مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

رسالة في الدماء الطبيعية للنساء بقلم ابن عثيمين PDF
رسالة في الدماء الطبيعية للنساء بقلم ابن عثيمين PDF

نبذة عن الكتاب:

يفصِّل محمَّد بن صالح العثيمين في هذه الرسالة مسائل الحيض والاستحاضة والنِّفاس وما يترتَّب عليها من أحكامٍ شرعيَّة، قاصدًا إلى تمييز هذه الدِّماء وضبط الفروق بينها وبيان ما يجب على المرأة في كلِّ حالة. ويجعل الكتاب والسُّنَّة أصلًا في التَّرجيح بين أقوال أهل العلم، ويؤكِّد أنَّ الأحكام المتعلِّقة بهذه المسائل ينبغي أن تُبنى على الدَّليل، وأنَّ أقوال العلماء يُحتجُّ لها ولا تكون في ذاتها حجَّةً إذا خالفت ما ثبت في النُّصوص.

ويبدأ بتعريف الحيض بأنَّه دمٌ طبيعي يحدث للأنثى في أوقاتٍ معلومة من غير مرضٍ أو جرحٍ أو ولادة، ويبيِّن اختلافه بين النِّساء بحسب أحوالهنَّ وبيئاتهنَّ. ثمَّ يناقش السِّن التي يمكن أن يأتي فيها الحيض، ويرجِّح عدم تحديدها بسنٍّ معيَّنة؛ فمتى وُجد الحيض ثبت حكمه ولو كان قبل السِّن التي حدَّدها بعض الفقهاء أو بعدها، لأنَّ الشَّارع علَّق الأحكام على وجود الحيض ولم يجعل له حدًّا معيَّنًا من جهة العمر.

ويناقش مدَّة الحيض وما قيل في أقلِّها وأكثرها، ويرجِّح كذلك عدم تحديدها بعددٍ معيَّن من الأيَّام، مستدلًّا بأنَّ الكتاب والسُّنَّة لم يضعا حدًّا لأقلِّ الحيض ولا لأكثره مع كثرة الأحكام المترتِّبة عليه وشدَّة الحاجة إلى معرفته. ويقرِّر أنَّ الأصل اعتبار الدَّم الطَّبيعي حيضًا ما لم يقم دليلٌ على أنَّه استحاضة أو دم عرقٍ أو جرح، ويرى أنَّ هذا الضَّابط أقرب إلى النُّصوص وأيسر في الفهم والتَّطبيق من التَّقديرات المختلفة التي ذكرها الفقهاء.

ويتناول حيض الحامل، فيذكر أنَّ الغالب انقطاع الحيض بالحمل، ثمَّ يبحث حكم الدَّم الذي قد تراه الحامل. ويفرِّق بين الدَّم القريب من الولادة المصحوب بالطَّلق فيكون نفاسًا، وبين غيره، ويرجِّح أنَّ ما رأته الحامل من دمٍ على صفة حيضها المعتاد فهو حيض ما لم يوجد سببٌ يمنع من الحكم بذلك. ويبيِّن ما يترتَّب على هذا الاختيار من الأحكام، مع استثناء ما يتعلَّق بطلاق الحامل وعدَّتها؛ لأنَّ عدَّتها تنتهي بوضع الحمل.

وينتقل إلى الطَّوارئ التي تعرض للحيض، فيبحث زيادة مدَّته أو نقصها، وتقدُّمه عن العادة أو تأخُّره عنها، ويرجِّح أنَّ المرأة متى رأت الحيض فهي حائض ومتى طهرت فهي طاهر، سواء وافق ذلك عادتها السَّابقة أم خالفها بالزِّيادة أو النُّقصان أو التَّقديم أو التَّأخير. ثمَّ يبيِّن حكم الصُّفرة والكدرة، فيعدُّهما من الحيض إذا كانتا في أثنائه أو متَّصلتين به قبل حصول الطُّهر، أمَّا إذا ظهرتا بعد الطُّهر فلا يعطيهما حكم الحيض.

ويبحث تقطُّع الحيض بأن ترى المرأة الدَّم تارةً والنَّقاء تارةً أخرى، ويفرِّق بين من يكون ذلك معها مستمرًّا فتدخل في أحكام الاستحاضة، وبين من يكون لها طهرٌ صحيح ويتخلَّل حيضها انقطاعٌ عارض. وينقل الخلاف في النَّقاء الواقع بين الدَّمين، ويناقش ما يترتَّب على اعتباره طهرًا أو إلحاقه بالحيض، كما يتناول الجفاف والرُّطوبة، ويجعل الجفاف المتَّصل بالحيض قبل ظهور علامة الطُّهر تابعًا له، بخلاف ما يقع بعد ثبوت الطُّهر.

ويفصِّل أحكام الحيض التي تمسُّ عبادات المرأة ومعاملاتها، فيبدأ بالصَّلاة، فيقرِّر أنَّ الحائض لا تصلِّي فرضًا ولا نفلًا ولا تقضي الصَّلوات التي فاتتها زمن الحيض، ثمَّ يبحث ما إذا أدركت من وقت الصَّلاة مقدار ركعة قبل ابتداء الحيض أو بعد حصول الطُّهر. كما يناقش الذِّكر والدُّعاء وقراءة الحديث والفقه واستماع القرآن، ثمَّ يعرض الخلاف في قراءة الحائض للقرآن بلسانها، ويذكر أنَّ الأولى تركها إلَّا عند الحاجة، كحال المعلِّمة والمتعلِّمة في الاختبار ونحو ذلك.

ويتناول الصِّيام، فيقرِّر عدم صحَّته من الحائض ووجوب قضاء الفرض دون الصَّلاة، ويبيِّن أنَّ العبرة بخروج دم الحيض فعلًا؛ فإذا خرج قبل الغروب بطل صوم ذلك اليوم، أمَّا مجرَّد الإحساس بانتقاله من غير خروجه فلا يثبت به حكم الحيض. وإذا طهرت المرأة قبل الفجر صحَّ صومها وإن أخَّرت الاغتسال إلى ما بعد طلوعه، أمَّا إذا دخل الفجر وهي حائض فلا يصحُّ صوم ذلك اليوم وإن طهرت بعده بوقتٍ يسير.

ويعرض أحكام الحجِّ المتَّصلة بالحيض، فيمنع الحائض من الطَّواف بالبيت حتَّى تطهر، مع جواز بقيَّة أعمال الحجِّ لها كالسَّعي والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى ورمي الجمار. ويسقط عنها طواف الوداع إذا استمرَّ حيضها إلى وقت خروجها، في حين لا يسقط عنها طواف الحجِّ أو العمرة، بل تنتظر حتَّى تطهر فتطوف. كما يبحث مكث الحائض في المسجد ويقرِّر منعه.

ويفصِّل حكم الجماع زمن الحيض، فيقرِّر تحريم الوطء في الفرج، مع جواز استمتاع الزَّوج بزوجته فيما دون ذلك ضمن الضَّوابط التي يذكرها. ثمَّ ينتقل إلى الطَّلاق، فيبيِّن تحريم تطليق الحائض في الأصل، ويشرح علاقته باستقبال العدَّة، ثمَّ يستثني صورًا لا يجري عليها هذا المنع، منها الطَّلاق قبل المسيس والخلوة، وطلاق الحامل، والطَّلاق على عوض عند الحاجة إليه.

ويتناول أثر الحيض في عدَّة المطلَّقة، فيبيِّن عدَّة من تحيض، وعدَّة الحامل، وعدَّة من لا تحيض لصغرٍ أو إياسٍ أو سببٍ يمنع رجوع الحيض، كما يبحث المرأة التي يرتفع حيضها بسببٍ معلوم ثمَّ يزول السَّبب ولا يعود إليها. ويعرض كذلك الاستدلال بالحيض على براءة الرَّحم في بعض الأحكام، ثمَّ يشرح وجوب الغسل على المرأة بعد انقطاع الحيض، والقدر الواجب فيه وصفته الأكمل، وحكم شعر الرَّأس، ووجوب المبادرة إلى الطَّهارة والصَّلاة إذا حصل الطُّهر في أثناء وقتها.

وينتقل إلى الاستحاضة، فيعرِّفها باستمرار الدَّم على المرأة بحيث لا ينقطع أو لا ينقطع إلَّا مدَّةً يسيرة، ثمَّ يقسِّم المستحاضة إلى ثلاث حالات. فإذا كانت لها عادةٌ معلومة قبل الاستحاضة رجعت إلى عادتها، فجعلت أيَّامها حيضًا وما بعدها استحاضة. وإذا لم تكن لها عادةٌ سابقة ولكن أمكنها تمييز دم الحيض بلونه أو غلظه أو رائحته عملت بالتَّمييز. وإذا لم تكن لها عادةٌ معلومة ولا تمييزٌ صالح رجعت إلى عادة غالب النِّساء، فتجتهد في جعل حيضها ستَّة أيَّام أو سبعة بحسب ما هو أقرب إلى حالها.

ويبحث ما يشبه الاستحاضة من نزيفٍ يحدث بسبب عمليَّةٍ في الرَّحم أو ما حوله، فيفرِّق بين من استُؤصل رحمها أو عُلم امتناع الحيض منها بعد العمليَّة، وبين من بقي إمكان حيضها قائمًا. ثمَّ يبيِّن أحكام المستحاضة، ويجعلها في الأصل كأحكام الطَّاهرات، مع ما يلزمها بسبب استمرار الدَّم من التَّطهُّر والتحفُّظ والوضوء للصَّلاة على الصِّفة التي يذكرها، ويناقش حكم جماع المستحاضة ويرجِّح جوازه.

ويعرِّف النِّفاس بأنَّه الدَّم الذي يرخيه الرَّحم بسبب الولادة، سواء خرج معها أو بعدها، أو تقدَّمها مع الطَّلق على الوجه الذي يدلُّ على اتِّصاله بالولادة. ويناقش أقلَّ النِّفاس وأكثره، ثمَّ يبيِّن العمل عند تجاوز الدَّم أربعين يومًا، ويفرِّق بين استمرار النِّفاس وعود الحيض وانتقال المرأة إلى حكم المستحاضة. ويقرِّر أنَّ المرأة إذا انقطع دمها وطهرت قبل الأربعين فإنَّها تغتسل وتصلِّي وتصوم ويجوز لزوجها جماعها، لأنَّ الحكم يتعلَّق بوجود الدَّم لا بإكمال الأربعين.

ويبيِّن أنَّ ثبوت النِّفاس مرتبط بالولادة التي يتبيَّن فيها خلق الإنسان، ويناقش حكم الدَّم المصاحب للسِّقط بحسب المرحلة التي بلغها الحمل. ثمَّ يقارن أحكام النِّفاس بأحكام الحيض، فيذكر أنَّهما يشتركان في أكثر الأحكام، مع وجود فروقٍ تتعلَّق بالعدَّة ومدَّة الإيلاء والبلوغ وعودة الدَّم بعد انقطاعه. ويناقش خاصَّةً الدَّم الذي ينقطع في أثناء الأربعين ثمَّ يعود، ويرجِّح أنَّه إذا عاد في زمنٍ يمكن أن يكون فيه نفاسًا أُعطي حكم النِّفاس، ما لم تدلَّ الحال على كونه حيضًا أو استحاضة.

ويختم المسائل المتعلِّقة بالدِّماء ببحث استعمال المرأة ما يمنع الحيض أو يجلبه، فيجيز منع الحيض إذا لم يترتَّب عليه ضرر وكان حقُّ الزَّوج محفوظًا حيث يتعلَّق الأمر به، مع جعل ترك الطَّبيعة على حالها أولى عند عدم الحاجة. كما يجيز استعمال ما يجلب الحيض بشرط ألَّا يكون حيلةً لإسقاط واجبٍ من صلاةٍ أو صيامٍ ونحوهما، وألَّا يتضمَّن اعتداءً على حقِّ الزَّوج.

ويتناول منع الحمل، فيفرِّق بين المنع المستمرِّ والمنع المؤقَّت؛ فيمنع الأوَّل لما يترتَّب عليه من قطع الحمل وتقليل النَّسل، ويجيز الثَّاني عند الحاجة، كتنظيم الفترات بين الأحمال إذا كان تتابع الحمل يرهق المرأة، بشرط إذن الزَّوج وانتفاء الضَّرر. ثمَّ يبحث إسقاط الحمل، فيفرِّق بين ما بعد نفخ الرُّوح وما قبله، وينقل الخلاف في الإسقاط قبل نفخ الرُّوح، ويرجِّح الاحتياط بالمنع إلَّا لحاجةٍ معتبرة ضمن التَّفصيل الذي يذكره.

