
نبذة عن الكتاب:
يقرِّر عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذه الرسالة وجوب اتِّباع ما ثبت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ يعالج الشُّبه المتعلِّقة بالاكتفاء بالقرآن وردِّ السُّنَّة، قبل أن ينتقل إلى تقسيم الأخبار ومراتب إفادتها للعلم، وينتهي إلى بحث أخبار الآحاد وحجِّيَّتها وما أُثير حول قبولها من اعتراضات. ويعتمد في مناقشاته على النُّصوص الشَّرعيَّة، وعمل الصَّحابة رضي الله عنهم، وقواعد الرِّواية، مع مناقشة عبارات الأصوليِّين وتقسيماتهم والتَّفريق بين الاحتمال المجرَّد والاحتمال الذي تسنده قرينة.
يبدأ بفرض اتِّباع السُّنَّة، ويقرِّر أنَّ المسلمين لم يختلفوا في وجوب اتِّباع ما ثبت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويستدلُّ بالآيات الآمرة بطاعته واتِّباعه والتَّسليم لحكمه، وبما جاء في السُّنَّة من التَّحذير ممَّن يردُّ الحديث بدعوى الاكتفاء بكتاب الله تعالى. ويذكر ظهور طائفة في الهند تسمِّي نفسها «أهل القرآن»، ثمَّ يبيِّن أنَّ القرآن نفسه يأمر بطاعة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، ويجعل ردَّ السُّنَّة كلِّها مناقضًا لهذه الآيات، مع تنبيهه إلى أنَّ مقصود الرِّسالة ليس استقصاء الرَّدِّ على من يرفض السُّنَّة جملةً، وإنَّما مناقشة أمور قد يتشبَّث بها من يميل إلى هذا القول أو يشكِّك بها غيره.
ويردُّ على الاحتجاج بالآيات التي تصف القرآن بأنَّه تبيان لكلِّ شيء وتفصيل له، فلا يرى فيها ما يدلُّ على الاستغناء عن السُّنَّة؛ لأنَّ فرض اتِّباعها ثابت، وفيها أحكام وبيانات ليست مفصَّلةً في القرآن. ويناقش كذلك استبعاد أن يذكر القرآن أخبار الأمم وبعض فروع الأحكام، ولا يذكر بالتَّفصيل عدد ركعات الصَّلاة وأركانها وصفة الحجِّ ونحو ذلك، ويردُّ بأنَّ ثبوت التَّكليف باتِّباع السُّنَّة يرفع هذا الاستبعاد، وأنَّ جهل الإنسان بالحكمة لا يدلُّ على انتفائها. ويتوسَّع هنا في الكلام على الابتلاء والحكمة من وجود الشُّبه، وأحوال النَّاس في مواجهتها، وسبب تحذير علماء السَّلف من سماع الشُّبه ومجالسة أهلها.
ويناقش شبهة عدم تدوين السُّنَّة في عهد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وما رُوي من النَّهي عن كتابتها، وعدم جمع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه لها في كتاب. ويذكر أنَّ حديث النَّهي عن الكتابة أعلَّه البخاري وغيره بالوقف على أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، في مقابل الأحاديث الواردة في الإذن بالكتابة. أمَّا عدول عمر رضي الله عنه عن جمع السُّنن بعد استشارة الصَّحابة رضي الله عنهم، فيفسِّره بخشيته أن ينصرف النَّاس عن القرآن، ويضيف أنَّ استيعاب السُّنَّة في كتاب واحد آنذاك لم يكن متيسِّرًا لكثرتها وتفرُّق من حملها، وأنَّ الاقتصار على ما يُجمع منها كان يمكن أن يؤدِّي إلى ردِّ ما لم يدخل في ذلك الجمع.
ويتناول قول عمر رضي الله عنه في مرض النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «عندنا كتاب الله حسبنا»، فيرفض حمله على ردِّ السُّنَّة، مستدلًّا بما تواتر من امتثال عمر رضي الله عنه للسُّنَّة واحتجاجه بها في حياة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبعد وفاته. ويفسِّر موقفه بأنَّه رأى أنَّ الدِّين قد كمل، وأنَّ ما أراد النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كتابته لا بدَّ أن يكون من قبيل التَّذكير أو التَّأكيد، مع شِدَّة مرضه. ويعالج كذلك ما ورد عن عمر رضي الله عنه من الأمر بالإقلال من الرِّواية، فيحمله على الاحتياط وخشية الاشتغال عن القرآن وكثرة الزَّلل في الرِّواية، لا على إنكار حجِّيَّة الحديث.
