يُعرب مؤلفٌ مجهول الاسم في كتابه «العمدة في إعراب البردة» قصيدةَ «البردة» لشرف الدين أبي عبد الله البوصيري إعرابًا متتابعًا يستوعب أبياتها، ويضم إلى ذلك شرح ما تيسّر من غريب ألفاظها وضبط ما قد يشكل من كلماتها؛ ليسهل تناول القصيدة وفهمها وحفظها. وقد صرّح في مقدمته بهذا الغرض، ثم سمّى عمله «العمدة في إعراب البردة». ويرجح تقديم التحقيق أن صاحب الإعراب من علماء القرن الثامن أو التاسع الهجري، من غير أن يثبت له اسم معين.
ويبدأ المؤلف بإعراب البسملة قبل الدخول في أبيات القصيدة، فيعرض فيها اختلاف البصريين والكوفيين في تقدير متعلق الجار والمجرور، وينقل وجوهًا أخرى في الإعراب، ثم يمضي مع أبيات البردة بيتًا بيتًا، بدءًا من النسيب وانتهاءً بأبياتها الأخيرة. ويشرح وظائف الكلمات في التركيب، ويعيّن العوامل ومعمولاتها، ويبيّن متعلقات الظروف والجوار والمجرورات، وما يكون من حذف أو تقدير أو تقديم وتأخير، ويحدد مواقع الجمل وما يتصل بها من نعت وعطف وبدل وحال وتمييز ومفاعيل وغيرها. ولا يقتصر في مواضع الخلاف على وجه واحد، بل يذكر أكثر من احتمال إعرابي للكلمة أو التركيب حين يحتمله السياق، وينقل مذاهب بعض النحويين، كما يظهر أخذه بقول سيبويه في بعض المسائل وبمذهب البصريين في مواضع أخرى.
وتتجاوز عناية «العمدة» الإعرابَ المحض إلى ما يعين عليه من اللغة والتصريف والضبط؛ فينص على حركات الكلمات التي قد يلتبس نطقها، ويفسر الألفاظ الغريبة أو قليلة التداول، ويشرح أحيانًا أصل الصيغة أو سبب حركتها، كما يذكر بعض اختلاف النسخ. ومن أمثلة طريقته شرحه «العيس» بأنها كرام الإبل البيض التي يخالط بياضها شقرة، وبيانه ضبط «صَبا» ومعناها، ثم تنبيهه في موضع آخر إلى اختلاف النسخة بين «العيس» و«الركب». ويستعمل هذه المعاني اللغوية في توجيه الإعراب وربط أجزاء البيت، فلا ينفصل عنده تحليل الصناعة النحوية عن بيان المراد من اللفظ.
ويكشف الكتاب كذلك عن عناية بوجوه الإعراب التي تحتملها قراءة البيت؛ فقد يعرض الرفع والجر أو غيرهما بحسب موضع العطف، ويبيّن أثر كل توجيه في العامل والمعنى، كما يفسر بعض المصادر والمشتقات من جهة عملها. ومن ذلك ما نُقل في دراسة التحقيق عند بيت أبرهة من جواز رفع «عسكر» عطفًا على «أبطال» أو جره عطفًا على «أبرهة»، وفي موضع آخر جعل «نبذًا» مفعولًا مطلقًا لـ«رمى» لاتفاقهما في المعنى، مع بيان امتناع تعلق بعض الجوار والمجرورات بالمصدر المؤكد. وتبرز كثرة هذه المادة في الفهارس التي خُصصت للمسائل الإعرابية، ووجوه الإعراب، والصرف، إلى جانب الآيات والأحاديث والشواهد الشعرية والأعلام والبلدان.
وتشير دراسة المخطوط إلى أثر هذا الإعراب في بعض من جاء بعد صاحبه؛ إذ تظهر مشابهات واسعة بينه وبين شرح خالد الأزهري للبردة في الألفاظ والوجوه الإعرابية، حتى احتمل المحقق أن يكون الأزهري قد أفاد منه أو أن يكونا قد أخذا من أصل مشترك، كما أثبت تأثر بدر الدين الغزي به، وذكر صلته بما أورده الباجوري في حاشيته. وتظهر المقارنة في مسائل جزئية كثيرة، منها تعليق «كيف»، وإعراب «لولاه»، وتوجيه ألفاظ متعددة من أبيات القصيدة.