ويفصِّل أخيرًا الحالات المتعلِّقة بإخراج الجنين عند تعسُّر الولادة أو موت الأمِّ أو الجنين، فينظر في حياة كلٍّ منهما وإمكان إنقاذه والضَّرر المترتِّب على العمليَّة، ويقدِّم إنقاذ النَّفس المعصومة عند إمكان ذلك. ويجعل هذه المسائل أمثلةً على ردِّ الفروع الكثيرة المتجدِّدة إلى أصولها وضوابطها، ويؤكِّد ضرورة تأنِّي المفتي وتثبُّته وردِّ ما يعرض له من مسائل إلى الكتاب والسُّنَّة والاستعانة بكلام أهل العلم في فهمهما.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

محمد بن صالح بن عثيمين
الشيخ العالم المحقق، الفقيه المفسر، الورع الزاهد، محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن آل عثيمين، من الوَهَبَة من بني تميم. ولد في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، عام 1347هـ، في عُنَيْزَة، إحدى محافظات القصيم، في المملكة العربية السعودية. نشأته العلمية: ألحقه والده، رحمه الله تعالى، ليتعلم القرآن الكريم عند جده من جهة أمه، معلم القرآن الشيخ عبد الرحمن بن سليمان الدامغ، رحمه الله تعالى، ثم تعلم الكتابة، وشيئًا من الحساب، والنصوص الأدبية، في مدرسة الأستاذ عبد العزيز بن صالح الدامغ، رحمه الله تعالى، وذلك قبل أن يلتحق بمدرسة معلم القرآن الشيخ علي بن عبد الله الشحيتان، رحمه الله تعالى، حيث حفظ القرآن الكريم عنده عن ظهر قلب، ولما يتجاوز الرابعة عشرة من عمره بعد. وبتوجيه من والده، رحمه الله تعالى، أقبل على طلب العلم الشرعي، وكان فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، يدرس العلوم الشرعية والعربية في الجامع الكبير بعُنَيْزَة، وقد رتب اثنين من طلبته الكبار لتدريس المبتدئين من الطلبة، فانضم الشيخ إلى حلقة الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، رحمه الله تعالى، حتى أدرك من العلم، في التوحيد والفقه والنحو، ما أدرك. ثم جلس في حلقة شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، فدرس عليه في التفسير، والحديث، والسيرة النبوية، والتوحيد، والفقه، والأصول، والفرائض، والنحو، وحفظ مختصرات المتون في هذه العلوم. ويعد فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، شيخه الأول؛ إذ أخذ عنه العلم، معرفة وطريقة، أكثر مما أخذ عن غيره، وتأثر بمنهجه وتأصيله، وطريقة تدريسه، واتباعه للدليل. وعندما كان الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان، رحمه الله تعالى، قاضيًا في عُنَيْزَة، قرأ عليه في علم الفرائض، كما قرأ على الشيخ عبد الرزاق عفيفي، رحمه الله تعالى، في النحو والبلاغة، أثناء وجوده مدرسًا في تلك المدينة. ولما فتح المعهد العلمي في الرياض، أشار عليه بعض إخوانه أن يلتحق به، فاستأذن شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، والتحق بالمعهد عامي 1372-1373هـ. ولقد انتفع، خلال السنتين اللتين انتظم فيهما في معهد الرياض العلمي، بالعلماء الذين كانوا يدرسون فيه حينذاك، ومنهم: العلامة المفسر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ الفقيه عبد العزيز بن ناصر بن رشيد، والشيخ المحدث عبد الرحمن الإفريقي، رحمهم الله تعالى. وفي أثناء ذلك اتصل بسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله تعالى، فقرأ عليه في المسجد من «صحيح البخاري»، ومن رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، وانتفع به في علم الحديث، والنظر في آراء فقهاء المذاهب والمقارنة بينها. ويعد سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله تعالى، شيخه الثاني في التحصيل والتأثر به. ثم عاد إلى عُنَيْزَة عام 1374هـ، وصار يدرس على شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ويتابع دراسته انتسابًا في كلية الشريعة بالرياض، التي أصبحت