مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي تأليف أحمد بن عبد السلام الريسوني PDF
كتاب نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي تأليف أحمد بن عبد السلام الريسوني PDF

نبذة عن الكتاب:

يَدْرُس أحمد بن عبد السلام الريسوني في هذا الكتاب البناء المقاصدي الذي أقامه أبو إسحاق الشاطبي في «الموافقات» وامتد به إلى سائر مؤلفاته، مع تتبع جذوره قبل الشاطبي، وتحليل عناصره وقواعده، وبيان أثره في فهم الشريعة والاجتهاد فيها. ويحدد مقاصد الشريعة بأنها الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد، ويميز فيها بين المقاصد العامة التي تراعيها الشريعة في أبوابها كلها أو أكثرها، والمقاصد الخاصة بباب أو مجال معين، والمقاصد الجزئية المتعلقة بحكمة حكم شرعي بعينه. ويربط بهذه الدلالة ألفاظًا متداولة عند الفقهاء والأصوليين، مثل الحكمة والعلة والمعنى والمراد، مبينًا أن البحث المقاصدي في جوهره بحث عن المصالح والمفاسد التي قصدت الأحكام إلى جلب الأولى منها ودرء الثانية.

ويمهد لنظرية الشاطبي باستقراء حضور المقاصد عند من سبقه من العلماء؛ فلا يعاملها بوصفها ابتكارًا نشأ من غير أصول، بل يتتبع حلقات سابقة ظهرت فيها العناية بحِكَم الأحكام وعللها ومصالحها. ويعرض نماذج من الحكيم الترمذي والماتريدي والقفال الشاشي والباقلاني، ثم يولي الجويني والغزالي ومن جاء بعدهما عناية أكبر لما وقع عندهم من تأصيل للضروريات والحاجيات والتحسينيات والمصلحة والمناسبة. ويضيف إلى ذلك خصوصية المذهب المالكي في هذا الباب، من خلال المصلحة المرسلة وسد الذرائع ومراعاة مقاصد المكلفين، لبيان الأرضية الأصولية والفقهية التي تلقاها الشاطبي ثم وسعها وأعاد بناءها.

ويجعل المدخل إلى نظرية الشاطبي تقرير أن الشريعة موضوعة لمصالح العباد في الدنيا والآخرة، وأن أحكامها ليست عبثًا ولا منفصلة عن الحِكَم والغايات. ثم يعرض تقسيم الشاطبي للمقاصد إلى قسمين كبيرين: مقاصد الشارع، ومقاصد المكلف. ويتفرع القسم الأول إلى أربعة أنواع: قصد الشارع في وضع الشريعة، وقصده في وضعها للإفهام، وقصده في وضعها للتكليف بمقتضاها، وقصده في دخول المكلف تحت أحكامها. أما القسم الثاني فيتناول مقاصد المكلف نفسه وعلاقة نيته وغايته بصحة امتثاله وموافقته لمقصود الشرع.

ويُفَصِّل «قصد الشارع في وضع الشريعة» من خلال مراتب المصالح الثلاث: الضروريات والحاجيات والتحسينيات. فالضروريات هي الأصول التي لا تقوم مصالح الدين والدنيا إلا بحفظها، وتدور عند الشاطبي على حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل، مع حفظها من جانبي الوجود والعدم: بإقامة ما يحققها ويثبتها من جهة، ودفع ما يخل بها أو يهدمها من جهة أخرى. وتأتي الحاجيات لرفع الحرج والمشقة التي لا تبلغ حد اختلال الحياة، ثم التحسينيات للأخذ بما يليق بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق وتكميل أحوال المكلفين. ويشرح الريسوني العلاقات بين هذه المراتب، وكيف تخدم الحاجيات والتحسينيات الضروريات وتكملها، وكيف يؤثر اختلال الكليات العليا فيما دونها.

