يتتبّع شوقي ضيف في «المدارس النحوية» حركةَ النحو العربي منذ نشأته حتى استقرار مذاهبه في البيئات العلمية الكبرى، باحثًا عن الأصول التي تميّز كل مدرسة، والرجال الذين دفعوا النحو من طور إلى طور، وما أحدثوه في السماع والقياس والتعليل والعوامل والمصطلحات. ويبدأ بالبصرة بوصفها واضعة أصول النحو وقواعده، ويُعيد النظر في الروايات التي تنسب تأسيسه إلى أبي الأسود الدؤلي وتلاميذه؛ فيجعل صنيع أبي الأسود متصلًا بنقط الإعراب في المصحف، ويرى أن التقعيد النحوي بمعناه العلمي بدأ مع ابن أبي إسحاق الحضرمي، ثم نما على أيدي عيسى بن عمر وأبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب، حتى بلغ عند الخليل بن أحمد بناءه المحكم في الأصول والقياس والتعليل، وتلقّاه سيبويه فاستوعبه وطوّره في «الكتاب». ولا يكتفي ضيف بتتابع التراجم، بل يربط نشوء المدرسة بشروطها العلمية والثقافية، وباختيار مادتها اللغوية، وموقفها من الشاذ والقراءات، وطريقتها في إقامة القواعد على المطّرد من كلام العرب.
ويَعرض بعد ذلك نشأة المدرسة الكوفية، رافضًا تقديم بدايتها إلى عصر الرواسي ومعاذ الهراء، ومُرجِّحًا أن قيامها الحقيقي كان مع الكسائي والفراء؛ إذ استقلت بهما عن البصرة في سعة الرواية، ومقادير الأخذ بالقياس، وبعض المصطلحات وتصوير العوامل والمعمولات. ومن المقارنة بين المدرستين يكشف اختلاف منهجيهما في التعامل مع الشواهد والنوادر؛ فالبصريون أشد التزامًا بالمطّرد الذي تُستخلص منه القاعدة، في حين اتسع الكوفيون في قبول المسموع وبناء الأحكام على بعض ما ندر منه. ثم يرصد ما آل إليه الخلاف حين انتقلت الدراسة إلى بغداد، حيث نشأ منهج يقوم على الانتخاب من المذهبين والاجتهاد فيما وراءهما؛ فغلب الميل الكوفي على جيل ابن كيسان، ثم اشتدت النزعة البصرية مع الزجاجي وأبي علي الفارسي وابن جني، من غير أن يمنعهم ذلك من مخالفة البصريين أو الأخذ بقول الكوفيين حين يقودهم النظر إليه.
ويمتد هذا المسار إلى الأندلس، فيُبرز ضيف اتساع معرفة نحوييها بمذاهب السابقين وكثرة اجتهاداتهم وتعليلاتهم، ويقف عند محاولة ابن مضاء تخليص النحو من نظرية العوامل المقدّرة والعلل والأقيسة المعقدة، ثم يُفصِّل مكانة ابن مالك واختياراته، وما أعقبه من مناقشات أبي حيان واعتراضاته. ويختم بالمدرسة المصرية التي بدأت شديدة الصلة بالبصريين، ثم أخذت تمزج مذاهب البصرة والكوفة وبغداد، واتسع نشاطها في العصر الأيوبي، وبلغ ازدهارًا ظاهرًا في العصر المملوكي، ولا سيما مع ابن هشام بما امتاز به من إحاطة بمذاهب النحاة وقوة في المناقشة والتحليل والاستنباط، ثم ظل النشاط النحوي متصلًا بعده حتى العصر الحديث. وبهذا يرسم الكتاب تاريخ النحو من داخل أفكاره ومناهجه، فيتتبع انتقال القاعدة والمصطلح والخلاف من مدرسة إلى أخرى، ويصل بين سِيَر الأعلام وبين الإضافات التي أحدثها كل واحد منهم في بناء الدرس النحوي، دون أن يدخل في مشروعات العصر الحديث لتجديد النحو وتيسيره، إذ أفردها المؤلف من حيث المقصد لمجال آخر.