جزءًا من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حتى نال الشهادة العالية. تدريسه: توسم فيه شيخه عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، النجابة وسرعة التحصيل العلمي، فشجعه على التدريس وهو ما زال طالبًا في حلقته، فبدأ التدريس عام 1370هـ في الجامع الكبير بعُنَيْزَة. ولما تخرج في المعهد العلمي في الرياض، عين مدرسًا في المعهد العلمي بعُنَيْزَة عام 1374هـ. وفي سنة 1376هـ توفي شيخه العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، فتولى بعده إمامة الجامع الكبير في عُنَيْزَة، وإمامة العيدين فيها، والتدريس في مكتبة عُنَيْزَة الوطنية التابعة للجامع، وهي التي أسسها شيخه، رحمه الله تعالى، عام 1359هـ. ولما كثر الطلبة، وصارت المكتبة لا تكفيهم، بدأ فضيلته، رحمه الله تعالى، يدرس في المسجد الجامع نفسه، واجتمع إليه الطلاب وتوافدوا من المملكة وغيرها، حتى كانوا يبلغون المئات في بعض الدروس. وهؤلاء يدرسون دراسة جادة بهدف التحصيل العلمي، وليس لمجرد الاستماع. وبقي على ذلك، إمامًا وخطيبًا ومدرسًا، حتى وفاته، رحمه الله تعالى. بقي الشيخ مدرسًا في المعهد العلمي من عام 1374هـ إلى عام 1398هـ، عندما انتقل إلى التدريس في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم، التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وظل أستاذًا فيها حتى وفاته، رحمه الله تعالى. وكان يدرس في المسجد الحرام والمسجد النبوي، في مواسم الحج ورمضان والإجازات الصيفية، منذ عام 1402هـ حتى وفاته، رحمه الله تعالى. وللشيخ، رحمه الله تعالى، أسلوب تعليمي فريد في جودته ونجاحه، فهو يناقش طلابه ويتقبل أسئلتهم، ويلقي الدروس والمحاضرات بهمة عالية، ونفس مطمئنة واثقة، مبتهجًا بنشره للعلم وتقريبه إلى الناس. آثاره العلمية: ظهرت جهوده العظيمة، رحمه الله تعالى، خلال أكثر من خمسين عامًا من العطاء والبذل في نشر العلم والتدريس والوعظ والإرشاد والتوجيه وإلقاء المحاضرات والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ولقد اهتم بالتأليف، وتحرير الفتاوى والأجوبة، التي تميزت بالتأصيل العلمي الرصين، وصدرت له العشرات من الكتب والرسائل والمحاضرات والفتاوى والخطب واللقاءات والمقالات، كما صدر له آلاف الساعات الصوتية التي سجلت محاضراته وخطبه ولقاءاته وبرامجه الإذاعية ودروسه العلمية في تفسير القرآن الكريم، والشروحات المتميزة للحديث الشريف والسيرة النبوية، والمتون والمنظومات في العلوم الشرعية والنحوية. وإنفاذًا للقواعد والضوابط والتوجيهات التي قررها فضيلته، رحمه الله تعالى، لنشر مؤلفاته ورسائله ودروسه ومحاضراته وخطبه وفتاواه ولقاءاته؛ تقوم مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، بعون الله تعالى وتوفيقه، بواجب وشرف المسؤولية لإخراج كافة آثاره العلمية والعناية بها. وبناء على توجيهاته، رحمه الله تعالى، أنشئ له موقع خاص على شبكة المعلومات الدولية، من أجل تعميم الفائدة المرجوة، بعون الله تعالى، وتقديم جميع آثاره العلمية من المؤلفات والتسجيلات الصوتية. أعماله وجهوده الأخرى: إلى جانب تلك الجهود المثمرة في مجالات التدريس والتأليف والإمامة والخطابة والإفتاء والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، كان لفضيلة الشيخ أعمال كثيرة موفقة، منها: عضويته في هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، من عام 1407هـ حتى وفاته. عضويته في المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، في العامين الدراسيين 1398-1400هـ. عضويته في مجلس كلية الشريعة وأصول الدين، بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم، ورئاسته لقسم العقيدة فيها. وفي آخر فترة تدريسه بالمعهد العلمي شارك في عضوية لجنة الخطط