
نبذة عن الكتاب:
يَتَتَبَّع عبد الكريم بن زيد عكيوي في هذا الكتاب المناهج التي اعتمدها علماء الإسلام، وبخاصَّة المُحَدِّثين، في فحص أخبار السيرة النَّبويَّة وتمييز صحيحها من ضعيفها، مبيِّنًا أنَّ عنايتهم بالسيرة ارتبطت بعنايتهم بالسُّنَّة؛ لأنَّ كثيرًا من وقائعها يتَّصل بالأحكام الفقهيَّة، ولأنَّ أحداث عصر النُّبوَّة تمثِّل الظروف المحيطة بنزول الوحي وورود الحديث، وتُعين على فهم الأحاديث وتنزيل تصرُّفات النَّبي صلى الله عليه وسلم في مواضعها. كما أسهمت معرفة أخبار المغازي وأحوال عصر النُّبوَّة في نقد بعض الأحاديث بعرضها على الوقائع الثَّابتة من السيرة.
ويُوَضِّح أنَّ السيرة كانت عند المُحَدِّثين جزءًا من السُّنَّة، فانتشرت أخبارها في دواوين الحديث، وخُصِّصت لها كتب وأبواب في المغازي، ثمَّ استقلَّت مع مرور الزمن بعلم خاصٍّ، وظهر مؤلِّفون من أهل المغازي والأخبار غلب على كثير منهم الجمع دون الفحص الدَّقيق للأسانيد والروايات. ومن هنا استمرَّ المُحَدِّثون في تتبُّع ما أُورِد في كتب السير، وتمييز الصَّحيح من الضَّعيف والواهي والموضوع، فلم يكن مجرَّد ورود الخبر في كتاب من كتب السيرة دليلًا على صحَّته.
ويجعل أوَّل خطوات هذا المنهج استقصاء مصادر الخبر وطرقه ورواته وألفاظه وصيغه؛ إذ لم يكن المُحَدِّثون يكتفون بإسناد واحد، بل يجمعون الطُّرق المختلفة ليُفَسِّر بعضها بعضًا، ويكشف اختلاف الرُّواة في الحفظ والضَّبط، ويستكمل أجزاء الواقعة التي قد يحفظ بعض الرُّواة منها ما لم يحفظه غيره. ويعرض لذلك مثال السَّند الجماعي عند الزُّهري في حديث الإفك، حيث جمع روايات عدد من الرُّواة عن عائشة رضي الله عنها، فتكامل الخبر من مجموعهم. ويربط هذا المسلك بمبحث المتابعات عند أهل الحديث، ثمَّ يبيِّن أنَّ استقصاء الخبر في مختلف المصادر ليس خاصًّا بالحديث والسيرة، بل هو أصل صالح للنَّقد التَّاريخي عامَّة؛ لأنَّ كلَّ مصدر قد يحمل جزءًا أو زيادةً لا توجد في غيره.
ويعرض بعد ذلك دور علم الرِّجال وقواعد الجرح والتَّعديل، فلا يقتصر النَّقد على معرفة عدالة الرَّاوي وضبطه، بل يشمل تاريخ مولده ووفاته، وبلده ورحلاته، وشيوخه ومَن لقيهم، وتاريخ السَّماع والتَّحديث، وما طرأ على حفظه من اختلاط أو تغيُّر، مع مقارنة روايته بروايات أقرانه. ومن خلال هذه المعارف أمكن التَّحقُّق من اتِّصال الأسانيد، واكتشاف الكذب والوهم والانقطاع، والتَّرجيح بين الأخبار المختلفة. ويورد نماذج لاكتشاف كذب بعض الرُّواة من خلال التَّواريخ، كادِّعاء الرَّاوي السَّماع ممَّن مات قبل التَّاريخ الذي زعم أنَّه لقيه فيه، ثمَّ يبيِّن أنَّ كتب الرِّجال أتاحت وزن أخبار السيرة بحسب مراتب ناقليها، ومن أمثلته تضعيف خبر في أولاد النَّبي صلى الله عليه وسلم لوجود راوٍ متروك في إسناده.
ويُخَصِّص أصلًا آخر لترتيب مصادر السيرة بحسب قوَّتها، فيجعل القرآن الكريم في المرتبة الأولى، ثمَّ كتب الحديث ومصادر السُّنَّة الصَّحيحة، ثمَّ كتب المغازي والسير، ثمَّ كتب التَّاريخ وسائر المظانِّ من كتب الأدب وغيرها، مع ضرورة إعطاء كلِّ مصدر قيمته وفق منهجه في التَّوثيق والنَّقل. ويعرض منهج البخاري في «كتاب المغازي» مثالًا لذلك؛ إذ يبدأ في كثير من الوقائع بالآيات القرآنيَّة، ثمَّ يورد ما صحَّ عنده من الأخبار، وقد ينقل بعد ذلك عن أئمَّة المغازي. ويُحَذِّر من مساواة المصادر بعضها ببعض، أو بناء السيرة على كتب المغازي والأدب مع إهمال القرآن والسُّنَّة الصَّحيحة.
