
نبذة عن الكتاب:
يُرَتِّب علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي في «ميزان الأصول في نتائج العقول» مسائل أصول الفقه على منهج يجمع بين الأصول الاعتقادية والفروع الفقهية، وينطلق من أن أصول الفقه لا تنفصل عن أصول الكلام؛ لأن طريقة المصنف في بناء القواعد الأصولية تتأثر بما يعتقده في مسائل التوحيد والحسن والقبح والتكليف وأفعال العباد. ولذلك قصد إلى عرض أصول الحنفية على الطريقة التي يراها موافقة لأهل السنة، مع بيان مذاهب المخالفين وحججهم، والتنبيه إلى ما يتسرب إلى القواعد الفقهية من خلل إذا لم يُحْكَم أصلها النظري. وهذا الكتاب هو «المختصر» الذي استخرجه من عمل أوسع؛ إذ رأى أن الإطالة تناسب المنتهي، بينما يحتاج المبتدئ إلى متن أيسر ضبطًا، فحذف الزوائد مع إبقاء ما يحقق المقصود من الأقوال والدلائل.
ويجعل الكتاب في بنائه العام الحكمَ الشرعي وما يُعرَف به قطبي علم الأصول، ثم يُلحق بهما ما يتعلق بدفع التعارض الظاهر بين الأدلة، وأهلية من تتوجه إليه الأحكام وكيفية تعلقها بأسبابها. ولهذا ينتظم في أربعة أقسام كبرى: بيان الأحكام، وبيان ما تُعرَف به الأحكام، والتعارض بين الأدلة وما يتصل به من النسخ والترجيح، ثم أهلية الأحكام والأسباب. ولا يكتفي السمرقندي في المسألة بنقل المذهب، بل يعتني بتفسير المصطلح لغةً وشرعًا، وتحديد حقيقته عند الفقهاء والمتكلمين، ثم يعرض الأقوال المختلفة وما تستند إليه من حجج، ويختار بينها على أساس ما يقرره من أصول.
ويفتتح بحث الأحكام بتحرير معنى الحكم نفسه، ومناقشة صلته بالحاكم والمحكوم والفعل، ثم يستعرض أشهر أنواعه، ومن ذلك الفرض والواجب والمندوب والسنة والنفل والتطوع وما يقابلها من أحكام المنع. ويظهر في هذا الباب التداخل الوثيق بين علم الأصول والكلام؛ إذ تتصل مسائل الحكم عنده بالبحث في الحسن والقبح، ومعرفة الأحكام بالعقل والشرع، وقدرة المكلف واختياره، وما يصح أن يتعلق به التكليف. كما يتناول ما يتصل بالفعل من الأداء والقضاء وأحكام الوقت، ويميز بين ما يختص بعلم الأصول وبين أوصاف أخرى كالمِلك والمالية والتقوم والحرية والرق التي يحيل تفصيلها إلى الفقه والخلاف.
ثم ينتقل إلى «ما يعرف به الأحكام»، فيبدأ بضبط ألفاظ الدليل والحجة والبينة والبرهان والآية والعلامة والعلة والسبب والشرط واستصحاب الحال، لتمييز مراتبها ووظائفها في الاستدلال. ويجعل الأصول الكبرى التي تعرف بها الأحكام الكتاب والسنة والإجماع، ثم يجعل القياس الشرعي فرعًا عنها، مع تناوله كذلك شرائع من قبلنا، وقول الصحابي رضي الله عنه، واستصحاب الحال وما يتصل بها من وجوه الاستدلال. ويبحث كل دليل من جهة حجيته وكيفية دلالته على الحكم، فلا يقتصر على إثبات الأصل بل يتعقب الطريقة التي ينتقل بها المجتهد من النص أو الأصل إلى النتيجة الفقهية.
ويُفَصِّل في دلالات الكتاب وأحوال ألفاظه، فيبحث الخاص والعام والمشترك والمؤول، وما يقابل وضوح الدلالة أو خفاءها من الظاهر والنص والمفسر والمحكم، والخفي والمشكل والمجمل والمتشابه. ويتصل بذلك الكلام في الحقيقة والمجاز، وصيغ الأمر والنهي، والتخصيص والبيان، وما يقع بين العام والخاص من علاقة، ومتى يكون النص الثاني بيانًا ومتى يحتمل النسخ. ويوازن في هذه المباحث بين طريقة مشايخ الحنفية وغيرهم، ولا سيما الشافعي، ويجعل درجة دلالة اللفظ وقوة احتمال التخصيص أو المجاز مؤثرة في الحكم على التعارض والترجيح.
