
نبذة عن الكتاب:
يناقش محمَّد أحمد باشميل في كتاب «كيف نفهم التَّوحيد؟» معنى توحيد العبادة وما يناقضه من صرف الدُّعاء والاستغاثة والذَّبح والنَّذر وغيرها لغير الله عزَّ وجلَّ، مركِّزًا على الممارسات المرتبطة بالأضرحة والقبور ودعاء الأنبياء والأولياء والصَّالحين. ويبيِّن أنَّ منشأ الخلل هو الجهل بحقيقة العبادة والشِّرك الذي وقع فيه مشركو العرب، وأنَّ تغيير أسماء بعض الممارسات إلى توسُّل أو تبرُّك لا يغيِّر حقيقتها إذا كانت تتضمَّن صرف العبادة لغير الله عزَّ وجلَّ. وقد صرَّح في المقدِّمة بأنَّ غرضه من الكتاب تنبيه من وقع في هذه الأعمال إلى منافاتها للتَّوحيد، وبيان حقيقة العبادة والشِّرك، والدَّعوة إلى إفراد الله عزَّ وجلَّ بالعبادة.
ويصوغ مادَّته في صورة حوار طويل بينه وبين صاحب له كان يخالفه في حكم دعاء الأموات والاستغاثة بهم والذَّبح والنَّذر لهم. وينطلق الحوار من اعتراض أساسي: كيف يكون من يفعل ذلك مشركًا مع إقراره بأنَّ الله عزَّ وجلَّ وحده هو الخالق والرَّازق والمحيي والمميت، وأنَّ الأولياء لا يملكون شيئًا من خصائص الرُّبوبيَّة؟ ومن هذا السُّؤال تتفرَّع بقيَّة المناقشة، فيورد المحاور اعتراضًا أو شبهةً، ثمَّ يجيب المؤلِّف عنها مستدلًّا في المقام الأوَّل بآيات القرآن الكريم.
ويفرِّق بين توحيد الرُّبوبيَّة وتوحيد العبادة، مقرِّرًا أنَّ مجرَّد الإقرار بوجود الله عزَّ وجلَّ وانفراده بالخلق والرِّزق والتَّدبير لا يحقِّق التَّوحيد الذي جاءت به الرُّسل عليهم السَّلام. ويستدلُّ بآيات تدلُّ على أنَّ مشركي العرب كانوا يعترفون بأنَّ الله عزَّ وجلَّ خالق السَّماوات والأرض ومدبِّر الأمر ومالك النَّفع والضُّر، ومع ذلك وصفهم القرآن الكريم بالشِّرك. ومن هنا يجعل محلَّ النِّزاع الحقيقي في العبادة: لمن يتوجَّه الإنسان بالدُّعاء والخوف والرَّجاء والذَّبح والنَّذر والاستغاثة؟
وتحتلُّ المقارنة بين مشركي الجاهليَّة ومن يسمِّيهم المؤلِّف «القبوريِّين» جانبًا كبيرًا من الكتاب. فيقرِّر أنَّ شرك الأوَّلين لم يكن ناشئًا عن إنكار الله عزَّ وجلَّ أو اعتقاد وجود خالق آخر معه، بل عن اتِّخاذ وسائط وشفعاء يتقرَّبون إليهم ليقرِّبوهم إلى الله عزَّ وجلَّ. ويقابل ذلك بمن يدعو وليًّا ميتًا أو يستغيث به أو يذبح وينذر له طلبًا لشفاعته أو توسُّطه، ويقرِّر أنَّ اتِّحاد العمل والمقصد لا يغيِّره اختلاف الاسم الذي يطلقه صاحبه على فعله.
ويستعين المؤلِّف بتجربة شخصيَّة لتوضيح المسألة، فيروي رحلةً بحريَّةً شهد خلالها اضطراب السَّفينة ولجوء بعض ركَّابها إلى أحد الأولياء المتوفَّين، يدعونه وينذرون له طلبًا للنَّجاة. ويجعل الواقعة مثالًا عمليًّا لما يناقشه، ثمَّ يردُّ على تفسير ما حدث بكرامة الولي أو حضوره لإنقاذ المستغيثين، ويفرِّق بين إثبات كرامات الأولياء من حيث الأصل وبين دعائهم بعد موتهم وطلب كشف الكرب منهم.