ثمَّ ينتقل إلى النَّقد الدَّاخلي للخبر، فيُبَيِّن أنَّ صحَّة الإسناد وقوَّة المصدر لا تمنع احتمال الوهم والخطأ، ولهذا كان النُّقَّاد يفحصون متن الخبر نفسه، ويقسِّمونه إلى عناصره من أشخاص وأماكن وأزمنة ووقائع، ثمَّ يعرضون هذه العناصر على ما ثبت من الأخبار والأصول. ويجعل من أهمِّ قواعد ذلك استحضار ظروف الخبر ولوازمه وملابساته، والنَّظر إليه ضمن ما سبقه وما لحقه من أحداث، لا بوصفه واقعةً معزولة. ويُمَثِّل بنقد خبر يتعلَّق بأبي سفيان وأمِّ حبيبة ومعاوية رضي الله عنهم، وبنقد تاريخ قدوم ضمام بن ثعلبة، وباكتشاف تزوير وثيقة منسوبة إلى يهود خيبر بسبب اشتمالها على أسماء وأحكام لا تنسجم مع التَّسلسل الزَّمني الثَّابت، كما يعرض نقد ابن سيِّد النَّاس والذَّهبي لبعض تفاصيل خبر بحيرى الرَّاهب من خلال مقارنتها بما عُرف من أعمار أبي بكر رضي الله عنه وبلال رضي الله عنه وأحداث السيرة الأخرى.
ويضيف إلى ذلك استحضار ما يعارض الخبر من روايات ووقائع، سواء كانت المعارضة صريحةً أم مستفادةً من مضمون أخبار أخرى، وهو ما يتَّصل عند المُحَدِّثين بمباحث مختلف الحديث والنَّاسخ والمنسوخ. ويضرب مثالًا بحديث زواج النَّبي صلى الله عليه وسلم من ميمونة رضي الله عنها وهو مُحْرِم، إذ لم يكتف النُّقَّاد بصحَّة إسناده، بل جمعوا ما يعارضه من الرِّوايات، وقارنوا بينها ورجَّحوا ما رأوه أقوى.
ويبحث كذلك تحكيم قواعد العادة وسنن الكون والحياة، فيذكر أنَّ من علامات الخبر الموضوع مناقضته الصَّريحة للعقل السَّليم أو الحسِّ والمشاهدة أو ما استقرَّ من أحوال البشر، مع التَّنبيه إلى أنَّ هذا الأصل لا يُطبَّق على معجزات النَّبي صلى الله عليه وسلم الثَّابتة بنقل صحيح؛ لأنَّ خوارق العادات داخلة في دلائل النُّبوَّة. ويستدلُّ بنقد خبر بحيرى الرَّاهب، ومن ذلك استبعاد وقوع أحداث عظيمة الدَّلالة ثمَّ عدم اشتهارها مع توفُّر دواعي نقلها، ومناقشة بعض تفاصيل الظِّلِّ والغمامة الواردة فيه.
ويجعل آخر قواعد النَّقد الدَّاخلي استحضار كُلِّيَّات الشَّريعة وأصولها القطعيَّة، فكلُّ خبر يناقض أصلًا ثابتًا من أصول الدِّين يُرَدُّ، ومن ذلك الأخبار المناقضة لعصمة النَّبي صلى الله عليه وسلم. ويعرض تطبيق العلماء لهذا الأصل في ردِّ خبر الغرانيق، وما نُسِب فيه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم من مدح أصنام المشركين، مستشهدًا بمنهج ابن العربي في جعل القرآن والسُّنَّة الصَّحيحة أصلًا تُعرض عليه الأخبار.
ويخلص الكتاب إلى أنَّ تمييز صحيح السيرة النَّبويَّة من ضعيفها قام عند علماء المسلمين على منظومة متكاملة لا تقتصر على فحص الأسانيد؛ بل تجمع استقصاء طرق الخبر ومصادره، وترتيب هذه المصادر بحسب قوَّتها، ودراسة أحوال الرُّواة والمؤرِّخين، وفحص مضمون الخبر ولوازمه وملابساته، واستحضار ما يعارضه، وتحكيم قواعد العادة وسنن الكون والحياة، وعرضه على أصول الشَّريعة وقواعدها القطعيَّة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