وفي السنة يعالج مراتب الأخبار وما يترتب على كل مرتبة من العلم والعمل، فيفرق بين المتواتر والمشهور وخبر الواحد، ويناقش منزلة الخبر المشهور بين المتواتر والآحاد وما إذا كان يفيد العلم القطعي أو علم الطمأنينة. ويبحث شروط قبول الخبر وموقع فقه الراوي وضبطه وإتقانه، وما يقع عند اختلاف الروايات، فلا يجعل كثرة الطرق وحدها مرجحًا مطردًا، بل يزن وجوه الترجيح بحسب قوة الدلالة وحال الراوي وما يؤيد الخبر من دليل أعلى. ويستعمل التطبيقات الفقهية والحديثية لإظهار أثر هذه القواعد في العمل، لا بوصفها تقسيمات نظرية مجردة.
ويجعل الإجماع حجة قطعية متى تحقق وصف الإجماع حقيقة، ثم ينتقل إلى القياس بوصفه أوسع أبواب الاجتهاد في غير المنصوص. ويبحث حقيقته ومشروعيته وأنواعه وركنه وشروطه وحكمه، ثم يعتني بالعلة عناية كبيرة؛ فيحدد معناها ووظيفتها، ويفرق بينها وبين السبب والشرط، ويبحث الطرق التي تُعرَف بها العلل الشرعية. ويقرر أن كون الوصف علةً حكم شرعي لا يثبت بمجرد وجود الوصف في الخارج، وإنما يعرف بالنص أو بطريق معتبر من الاستدلال، ثم يوازن بين العلل بحسب أثرها وقوة مناسبتها للحكم. ويتصل بذلك الاستحسان عند الحنفية من حيث كونه عدولًا عن قياس إلى ما هو أقوى أثرًا، فلا تكون العبرة بمجرد الاسم «قياسًا» أو «استحسانًا»، وإنما بقوة ما يقوم عليه الحكم.
ويخص التعارض بباب مستقل؛ لأن التعارض الحقيقي في أدلة الله تعالى وأحكامه غير متصور، وإنما الذي يقع للمجتهد تعارض في الظاهر يحتاج إلى كشف وجه دفعه. ولهذا يبحث المعارضة ثم النسخ ثم الترجيح، ويميز بين النصوص القطعية والأخبار الآحادية والأقيسة. فإذا أمكن الجمع أو معرفة الناسخ عمل به، وإذا تعارض دليلان ظنيان أمكن الترجيح بينهما، أما عند تعارض القياسين فالصحيح منهما واحد وإن لم يظهر ابتداءً، ويكون سبيل معرفته الترجيح. وإذا لم يجد المجتهد وجهًا صحيحًا لدفع التعارض وجب عليه التوقف حتى يظهر له المخلص.
ويعرض في الترجيح طائفة واسعة من الموازين المتعلقة بالدليل والراوي والمدلول؛ فيرجح الخبر الذي يؤيده دليل أقوى، ورواية الفقيه عند الحاجة إلى فهم المعنى، ورواية الأضبط فيما يفتقر إلى شدة الحفظ، ويناقش الترجيح بكثرة الرواة والإثبات على النفي، ويرد بعض وجوه الترجيح التي لا أثر لها في قوة الحجة. وفي الأقيسة تكون قوة تأثير العلة هي الأساس، وقد يعمل أصحاب الحنفية بالقياس في موضع وبالاستحسان في آخر تبعًا لقوة الأثر، كما يستعمل الاحتياط عند استواء وجوه معتبرة في مسائل الحرمة والعبادة وبقاء الواجب.
ويختم ببحث أهلية الأحكام وكيفية تعلقها بالأسباب، فيعرض تقسيم الأهلية إلى أهلية وجوب وأهلية أداء، ويناقش حقيقة كل منهما وعلاقتها بالذمة والعقل والقدرة على فهم الخطاب والقدرة على تحصيل الفعل. ويتفرع من ذلك الكلام في الصبي والمجنون والمغمى عليه والعاجز، والفرق بين أصل ثبوت الحكم ووجوب أدائه، وما تجري فيه النيابة وما لا تجري. ثم يحرر معنى إضافة الأحكام إلى الأسباب والعلل، مؤكدًا أن الموجب والشارع هو الله تعالى، وأن الأسباب ليست مستقلة بإيجاد الحكم، وإنما جعلها الله تعالى علامات تعرف بها أحكامه في مواضعها، وبذلك يربط خاتمة الكتاب بأصله الذي جعل أصول الفقه قائمة على إحكام الصلة بين الاعتقاد الصحيح، والدليل الشرعي، والتفريع الفقهي.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














