يعرض أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري في هذا الكتاب أشهر مواضع الاختلاف بين المدرستين البصرية والكوفية، ويقيم كل مسألة على عرض المذاهب وحجج أصحابها ثم مناقشتها والترجيح بينها. وقد ألّفه استجابة لطلب جماعة من المشتغلين بالعربية أن يلخص لهم كتابًا يجمع مشاهير المسائل الخلافية على نحو ترتيب كتب الخلاف الفقهي، فذكر من مذهب كل فريق ما اعتمد عليه أهل التحقيق، ثم نصر ما يختاره من قول البصريين أو الكوفيين، ملتزمًا الإنصاف في النظر إلى الحجج بعيدًا عن مجرد الانتصار لمدرسة بعينها.
ويجري في أكثر المسائل على بناء واضح متكرر؛ فيبدأ بقوله: «ذهب الكوفيون» و«ذهب البصريون»، وقد يضيف إلى الفريقين أقوالًا لبعض الأئمة إذا تعددت المذاهب داخل المدرسة نفسها، ثم يسوق حجة كل قول من السماع أو القياس أو التعليل، وبعد عرض الحجج ينتقل إلى الاعتراض والجواب. ويكثر في مناقشاته من إلزام الخصم بما يترتب على أصله، وطلب النظير في كلام العرب، والتمييز بين ما له شاهد وما لا نظير له، والنظر في فساد اللازم أو التناقض بين أصل القول وفرعه، ثم يصرح باختياره في مواضع عديدة، وقد يوافق الكوفيين في مسألة والبصريين في أخرى.
ويبدأ الكتاب بمسائل تتصل بأصول الأسماء والإعراب والعوامل، فيناقش اشتقاق لفظ «الاسم»: أمن الوَسْم كما قال الكوفيون أم من السمو كما قال البصريون، ثم يبحث إعراب الأسماء الستة، وإعراب المثنى وجمع المذكر السالم، وجمع العلم المؤنث بالتاء، والعامل في المبتدأ والخبر، ورافع الاسم بعد الظرف والجار والمجرور، وتحمل الخبر الجامد للضمير، وإبراز الضمير إذا جرى الوصف على غير صاحبه، وتقديم الخبر على المبتدأ، والعامل في الاسم الواقع بعد «لولا». وتكشف هذه المسائل المبكرة عن مركزية نظرية العامل في الخلاف بين المدرستين، واختلافهما في تفسير العلامة الإعرابية ومحلها ومصدر العمل.
ثم ينتقل إلى أبواب العمل في الجملة، فيبحث ناصب المفعول، والعامل في الاسم المشغول عنه، والتنازع وأي العاملين أولى بالعمل، وحقيقة «نعم» و«بئس» أهما فعلان أم اسمان، وحقيقة «أفعل» في التعجب وأحكام التعجب من الألوان. ويتناول بعد ذلك مسائل «كان» وأخواتها و«ليس» و«ما» النافية و«إن» وأخواتها ولام الابتداء و«لعل»، وما يجوز فيها من تقديم الخبر أو معموله والعطف على الاسم وتخفيف العامل. كما يناقش أصل الاشتقاق أهو الفعل أم المصدر، وهي من المسائل التي يمتد أثرها من النحو إلى التصريف والاشتقاق.
ويفصل جملة من أبواب المنصوبات والأساليب، فيبحث العامل في الظرف والمفعول معه والحال والمستثنى، وتقديم الحال، ووقوع الماضي حالًا، وأوجه الإعراب عند اجتماع الصفة الصالحة للخبرية مع الظرف، ثم يعالج «إلا» و«حاشا» و«غير» و«سوى» واختلاف النحويين في حقيقتها وعملها. ويتناول «كم» وتمييزها، والعدد المركب وإضافته وتعريفه، ثم ينتقل إلى النداء والترخيم والندبة، فيناقش بناء المنادى المفرد العلم، ونداء المحلى بـ«أل»، والميم في «اللهم»، وترخيم المضاف والثلاثي والرباعي، وندبة النكرة والموصول وإلحاق علامة الندبة بالصفة.
ويتتبع بعد ذلك حروف الجر والقسم والإضافة والتوابع، فيبحث دخول «من» على الزمان، والعامل في المجرور بعد واو «رب»، وإعراب الاسم بعد «مذ» و«منذ»، وعمل حرف القسم إذا حذف، وحقيقة اللام الداخلة على المبتدأ، و«أيمن» في القسم. ثم يناقش الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وإضافة الاسم إلى ما يوافقه في المعنى، وحقيقة «كلا» و«كلتا»، وتوكيد النكرة، وزيادة واو العطف، والعطف على الضمائر، ودلالات «أو» و«لكن»، قبل أن يعرض مسائل تتصل بصرف «أفعل» ومنع المنصرف في ضرورة الشعر.
