
نبذة عن الكتاب:
يُناقش محمد المجذوب في كتاب «أصح البشائر في مبعث سيد الأوائل والأواخر» الأخبار التي رُويت في السيرة عن البشارات السابقة لمبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ساعيًا إلى التمييز بين ما يراه ثابتًا منها وما يراه مضطربًا أو غير صالح للاعتماد. وانطلق في بحثه من مناقشة موقف علي الطنطاوي الذي مال إلى إنكار الأخبار الواردة في هذا الباب، فرأى المجذوب أن قبول جميع ما روي في السيرة من البشائر دون نقد لا يستقيم، كما أن ردها جميعًا بإطلاق لا يوافق مقتضى التحقيق؛ لأن الباب يشتمل عنده على أخبار متفاوتة في الثبوت والدلالة.
ويبدأ بأخبار نشأة النبي صلى الله عليه وسلم التي لو صحت على الصورة المشهورة لاقتضت سبق علمه أو علم المحيطين به بقرب النبوة، وفي مقدمتها قصة بحيرا الراهب في رحلته صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب إلى الشام. ويعرض ما نُقل فيها من تعرف بحيرا إلى صفاته، وإعلانه أنه المبعوث المنتظر، وما أضيف إلى ذلك من سجود الشجر والحجر، وتظليل الشجرة له، وتحذير أبي طالب من الروم أو اليهود، ثم يتوقف عند ما في خاتمتها من ذكر أبي بكر وبلال رضي الله عنهما، مستشكلًا موافقة ذلك لأعمارهما وأحوالهما في تلك المرحلة.
ويستند في نقد قصة بحيرا إلى جملة من القرائن التاريخية والمتنية؛ فيسأل عن سبب غياب خبر بهذه الضخامة عن ذاكرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر معه من أشياخ قريش، وعن عدم استحضاره حين فوجئت مكة بالبعثة بعد سنين طويلة. ويضم إلى ذلك ما نُقل عن بعض أهل الحديث من استغراب الخبر أو نقد بعض أجزائه، وما ذكره ابن كثير والذهبي وغيرهما في شأنه، ثم يعود في تذييل البحث إلى مناقشة دفاع ناصر الدين الألباني عن أصل القصة، فيقر بقوة السند عند من صححه، لكنه يميل إلى اعتبارها من المراسيل، ويرى أن سلامة بعض رجال الإسناد لا تمنع من فحص المتن وأجزائه.
ثم ينتقل إلى رحلة النبي صلى الله عليه وسلم في تجارة خديجة رضي الله عنها إلى الشام بصحبة ميسرة، ويفرق بين الجانب الطبيعي المعقول من الخبر، وهو ما شاهده ميسرة من أخلاقه وفضله وما حمل خديجة رضي الله عنها على الرغبة في الزواج منه، وبين ما أُلحق بالقصة من الغمامة والملائكة وإخبار راهب بنبوته. ويرى أن الجزء الأخير يثير الإشكال نفسه؛ إذ لو بلغ خديجة رضي الله عنها وورقة بن نوفل هذا الخبر قبل الوحي بسنوات طويلة، لكان من المستبعد أن يفاجأ النبي صلى الله عليه وسلم وهي معًا بأمر النبوة يوم نزول الوحي على الصورة التي ترويها الأخبار الصحيحة.
ويعيد بناء خبر ورقة بن نوفل على أساس اتصال بشارته مباشرة بواقعة نزول الوحي؛ فبعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من حراء خائفًا مضطربًا، ثبّتته خديجة رضي الله عنها بذكر خصاله، ثم ذهبت به إلى ورقة، فسمع منه خبر الوحي وبشره بأن الذي جاءه هو الناموس الذي جاء موسى عليه السلام، وأنه نبي هذه الأمة. ويجعل هذا الترتيب أكثر اتساقًا مع روايات البخاري ومسلم وغيرهما من الأخبار التي تصف ابتداء الوحي، ومع خلو ذهن النبي صلى الله عليه وسلم قبله من معرفة تفصيل ما ينتظره.
ويتناول كذلك القصيدة المنسوبة إلى ورقة بن نوفل، فيحلل سياقها وما فيها من وصف انتظار ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ويميل إلى إمكان صحة أصلها من جهة معناها وأسلوبها، لكنه يتوقف عند البيت الذي يربطها بقول راهب سابق في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، ويراه غريبًا عن السياق والصياغة. ويقترح أن تكون القصيدة متصلة ببشارة ورقة بعد نزول الوحي، لا بقصة الراهب في رحلة التجارة، ويرى أن حذف البيت المشكل يجعل اتصال أبياتها أوضح وأقرب إلى السياق الذي يفهمه من بقية الروايات.
ولا ينتهي البحث إلى إنكار أصل البشارات السابقة، بل يفرق بوضوح بين الروايات التاريخية التي يراها محل نقد وبين البشارات التي يثبتها القرآن نفسه. فيستدل بميثاق النبيين في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ...} على أن الله تعالى أخذ على الأنبياء العهد بالإيمان بالنبي الخاتم ونصرته إن أدركوه، ويستشهد بما ورد في القرآن من وصف الرسول النبي الأمي بأنه مكتوب عند أهل الكتاب في التوراة والإنجيل، وببشارة عيسى عليه السلام برسول يأتي من بعده اسمه أحمد.
ويجعل من معرفة أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم أصلًا قرآنيًّا ثابتًا، مستشهدًا بقوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}، وبما ذكر عن استفتاح يهود يثرب على العرب بمبعث نبي قد أظل زمانه. ويضم إلى ذلك قصة سلمان رضي الله عنه في انتقاله بين أهل العلم والعبادة حتى بلغه وصف النبي المنتظر، ويعدها من الأخبار التي تندرج عنده في انتقال البشارات بين أهل الكتاب من جيل إلى جيل.
ويتوسع بعد ذلك في الاستدلال بما يراه من بقايا البشارات في كتب أهل الكتاب، فيعرض نصوصًا من التوراة والإنجيل، ويتناول لفظ «الفارقليط» وما قيل في علاقته بمعنى الحمد، ويستشهد بآية سورة الصف في بشارة عيسى عليه السلام بأحمد. كما يشير إلى ما نُقل عن بعض الباحثين في موروثات الهند والفرس من إشارات عدت من البشارات، غير أن مركز حجته يبقى قائمًا على ما نص عليه القرآن من سبق ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة.
ويختم بعرض نص منسوب إلى أشعياء يفسره على أنه تصوير للبشارة بالبعثة وما أحدثه الإسلام في جزيرة العرب من تحول في الدين والعلم والأمن والعمران، ويربط ما فيه من ذكر الطريق المقدسة والقفر والماء والفرح بمكة والحج وانتشار الهداية. ثم يعيد التأكيد على ضرورة إخضاع أخبار السيرة للنقد وعدم التسليم بكل ما اشتهر لمجرد وروده في كتب التاريخ، ويقترح إنشاء عمل علمي يجمع أصح أخبار السيرة النبوية وينقيها من الروايات التي لا تثبت، حتى تبقى العبرة التاريخية مبنية على أخبار يصح الاعتماد عليها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:











