«النحو الوافي» ليس تلخيصًا للتراث النحوي ولا إعادةً لأبوابه في لغة حديثة فحسب؛ فقد أراد عباس حسن أن يجمع مادة النحو المتفرقة في أمهات الكتب، ثم يعيد تقديمها على نحو يصلح للدراسة الجامعية وللمتخصص في وقت واحد. ولهذا جعل كل مسألة ذات مستويين: متنًا أول موجزًا يقرر الحكم الذي يحتاج إليه الدارس، ثم قسمًا مستقلًا سماه «زيادة وتفصيل» يحفظ ما وراءه من فروع وخلافات ولهجات وشواهد يحتاج إليها المتخصص. وأبقى المصطلحات النحوية الموروثة، لكنه تحرر من أساليب المتون والشروح والحواشي، ومن الجدل الذي لا يثمر حكمًا لغويًا نافعًا، وتجنب التعليلات المصنوعة وتكثير المذاهب حين لا تكون وراءها فائدة. كما غيّر طبيعة المثال نفسه؛ فآثر العبارة الواضحة القريبة من الاستعمال، وترك كثيرًا من الشواهد القديمة حين يحجب غرابة لفظها أو بعدها الدلالي القاعدة التي جيء بها من أجلها، مع إبقاء ما يلزم منها لفهم التراث. وعنده أن التطبيق الأجدى لكبار الدارسين يكون في نص أدبي كامل أو صفحة مستقيمة الأسلوب، لا في جمل مبتورة صُنعت لاختبار الإعراب وحده. وفي الترجيح لا يتعصب لبصري أو كوفي، وإنما يقدم ما يوافق الفصيح والأفصح ويصلح للاستعمال، ويضع القرآن الكريم بقراءاته الثابتة في مقدمة ما يُحتكم إليه، مع الاستفادة من القياس حيث يفتح للغة سبيلًا مأمونًا إلى التعبير عن حاجات متجددة.
وتكشف الأجزاء الأربعة عن سعة هذا المشروع أكثر مما يكشف عنها عنوان «النحو» وحده. فالجزء الأول يؤسس للكلمة والكلام وأقسامهما، ثم الإعراب والبناء، والنكرة والمعرفة والضمائر والأعلام وأسماء الإشارة والموصولات، وينتهي إلى المبتدأ والخبر ونواسخه وأفعال المقاربة والرجاء والشروع والحروف الناسخة و«لا» النافية للجنس. ويبدأ الثاني بظن وأخواتها وأعلم وأرى، ثم يدخل في الفاعل ونائبه والاشتغال والتعدي واللزوم والتنازع، ويستوفي المفعولات والاستثناء والحال والتمييز وحروف الجر، ويضم مباحث مستقلة في التضمين وما يسميه «اللغة المأخوذة قياسًا»، وهي من المواضع التي تتضح فيها رغبته في ألا تتحول القاعدة إلى قيد يمنع العربية من النمو. أما الثالث فيجمع الإضافة والمصادر وعملها، والمشتقات من اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسمي الزمان والمكان واسم الآلة، ثم التعجب والمدح والذم وأفعل التفضيل، ويستوفي التوابع من نعت وتوكيد وعطف وبدل. ويأتي الرابع بالنداء والاستغاثة والندبة والترخيم والاختصاص والتحذير والإغراء وأسماء الأفعال والأصوات، ثم نوني التوكيد وإسناد الأفعال وإعراب المضارع والشرط وأدواته والعدد والتأنيث والمقصور والممدود وجمع التكسير والتصغير والنسب، وينتهي إلى التصريف والإعلال والإبدال والقلب والنقل والحذف. وهذه السعة لا تعيده إلى مشكلة المطولات القديمة؛ لأن عباس حسن يفصل باستمرار بين ما يصلح أن يكون قاعدة للاستعمال، وما ينبغي أن يبقى معرفة تاريخية أو لهجية لفهم النصوص، حتى يظل الكتاب مرجعًا للتراث ودليلًا على العربية المستعملة في آن واحد.