
نبذة عن الكتاب:
يُرَتِّب سعيد حوّى في قسم «السيرة النبوية» من كتاب «الأساس في السنة وفقهها» حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في إطار حديثي تربوي يجمع بين الروايات الصحيحة والحسنة، والتسلسل التاريخي للأحداث، وشرح ما يحتاج إلى بيان، واستخراج ما يتصل بها من فقه ودروس. ولا يعامل السيرة على أنها تاريخ شخصي مجرد، بل يجعل القرآن والسنة أصل معرفتها؛ لأن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وصفاته وتقريراته من سيرته، ولأن القرآن سجل جانبًا من أحداث حياته ووجّه إلى دلالاتها، ومن ثم تصبح السيرة عنده بابًا للاقتداء وفهم منهج الإسلام في أحوال الضعف والقوة والدعوة والدولة والجهاد والمجتمع.
ويبني هذا القسم على مقدمة وستة أبواب؛ فيجعل المراحل التاريخية الكبرى ثلاثة: ما قبل البعثة، ثم من البعثة إلى الاستقرار في المدينة، ثم من الاستقرار فيها إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. ويضم إليها ثلاثة مجالات تكمل صورة السيرة: صفاته وخصائصه وشمائله، ومعجزاته، و«دوائر الشرف» المحيطة به من أهل بيته وأزواجه وأصحابه رضي الله عنهم. أما المقدمة فيخصصها لتصحيح جملة من التصورات التي يرى أنها قصرت فهم السيرة أو فصلتها عن أصول التشريع ووظيفة القدوة.
ويعتمد في اختيار مادته أصلًا عامًا قرره للمشروع كله، وهو الاقتصار في المتن على الصحيح والحسن قدر استطاعته، مستفيدًا من سبعة عشر أصلًا حديثيًّا، منها الصحيحان والسنن وموطأ مالك ومسانيد أحمد وأبي يعلى والبزار وصحيحا ابن خزيمة وابن حبان ومعاجم الطبراني ومستدرك الحاكم. ويحذف الأسانيد المطولة مراعاة للقارئ غير المتخصص، ويعزو الحديث إلى مخرجه وصحابيه رضي الله عنه، ويتجنب إدخال الضعيف في صلب الكتاب، مع إمكان الاستفادة من بعض الروايات والتفصيلات المنقولة عن أئمة السيرة والمغازي إذا أعانت على تفسير حادثة لم تستوعب الروايات الصحيحة تفاصيلها.
ويعرض مرحلة ما قبل البعثة وما يتصل بنسب النبي صلى الله عليه وسلم ومولده ونشأته وأحوال مكة والبيت الحرام، ثم ينتقل إلى نزول الوحي وبداية الدعوة ومواقف قريش منها وما تعرض له المسلمون من أذى، والهجرة إلى الحبشة، وما جرى من محاولات حماية الدعوة ونشرها، ثم بيعات العقبة والهجرة إلى المدينة. ويصاحب عرض الأحداث بالنصوص الحديثية، ويستعين بتحقيقات المحدثين وأهل المغازي في ضبط الأزمنة والجمع بين الروايات المتفاوتة، فلا يجعل مجرد الشهرة في كتب السيرة كافية إذا خالفت ما اعتمده من أصول الرواية.
وتأخذ المرحلة المدنية الحيز الأكبر بما اشتملت عليه من تأسيس المجتمع المسلم وتنظيم علاقاته ومواجهة خصومه. فيتتبع بدرًا وأحدًا والخندق، وما جرى مع بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، ويضبط مواقع هذه الوقائع في ترتيبها الزمني، وينقل مناقشات أهل السيرة والحديث عند اختلافهم في تاريخ حادثة أو تفاصيلها. ثم يعرض الحديبية وبيعة الرضوان وخيبر وعمرة القضاء، وما ترتب على الصلح من آثار في الدعوة وانتشار الإسلام.
ويتقدم بعد ذلك إلى فتح مكة وحنين والطائف وتبوك وما تخلل هذه المرحلة من الوفود والرسائل واتساع سلطان الإسلام، مستحضرًا إلى جانب الوقائع أحكام القيادة والجهاد والعهود والتعامل مع الجماعات المختلفة. وهو لا يفصل الحدث العسكري أو السياسي عن دلالته الشرعية والتربوية، بل يورد ما يراه محتاجًا إليه من كلام الفقهاء والمحققين لشرح التصرف النبوي ووضعه في سياقه الصحيح، مع التحذير من تحميل بعض أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ما لا تحتمل أو تنزيل ما صدر في ظرف مخصوص على غير موضعه بلا فقه.
ويخصص لحجة الوداع مساحة بارزة، فيجمع ما ورد في حج النبي صلى الله عليه وسلم واعتماراته، ويناقش بعض التفاصيل الزمنية والفقهية المتعلقة بمناسكه، مستفيدًا من شروح الحديث كـ«فتح الباري» وغيرها. ثم يصل إلى مرضه ووفاته صلى الله عليه وسلم وما سبقها من أحداث، ولا يقف عند سرد النهاية التاريخية، بل يربط المرحلة بما تكشفه من اكتمال الرسالة واستقرار أصول الجماعة وانتقال حمل الدعوة إلى الصحابة رضي الله عنهم.
ولا ينحصر القسم في الوقائع الزمنية، إذ يفرد بابًا لصفات النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه وشمائله، فيعرض هيئته وأخلاقه وأحواله التي تمس باب الاقتداء، وبابًا لمعجزاته، وبابًا لدوائر الشرف من أهل بيته وأزواجه وأصحابه رضي الله عنهم، وبخاصة من كان لهم أثر ظاهر في حفظ الدعوة واستمرارها. ويدخل في هذه التراجم ما يخدم فهم السيرة، من السوابق والمواقف والمشاركة في الغزوات والهجرة والإنفاق ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم.
ويظهر في جميع ذلك اهتمامه بـ«فقه السيرة» بقدر اهتمامه بتسلسلها؛ فهو ينقل تحقيقات ابن حجر وابن كثير وغيرهما في التوفيق بين الأخبار أو ترجيح بعضها، ويضيف تعليقات تتصل بالتربية والدعوة والحركة والقيادة ومواجهة الفتن وفهم السنن الاجتماعية. وقد صرح بأن إدخال تحقيقات أهل الاختصاص مقصود عنده، ولا سيما حين تكون الرواية الصحيحة مجملة وتوجد عند أئمة المغازي تفصيلات لا يعارضها نص ثابت، أو حين تحتاج الحادثة إلى تحرير فقهي أو عقدي أو تربوي يعين على فهمها.
ويجعل هذا القسم مدخلًا إلى بقية «الأساس في السنة وفقهها»؛ فالتعريف بالرسول صلى الله عليه وسلم يسبق عنده التعريف التفصيلي بالرسالة، ثم تأتي بعد السيرة أقسام العقائد والعبادات والأخلاق وأحكام الحياة والحكم وحقوق الإنسان. ولهذا تنتهي مادة السيرة عند حدود ما يراه ألصق بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وأحداث حياته وشمائله ومعجزاته ومن حوله، بينما يترك كثيرًا من هديه التشريعي التفصيلي للأقسام اللاحقة التي وضعت كل طائفة من النصوص في بابها الموضوعي.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













