يقيم محمد بن يزيد المبرّد كتابه «المقتضب» على «تفسير وجوه العربية وإعراب الأسماء والأفعال»، فيبدأ من أقسام الكلام الثلاثة وما يعرب منها وما يبنى، ثم يجعل القاعدة النحوية مدخلًا إلى تفسير الاستعمال لا حكمًا مجردًا عنه. فإذا قرر وجهًا أتبعَه بعلته، وقاس عليه نظائره، واختبره في تراكيب متعددة، وكثيرًا ما يصوغ اعتراضًا محتملًا ثم يجيب عنه، أو يضع المسألة في صورة تطبيقية تكشف أثر اختلاف العامل أو الرتبة أو الضمير أو المعنى في الإعراب. ويحتج بالقرآن الكريم وقراءاته والشعر وكلام العرب، ويعرض أقوال الخليل وسيبويه والمازني والأخفش ويونس وغيرهم، فلا يكتفي بحكاية الخلاف، بل يناقش حجج أصحابه ويرجح ما يراه موافقًا للقياس والسماع؛ ففي خلاف سيبويه والأخفش في «ما» المصدرية، مثلًا، يصرح بأن القياس والصواب مع سيبويه، وفي مسائل أخرى يخالف سيبويه نفسه ويستدل على مخالفته. كما يكثر من رد الجزئيات إلى أصول عامة يمكن أن يقاس عليها ما يستجد من مسائل، حتى إنه يفرد مسائل طويلة «يمتحن بها المتعلمون»، ويصرح في مواضع بأن إحكام الأصل هو الذي تستقيم عليه الفروع.
وتتشعب مادة «المقتضب» في النحو والتصريف تشعبًا واسعًا؛ فمن الإعراب والتثنية والجمع والفاعل والمفعول والعطف والبدل والصلة والموصول ينتقل المبرّد إلى أبنية الكلمات وأوزانها، وحروف الزيادة والبدل، والمعتل والمهموز، والإعلال والقلب والحذف، ومخارج الحروف والإدغام، ثم يعود إلى إعراب المضارع ونواصبه وجوازمه والجزاء وأدواته، وأبنية الأفعال ومصادرها وأسماء الفاعلين، والأمر والنهي ونعم وبئس والعدد وجموع التكسير والتصغير والاستفهام والقسم ونوني التوكيد والإمالة. ويستوفي بعد ذلك أبوابًا دقيقة في كان وأخواتها وإن وأخواتها، والمسند والمسند إليه، والإضافة، وعمل اسم الفاعل والصفة المشبهة، والحال والتمييز والتعجب، ثم النداء والاستغاثة والندبة والمعرفة والنكرة والصفات والظروف و«لا» النافية للجنس والاستثناء بصوره المتعددة. ولا تسير هذه الأبواب في صورة مختصر تعليمي يورد الحكم ثم يمضي، وإنما تتسع المسألة فيه إلى فروعها واحتمالاتها وما يلتبس بها؛ فيفرق بين ما يصح باللفظ وما يصح بالمعنى، وبين ما يجيزه القياس وما يثبت بالسماع، وبين الجائز والمختار والضعيف والممتنع، ويجعل سلامة المعنى نفسها ميزانًا في عدد من التراكيب، حتى يقرر في باب الحال أن ما صح به المعنى فهو جيد وما أفسده فهو مردود.