يحرّر ابن تيمية في "الرسالة الأكملية" الضابط الذي تُعرف به صفات الكمال الواجبة لله تعالى وصفات النقص الممتنعة عليه، فيقرر أن لله تعالى أقصى ما يمكن من الكمال، وأن كل كمال ممكن الوجود لا يتضمن نقصًا فهو ثابت له، ونقيضه منتفٍ عنه. ويستدل لذلك بالسمع والعقل، ويبيّن أن الخالق أولى بكل كمال خالٍ من النقص يثبت للمخلوق؛ لأنه واهب ذلك الكمال ومصدره، مع اختصاص كماله بما يليق به من غير مماثلة لخلقه. وعلى هذا الأصل يفسر دلالة الحمد والمثل الأعلى، ويميز بين الكمال المطلق وبين ما يكون كمالًا لبعض المخلوقات لما يقترن به من حاجة أو افتقار، كالأكل والشرب ونحوهما.
ويطبّق هذا الضابط على الاعتراضات التي أقامها الفلاسفة والمعتزلة والكُلّابية وغيرهم لنفي الصفات، فيناقش دعوى الافتقار والتركيب وقيام الأعراض والحوادث، ويبحث صفات الأفعال والصفات الخبرية، والمحبة والرضا والرحمة والغضب والضحك، مبيّنًا أن ما يقترن بهذه المعاني في المخلوق من ضعف أو حاجة لا يلزم منه ثبوته في حق الله تعالى. ويتسع البحث إلى الحكمة والعدل والقدرة والمشيئة، وإلى شبهة منكري النبوات، فيجعل إرسال الرسل من دلائل كمال القدرة والرحمة والإحسان، كما يرد على من جعل عظمة الله تعالى مقتضية لاتخاذ الوسائط والشفعاء، مؤكدًا أن كمال غناه وقدرته يقتضي سماعه لعباده وإحسانه إليهم من غير حاجة إلى حجاب أو واسطة.