ويحدِّد مفهوم العبادة من خلال الأفعال التي كانت تصدر من المشركين تجاه معبوداتهم، وعلى رأسها الدُّعاء والذَّبح والنَّذر والطَّواف والخوف والرَّجاء والتَّضرُّع. ويستدرج محاوره إلى الإقرار بأنَّ هذه الأعمال كانت من عبادة المشركين لغير الله عزَّ وجلَّ، ثمَّ يقارنها بالأعمال نفسها حين تتوجَّه إلى أصحاب القبور. وبذلك يجعل حقيقة الفعل وقصده أساس الحكم، لا الاسم الذي يطلقه الفاعل عليه؛ فالتَّوسُّل أو التَّبرُّك في التَّسمية لا يخرجان الفعل عن العبادة إذا تحقَّقت فيه حقيقتها.
ويردُّ على الاعتراض القائل إنَّ آيات الشِّرك نزلت في مشركي العرب ولا تنطبق على المنتسبين إلى الإسلام، فيستند إلى عموم الخطاب القرآني، ويقرِّر أنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، وأنَّ الحكم يتعلَّق بوجود علَّته. وعلى هذا الأساس لا يجعل مجرَّد الانتساب إلى الإسلام أو النُّطق بالشَّهادتين مانعًا من وصف فعل معيَّن بالشِّرك إذا كان هو الفعل نفسه الذي وصفه القرآن الكريم بأنَّه عبادة لغير الله عزَّ وجلَّ.
ويفنِّد التَّفريق بين من كان يدعو صنمًا في الجاهليَّة ومن يدعو نبيًّا أو وليًّا صالحًا؛ إذ يعترض محاوره بأنَّ الأصنام أحجار لا منزلة لها عند الله عزَّ وجلَّ، في حين أنَّ الأنبياء والصَّالحين لهم فضل ومكانة. ويردُّ المؤلِّف بأنَّ النَّهي يتعلَّق بصرف العبادة لغير الله عزَّ وجلَّ، بصرف النَّظر عن منزلة المدعو، ثمَّ يثبت أنَّ عددًا من أصنام الجاهليَّة ارتبط أصلًا بأسماء أشخاص عُظِّموا أو عُدُّوا من الصَّالحين، مستشهدًا بما أورده عن ودٍّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر واللَّات.
ويفصِّل العلاقة بين الولي والصَّنم، فيوضِّح أنَّ التِّمثال أو النُّصب لم يكن دائمًا هو المقصود لذاته، بل كان في حالات رمزًا للشَّخص الذي عُظِّم وأقيم باسمه. ومن هنا يقارن بين العكوف على الأنصاب والتَّماثيل في الجاهليَّة والعكوف على القبور والأضرحة، موضِّحًا أنَّ المقصود في الحالتين هو صاحب الاسم الذي يُدعى ويُرجى ويُطلب منه. كما يناقش اعتراضًا مستندًا إلى الآيات التي تصف المشركين صراحةً بعبادة الأصنام، ويجيب بأنَّ وصفهم بعبادة الأصنام لا ينفي تعلُّق العبادة بمن مثَّلتهم تلك الأصنام.
وتتَّسع المناقشة للألفاظ المختلفة التي استعملها القرآن الكريم لمعبودات المشركين؛ كالولي والشَّريك والإله والصَّنم والوثن والطَّاغوت والشَّفيع. وينقل المؤلِّف في هذا الموضع عن عبد الرحمن الوكيل تفسيرًا لاختلاف هذه الأوصاف باختلاف الاعتبار، ليبيِّن أنَّ تعدُّد الأسماء لا يعني اختلاف حقيقة المعبود من دون الله عزَّ وجلَّ، وأنَّ الفتنة بالصَّالحين وتعظيمهم على وجه يتجاوز المشروع كانت من أسباب نشأة عبادة الأصنام.
ويركِّز «كيف نفهم التَّوحيد؟» على هذه القضيَّة أكثر من استيعابه لجميع أبواب التَّوحيد؛ فهو حوار عقدي يتدرَّج من إثبات إقرار مشركي الجاهليَّة بتوحيد الرُّبوبيَّة، إلى بيان حقيقة الشِّرك الذي وقعوا فيه، ثمَّ مقارنة أعمالهم بدعاء الأموات والاستغاثة بهم واتِّخاذهم وسائط وشفعاء. ويستمرُّ الحوار عبر الاعتراض والجواب والمقارنة والاستدلال بالنُّصوص والآثار، ليقرِّر أنَّ فهم التَّوحيد لا يكتمل بمجرَّد الإقرار بأنَّ الله عزَّ وجلَّ هو الخالق والمدبِّر، بل بإفراده بالعبادة وعدم صرف شيء منها إلى غيره.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