ثمَّ يبحث تقسيم الأخبار إلى ما يُقطع بكذبه، وما يُقطع بصدقه، وما لا يُقطع فيه بأحدهما. ففي الخبر الذي يخالف برهانًا يقينيًّا يرى أنَّ الخلل إمَّا أن يكون في الإسناد، وإمَّا أن يكون قد وقع في المتن من زيادة أو نقص أو تقديم أو تأخير أو تبديل غيَّر معناه. ويناقش كذلك القول بكذب الخبر إذا نُقِّب عنه فلم يوجد عند أهل الحديث، والقول بردِّ الخبر الآحادي إذا كانت العادة تقتضي اشتهاره وتواتره، وينبِّه إلى ضرورة التَّثبُّت؛ فقد تقع الحادثة ولا يشهدها إلَّا أفراد، أو يشهدها جماعة ولا ينتبه إليها إلا بعضهم، أو لا يرون لنقلها حاجةً لكونها معلومةً بينهم.
ويعرض بعد ذلك الأخبار المقطوع بصدقها، فيبدأ بخبر الله تعالى وخبر النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويفرِّق في الخبر النَّبوي بين الإخبار عن الوحي وبين ما يصرِّح فيه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأنَّه ظنٌّ في أمر دنيوي. ويستدلُّ بقصَّة تأبير النَّخل وغيرها على إمكان وقوع الظَّنِّ في الأمور الدُّنيويَّة، أمَّا الحكم الشَّرعي فيقرِّر عصمة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيه؛ فإذا قيل بجواز اجتهاده في بعض أمور الدِّين، لم يجز أن يقرَّه الله تعالى على خطأ فيه.
ويفصِّل القول في المتواتر، فيعرِّفه بخبر الجماعة التي يستحيل في العادة تواطؤها على الكذب عن أمر محسوس، ثمَّ يناقش أثر العدد والقرائن في حصول العلم. ولا يجعل كثرة العدد وحدها مناطًا مستقلًّا، بل يلاحظ ما يحيط بالخبر من القرائن الموافقة والمخالفة، ويرى أنَّ المدار في النِّهاية على حصول العلم. كما يشرح تعدُّد صور التَّواتر، واختلاف ألفاظ الرُّواة مع اتِّحاد المعنى، والتَّواتر المعنوي، واشتراط تحقُّق شروط التَّواتر في طبقات الإسناد إذا تعدَّدت.
ويثبت إمكان إفادة خبر الآحاد العلم إذا احتفَّت به القرائن، ويعدُّ من تلك القرائن عدالة المخبر وصدقه وإتقانه، وانتفاء الهوى في خبره، وكون الواقعة متعلِّقةً به، ووجود الشَّواهد الموافقة، وموافقة ظاهر القرآن، وعمل الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين بالحديث، وحكم أئمَّة الحديث بصحَّته. ويذكر أنَّ طول ممارسة المحدِّث لكلام النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأحوال الرِّجال يكسبه تمييزًا في نقد الأخبار، ويضرب مثالًا باجتماع احتجاج مالك والثَّوري والشَّافعي وأحمد بحديث وتصحيح البخاري ومسلم له، ثمَّ انضمام عمل بعض الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين إليه، وما يضيفه ذلك كلُّه من قوَّة إلى الخبر.
ويبحث أثر تلقِّي الحديث بالقبول والإجماع على صحَّته أو على الحكم الذي دلَّ عليه. ولا يسلِّم بأنَّ مجرَّد تأويل العالم للحديث يثبت تصحيحه؛ فقد يتأوَّله مع توقُّفه فيه أو مع تضعيفه له، كما أنَّ الإجماع على حكم لا يستلزم وحده صحَّة كلِّ حديث ورد فيه. لكنَّه يرى أنَّ اجتماع صحَّة النَّقل، وعدم معرفة مخالف بعد البحث، وعمل جماعة من أهل العلم بمقتضى الخبر، من أقوى ما يؤيِّده، ويناقش ما يترتَّب على ذلك في النَّسخ وإثبات الأحكام والتَّعارض مع دليل آخر.