ويحلل النوع الثاني، «وضع الشريعة للإفهام»، على أساس أن الشريعة عربية، وأن فهم مقاصدها لا ينفصل عن مقتضيات اللسان العربي وطرائق العرب في الخطاب. فلا يكفي التعامل مع الألفاظ مفردةً عن سياقاتها، بل يلزم إدراك أساليب البيان، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والمقامات والقرائن وما تقتضيه عادة العرب في التعبير. ويتصل بهذا رفض التكلف فيما لا تحتمله النصوص، لأن المقصود من الخطاب الشرعي أن يكون قابلًا للفهم والعمل، لا أن يُحمَّل من الدلالات ما يخرجه عن معهود التخاطب الذي نزل به القرآن.

أما «قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها» فيرتبط بكون التكليف واقعًا في حدود قدرة المكلف، فلا تقصد الشريعة ابتداءً إلى التكليف بما لا يطاق، كما لا تقصد إلى المشقة لذاتها. والمشقة المعتادة الملازمة للتكاليف لا تنافي مقصد الشريعة، بخلاف المشقة الخارجة عن المعتاد التي تأتي الرخص والتخفيفات لرفعها. ويبحث الريسوني من خلال ذلك مفهوم التيسير وحدوده، والفرق بين ما هو لازم لطبيعة التكليف وبين ما يناقض مقصد الشارع من الرحمة ورفع الحرج.

ويتجه النوع الرابع، «قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة»، إلى تحرير الإنسان من سلطان الهوى ليكون قصده تابعًا لمقتضى العبودية. فالشريعة لا تكتفي بأن يأتي المكلف بصورة الفعل، بل تقصد إلى أن يخضع اختياره لأحكامها وألا يجعل رغباته الشخصية هي الحاكمة عليها. ومن هنا تتسع النظرية لتشمل مآلات السلوك والحيل والتحايل على الأحكام؛ إذ قد توافق صورة التصرف حكمًا جزئيًّا، بينما يناقض قصده النتيجة التي أرادها الشارع، فيكون اعتبار المقصد ضروريًّا للحكم الصحيح على الفعل.

ويربط بذلك «مقاصد المكلف»، فيجعل موافقة قصد المكلف لقصد الشارع أصلًا في صحة العمل واستقامته. فالنيات لا تعمل في فراغ، ولا يكفي أن يقصد الإنسان مصلحة يراها إذا ناقضت مقصد الشريعة، كما أن القصد الفاسد قد يقلب حكم التصرف إذا اتخذ المشروع وسيلةً إلى الممنوع. ويتناول في هذا السياق الفرق بين القصد الأصلي والتبعي، وموقع النية في العبادات والعادات والمعاملات، وأثر قصد المكلف في الحيل والذرائع، حتى يصبح النظر إلى الباطن المقصود مكمِّلًا للنظر إلى الظاهر المشروع.

ولا يقصر الريسوني نظرية الشاطبي على «كتاب المقاصد» من «الموافقات»، بل يتتبع حضورها في مباحث أخرى، مثل الضروريات الخمس والمباح والأسباب والمسببات. ففي المباح يبين أن الإباحة الجزئية لا تعني دائمًا أن الفعل متساوي الطرفين من كل وجه؛ فقد يكون المباح مطلوبًا أو ممنوعًا باعتبار كلي أو باعتبار ما يفضي إليه عند المداومة أو الترك. وفي الأسباب والمسببات يبرز وجوب مراعاة النتائج التي ربطها الشارع بالأسباب، وعدم فصل التصرف عن آثاره ومآلاته، وهو ما يفتح طريقًا أوسع للنظر المقاصدي في الأحكام العملية.

ويجعل من القضايا المركزية مسألة تعليل الشريعة، فيناقش القول بالتعبد المحض والقول بالتعليل، ويؤكد أن أصل نظرية الشاطبي قائم على أن الأحكام معللة إجمالًا بالمصالح، مع بقاء بعض التفاصيل التي لا يظهر وجهها للمكلف. ويبحث مفهوم المصلحة والمفسدة بعيدًا عن اختزالهما في المنفعة العاجلة أو الميل الشخصي؛ فالمصلحة الشرعية محكومة بكليات الشريعة وترتيبها، وقد تكون أخروية أو دنيوية، عامة أو خاصة، عاجلة أو آجلة، ويقع التعارض بينها فيحتاج إلى وزن وترجيح بحسب مراتبها وقوة آثارها.