ويخصص طائفة واسعة من المسائل للفعل المضارع وأدواته، فيبحث بناء فعل الأمر وإعرابه، وعلة إعراب المضارع وعامل رفعه، وناصبه بعد واو المعية وفاء السببية ولام التعليل ولام الجحود و«حتى»، وحذف «أن» المصدرية وإظهارها، واستعمال «كي» و«كما». ويعالج عامل الجزم في جواب الشرط، والعامل في الاسم المرفوع بعد «إن» الشرطية، وتقديم بعض أجزاء جواب الشرط، وتقديم المفعول بالجزاء على حرف الشرط، ودلالات «إن» و«كيف»، ثم يتناول السين و«سوف» ونوني التوكيد وما يعرض لبنية المضارع من حذف.
ويتابع البحث في الضمائر وأسماء الإشارة والموصولات، فيناقش أصل بناء «ذا» و«الذي» و«هو» و«هي»، والضمائر بعد «لولا»، وحقيقة الضمير في «إياك» وأخواتها، ويورد المسألة الزنبورية ضمن مسائل الخلاف، ثم يبحث ضمير الفصل ومراتب المعارف، وبناء «أي» الموصولة، واستعمال أسماء الإشارة موصولات، وصلة الاسم المحلى بـ«أل». وفي هذه المواضع لا ينحصر الخلاف في العلامة الإعرابية، بل يمتد إلى تصنيف الكلمة نفسها وإلى تفسير ما حذف من التركيب أو قُدّر فيه.
وتتجه المسائل الأخيرة إلى مباحث صوتية وصرفية دقيقة، فيبحث همزة «بين بين»، والوقف بنقل الحركة، وأصل حركة همزة الوصل ونقلها إلى الساكن قبلها، ومد المقصور في ضرورة الشعر، وتثنية المقصور والممدود، وتأنيث بعض الأبنية بغير علامة ظاهرة. ثم يتناول علة حذف الواو من «يعد»، وأوزان الخماسي والرباعي، والحروف الأصلية والزوائد، ووزن «سيد» و«ميت» و«خطايا»، وأصل «إنسان»، وينتهي أصل الكتاب بمسألة وزن «أشياء»، وهي من أطول مسائل التصريف القائمة على مقابلة الأقيسة وتتبع صور الجمع والتصغير والقلب.
ويعتمد ابن الأنباري في بناء الحجج على القرآن الكريم والقراءات والشعر وكلام العرب، إلى جانب القياس الصرفي والنحوي. ويختبر الشاهد من جهة دلالته على محل النزاع، وقد يرد الاحتجاج إذا احتمل وجهًا آخر، أو إذا كان الاستدلال قائمًا على أصل لا يقره صاحبه نفسه، أو إذا أمكن حمل الكلام على حذف أو تقدير يخرجه عن موضع الخلاف. كما يكثر من الاحتجاج بالنظير، فيفضل الوجه الذي تشهد له نظائر العربية، ويعارض ما يؤدي إلى أصل لا نظير له، ويستعمل التعليل الصوتي والصرفي في مباحث القلب والحذف والإبدال كما يستعمل الدلالة والمعنى في مسائل التراكيب والعوامل.
وينتهي أصل الكتاب بعد المسألة 118، «وزن أشياء»، حيث يصرح الأنباري بأنه بلغ منتهى ما أراد جمعه، وأنه اقتصر على هذا المقدار مع تشعب أبواب الخلاف مراعاةً لرغبة الطلبة في سرعة الفراغ وكثرة الشواغل عن الاستقصاء. ثم يثبت النص ثلاث مسائل وُجدت زيادةً في بعض النسخ، فتصير المسائل المثبتة فيه 121 مسألة؛ وهي: وجه نصب خبر «كان» والمفعول الثاني لـ«ظننت»، وتقديم التمييز إذا كان عامله فعلًا متصرفًا، والقول في «رب» أاسم هي أم حرف. وبذلك يجمع «الإنصاف» مسائل متفرقة من الإعراب والعوامل والأدوات والأساليب والتصريف والأصوات في صورة مناظرات نحوية متتابعة، تكشف مواضع اتفاق المدرستين واختلافهما، وأصول كل فريق في الاستدلال، ثم تمتحن تلك الأصول بالحجة والسماع والقياس.