والمناهج للمعاهد العلمية، وألف عددًا من الكتب المقررة فيها. عضويته في لجنة التوعية في موسم الحج، من عام 1392هـ حتى وفاته، رحمه الله تعالى، حيث كان يلقي دروسًا ومحاضرات في مكة والمشاعر، ويفتي في المسائل والأحكام الشرعية. ترأس جمعية تحفيظ القرآن الكريم الخيرية في عُنَيْزَة منذ تأسيسها عام 1405هـ حتى وفاته. ألقى محاضرات عديدة داخل المملكة العربية السعودية على فئات متنوعة من الناس، كما ألقى محاضرات عبر الهاتف على تجمعات ومراكز إسلامية في جهات مختلفة من العالم. كان من علماء المملكة الكبار الذين يجيبون عن أسئلة المستفسرين عن الأحكام والمسائل؛ عقيدة، وشريعة، وسلوكًا، وذلك عبر البرامج الإذاعية في المملكة العربية السعودية، وأشهرها برنامج «نور على الدرب» من إذاعة القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية. نذر نفسه للإجابة عن أسئلة السائلين؛ مهاتفة، ومكاتبة، ومشافهة. رتب لقاءات علمية مجدولة؛ أسبوعية، وشهرية، وسنوية. شارك في العديد من المؤتمرات التي عقدت في المملكة العربية السعودية. ولأنه يهتم بالسلوك التربوي والجانب الوعظي، اعتنى بتوجيه الطلاب وإرشادهم إلى سلوك المنهج الجاد في طلب العلم وتحصيله، وعمل على استقطابهم، والصبر على تعليمهم، وتحمل أسئلتهم الكثيرة المتنوعة، والاهتمام بأمورهم. وللشيخ، رحمه الله تعالى، أعمال عديدة في ميادين الخير وأبواب البر ومجالات الإحسان إلى الناس، والسعي في حوائجهم، وكتابة الوثائق والعقود بينهم، وإسداء النصيحة لهم بصدق وإخلاص. مكانته العلمية: يعد فضيلة الشيخ، رحمه الله تعالى، من الراسخين في العلم، الذين وهبهم الله، بمنه وكرمه، تأصيلًا وملكة عظيمة في معرفة الدليل واتباعه، واستنباط الأحكام والفوائد من الكتاب والسنة، وسبر أغوار اللغة العربية معاني وإعرابًا وبلاغة. ولما تحلى به من صفات العلماء الجليلة، وأخلاقهم الحميدة، والجمع بين العلم والعمل، أحبه الناس محبة عظيمة، وقدره الجميع كل التقدير، ورزقه الله القبول لديهم، واطمأنوا لاختياراته الفقهية، وأقبلوا على دروسه وفتاواه وآثاره العلمية، ينهلون من معين علمه، ويستفيدون من نصحه ومواعظه. وقد منح جائزة الملك فيصل، رحمه الله تعالى، العالمية لخدمة الإسلام عام 1414هـ، وجاء في الحيثيات التي أبدتها لجنة الاختيار لمنحه الجائزة ما يأتي: أولًا: تحليه بأخلاق العلماء الفاضلة، التي من أبرزها: الورع، ورحابة الصدر، وقول الحق، والعمل لمصلحة المسلمين، والنصح لخاصتهم وعامتهم. ثانيًا: انتفاع الكثيرين بعلمه؛ تدريسًا، وإفتاء، وتأليفًا. ثالثًا: إلقاؤه المحاضرات العامة النافعة في مختلف مناطق المملكة. رابعًا: مشاركته المفيدة في مؤتمرات إسلامية كثيرة. خامسًا: اتباعه أسلوبًا متميزًا في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتقديمه مثلًا حيًّا لمنهج السلف الصالح؛ فكرًا وسلوكًا. عقبه: له خمسة من البنين، وثلاث من البنات، وبنوه هم: عبد الله، وعبد الرحمن، وإبراهيم، وعبد العزيز، وعبد الرحيم. وفاته: توفي، رحمه الله تعالى، في مدينة جدة، قبيل مغرب يوم الأربعاء، الخامس عشر من شهر شوال، عام 1421هـ، وصلي عليه من الغد في المسجد الحرام بعد صلاة العصر، ثم شيعته تلك الآلاف من المصلين والحشود العظيمة في مشاهد مؤثرة، ودفن في مقبرة العدل بمكة المكرمة. وبعد صلاة الجمعة من اليوم التالي صلي عليه صلاة الغائب في جميع مدن المملكة العربية السعودية. رحم الله شيخنا رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته، ومن عليه بمغفرته ورضوانه، وجزاه عما قدم للإسلام والمسلمين خير الجزاء. المصدر: القسم العلمي في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية.
عرض النبذة وكتب المؤلف
رسالة في الدماء الطبيعية للنساء بقلم ابن عثيمين PDF - مكتبة الكتب الإسلامية