعلِّقة بكلِّ شيء، ثمَّ قد يتناول درجتها أو أقوال المحدِّثين فيها؛ ففي حديث الخرقة التي يتنشَّف بها بعد الوضوء مثلًا يذكر طرقه، ويعرِّف بأحد رواته، وينقل تضعيف الأئمَّة له، ثمَّ يذكر الخلاف في التَّنشُّف بعد الوضوء.
وتدخل أحواله الصِّحِّيَّة وطِبُّه صلَّى الله عليه وسلَّم ضمن هذه العناية بتفاصيل حياته، فيورد المقريزي ما نُقل من التَّداوي والأطعمة والأشربة والأدوية والأمراض وعلاجها. ويبحث في أثناء ذلك الأحكام المتَّصلة بالتَّداوي، ومن ذلك تحريم التَّداوي بالخمر، فيجمع الأحاديث الواردة في أنَّها داء وليست دواءً، وينقل ما قاله الفقهاء والمحدِّثون في دلالتها.
ويخصِّص المقريزي فصولًا لعبادات النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيتتبَّع صلاته وصيامه وحجَّه وعمره وأذكاره وأدعيته وما نُقل من هيئات عبادته. ويجمع في باب العمر مثلًا عدد عمره بعد الهجرة وأوقاتها وأحوالها، ويشرح بعض الألفاظ المتعلِّقة بالعمرة من جهة اللُّغة والشَّرع، كما يفصِّل في حجَّة الوداع مسيره ومناسكه وخطبه وما وقع في طريقه وما رُوي عنه في المشاعر.
وتتَّجه فصول أخرى إلى بيته وأسرته وقرابته، فيذكر أزواجه صلَّى الله عليه وسلَّم، وأولاده وذريَّته، وأعمامه وعمَّاته، وأصهاره، وسائر من يتَّصل به من القرابة. ويفتتح الجزء السَّادس بفصل في ذريَّته، يبدأه بتحرير معنى «الذُّرِّيَّة» واشتقاقها قبل تفصيل الأنساب، ثمَّ تمتدُّ مباحث القرابة إلى أصهاره وأزواج عمَّاته وغيرهم، مع ذكر الأسماء والأنساب والأولاد وما يتَّصل بأصحاب التَّراجم من أخبار.
ويستقصي المقريزي كذلك من خدم النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومن قام بوظائف معيَّنة في عهده، فيذكر الخدم والموالي والكتَّاب والمؤذِّنين والرُّسل وأصحاب بعض المهام. ومن ذلك حديثه عن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما، الذي وصفه أنس بن مالك رضي الله عنه بأنَّه كان من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بمنزلة صاحب الشُّرطة من الأمير، فيجمع طرق الخبر، ويشرح معنى هذا الوصف، ثمَّ يترجم لقيس ويذكر خدمته ومكانته.
وتشمل العناية بمتاع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم آلات الحرب التي كانت له؛ فيفرد المقريزي فصلًا لسلاحه، ويقسِّمه إلى السُّيوف والدُّروع والقسيِّ والسِّهام والمغفر والألوية والرَّايات والعنزة وغيرها، ثمَّ يسمِّي أفراد كلِّ نوع ويذكر ما ورد في مصدره أو كيفية حصوله عليه. ويعدُّ تسعة سيوف، منها مأثور والعَضْب وذو الفقار والقلعي والبتَّار والحتف والرَّسوب والمخذم والقضيب، كما يتتبَّع ما أصابه من سلاح بني قينقاع وغيره.
ويدخل في المتاع أيضًا ما استعمله صلَّى الله عليه وسلَّم في منزله وطعامه وشرابه وسفره، وما كان له من الأواني والأثاث والدَّوابِّ وأدوات الاستعمال. ويعتني بأسماء الأشياء وصفاتها وما ورد بشأنها من أخبار، حتى يذكر الجفنة التي كان يُطعَم فيها النَّاس، وما عُرف من أسمائها، إلى جانب فصول اللِّباس والخفِّ والنَّعل ونحوها. وبهذا لا يعرض المتاع في قائمة مقتضبة، بل يجمع لكلِّ نوع ما تفرَّق في المصادر من روايات.
ويبحث المقريزي أموال النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصدقاته وما آل إليه من الأراضي والأموال، وما كان ينفق منه، ومن تولَّى بعض الشُّؤون الماليَّة في عهده. فيذكر مثلًا خبر مخيريق الذي جعل أمواله للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يضعها حيث شاء، وأنَّها صارت من صدقاته، كما يذكر من تولَّى صدقات الإبل والغنم والثِّمار والخُمس، ومنهم عبد الرَّحمن بن عوف وبلال رضي الله عنهما ومحمية بن جزء رضي الله عنه. وتتَّصل بذلك مباحث تركته وما ثبت في الحديث من أنَّ ما تركه صدقة، وما جرى في أمواله بعد وفاته.
ويعتمد المقريزي في هذه الأبواب على مادَّة واسعة من المصنَّفات السابقة، ولا يوردها على درجة واحدة من القبول؛ فقد ينصُّ على ضعف راوٍ أو حديث، وينقل أحكام أئمَّة الجرح والتَّعديل، ويوازن بين الرِّوايات، ويورد اختلاف الفقهاء والمحدِّثين في المسألة التي يثيرها الخبر. وتظهر هذه الطَّريقة في أبواب الشَّمائل والمعجزات والخصائص كما تظهر في السِّيرة، ولذلك تتداخل في الكتاب الرِّواية التَّاريخيَّة مع تخريج الحديث ونقد بعض طرقه، والبحث اللُّغويِّ، وتحرير الأنساب، ومناقشة الأحكام الفقهيَّة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