ويفرد لأخبار الآحاد بحثًا مستقلًّا بعد الفراغ من مراتب الأخبار، ويناقش الأقوال المنسوبة إلى من ردَّ العمل بها أو قيَّده. ويشير إلى أنَّ بعض النِّسب تحتاج إلى تحرير؛ لأنَّ القول بأنَّ الخبر الذي لا يفيد إلَّا الظَّن لا يجب العمل به قد يُفهم خطأً على أنَّه ردٌّ لجميع أخبار الآحاد، مع أنَّ قائله قد يرى أنَّ خبر الثِّقة يفيد العلم. ثمَّ يعرض ما نُقل عن بعض المعتزلة وغيرهم في عدم قبول خبر الواحد في السُّنن والدِّيانات، ويمهِّد بذلك لمناقشة حججهم.
ويردُّ على الشُّبهة العقليَّة القائلة إنَّ خبر الواحد يجوز عليه الكذب، مع أنَّ الأحكام المترتِّبة عليه قد تبلغ إزهاق النُّفوس وإحلال الفروج وغير ذلك. ويبحث في هذا السِّياق الفرق بين مجرَّد إمكان الخطأ وبين قيام الحجَّة التي أوجب الشَّرع العمل بها، كما يناقش تشبيه قبول الخبر بتقليد المجتهد لمجتهد آخر، ويفرِّق بينهما؛ فقبول الرِّواية عنده أقرب إلى قبول القاضي شهادة العدل منه إلى التَّقليد الاصطلاحي.
ويطيل في الشُّبهة المستدلَّة بالآيات النَّاهية عن اتِّباع ما لا علم به، والذَّامَّة للظَّن، ومنها قوله تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم» وقوله تعالى: «إن الظن لا يغني من الحق شيئًا». ويفحص دلالة هذه النُّصوص وسياقاتها، ويرفض جعل كلِّ ظنٍّ مذمومًا أو مساواة الظَّن المستند إلى دليل بخرص المشركين وأهوائهم التي ذمَّها القرآن. ويتَّصل بذلك حديثه عن درجات العلم والظَّن والاطمئنان، وعن القرائن التي قد ترفع خبر الواحد إلى مرتبة العلم.
ويستدلُّ لوجوب قبول خبر الثِّقة بعمل الصَّحابة رضي الله عنهم، ويتناول الوقائع التي قد يُظنُّ منها اشتراط أكثر من راوٍ، مثل سؤال أبي بكر رضي الله عنه للمغيرة عن شاهد يوافقه، وقصَّة عمر رضي الله عنه مع أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ويحمل طلب المتابع في هذه المواضع على زيادة التَّثبُّت والاحتياط، لا على اشتراط التَّعدُّد في أصل الحجِّيَّة، ويستشهد بما تواتر من عمل الصَّحابة رضي الله عنهم بخبر الواحد إذا لم يجدوا ما يعارضه. كما ينقل جواب الشَّافعي بأنَّ طلب الخبر الثَّاني يزيد الحجَّة ثبوتًا ويطيب به نفس السَّامع، مع بقاء أصل الحجَّة ثابتًا بخبر الواحد.
ويمتدُّ البحث إلى قبول أخبار الآحاد في مسائل الاعتقاد، فيذكر احتجاج السَّلف بخبر الثِّقة في صفات الله تعالى وأحوال المحشر، ويربط ذلك بأصل وجوب الأخذ بما ثبت عن الله تعالى ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم. ولا يفصل في أصل الحجِّيَّة بين الخبر المتعلِّق بحكم عملي والخبر المتعلِّق بأمر ديني آخر متى ثبتت الرِّواية وقامت الحجَّة بها، مع بقاء البحث في درجة ما يفيده الخبر من علم أو ظن بحسب حال الإسناد والقرائن المحتفَّة به.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