ويُفَصِّل مجال العقل في إدراك المصالح، فلا يعزله عن النصوص ولا يعطل دوره. ويعطي العقل مجالًا في فهم الحكمة من النص وتفسيره تفسيرًا مصلحيًّا منضبطًا، وفي تقدير المصالح المتغيرة والمتعارضة، وفي الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص جزئي من المصالح المرسلة. لكنه يجعل هذا كله محكومًا بالكليات الشرعية لا بالأهواء؛ لأن العقل لا ينشئ مقاصد تناقض مقاصد الوحي، وإنما يكشف عنها ويقدر تنزيلها في الوقائع المتجددة.

ويبحث طرق معرفة مقاصد الشارع باعتبارها الميزان الذي يحول دون الدعوى المجردة في نسبة مقصد إلى الشريعة. ومن هذه الطرق فهم النصوص وفق لسان العرب، والنظر في الأوامر والنواهي من جهة دلالتها الأصلية والتبعية، والتمييز بين المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة، ومراعاة سكوت الشارع في المواضع التي كان مقتضي البيان فيها قائمًا. غير أن الريسوني يبرز الاستقراء بوصفه المسلك الأهم والأكثر حضورًا عند الشاطبي؛ إذ لا تقوم الكليات المقاصدية غالبًا على نص جزئي منفرد، بل على استقراء طوائف من النصوص والأحكام حتى يحصل منها معنى كلي ثابت.

ويخصص جانبًا مهمًّا لجمع «قواعد المقاصد» المنتثرة في «الموافقات» و«الاعتصام»، فيكشف أن المقاصد عند الشاطبي ليست مجموعة حكم وعظية، بل منظومة لها ضوابط تحكم علاقة الكلي بالجزئي، والأصل بالتابع، والمصلحة بالمفسدة، والقصد بالفعل، والسبب بالمآل. ومن خلال هذه القواعد يمكن منع التوسع المنفلت في دعوى المصالح من جهة، ومنع الجمود على الجزئيات مع إهمال كلياتها من جهة أخرى.

ويصل بالبحث إلى ثمرة النظرية في الاجتهاد، فيجعل فهم مقاصد الشريعة من شروط المجتهد الأساسية عند الشاطبي، بل أول شروطه، ويأتي بعده التمكن من الاستنباط بناءً على هذا الفهم. فالمجتهد لا يكفيه أن يحفظ النصوص وقواعد الدلالة، وإنما يحتاج إلى إدراك ما تنتظم فيه الأحكام من غايات كلية حتى يفسر النص الجزئي في موضعه، ويرجح عند التعارض، ويقدر المصالح والمفاسد، وينظر في مآلات الأفعال، ويجتهد فيما لا نص فيه. وبهذا تصبح المقاصد جزءًا من آلة الاجتهاد نفسها، لا مبحثًا نظريًّا منفصلًا عنه.

ويختم الريسوني بتقويم نظرية الشاطبي من جهة ما ورثته وما جددته؛ فيقرر أن الشاطبي استفاد من تراكم أصولي وفقهي سابق، لكنه نقل المقاصد من إشارات متناثرة وأبواب محدودة إلى بناء واسع يهيمن على كثير من مباحث أصول الفقه. وتجديده لا يقوم فقط على توسيع الكلام في الضروريات والحاجيات والتحسينيات، بل في توظيف الاستقراء لإثبات الكليات، وإدخال مقاصد المكلف في صميم النظرية، وربط المقاصد بفهم النص والاجتهاد والمآلات، حتى غدت عنده إطارًا يوجه التعامل مع نصوص الشريعة وجزئياتها وكلياتها معًا.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

أحمد بن عبد السلام الريسوني
أحمد بن عبد السلام بن محمد الريسوني: باحث وفقيه مغربي متخصص في أصول الفقه ومقاصد الشريعة، وُلِدَ سنة 1953م بقرية أولاد سلطان في إقليم العرائش شمال المغرب. تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بمدينة القصر الكبير، وحصل على البكالوريا في الآداب العصرية، ثم التحق مدة بكلية الحقوق في شعبة العلوم القانونية، وبعدها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في شعبة الفلسفة، قبل أن ينتقل إلى كلية الشريعة بجامعة القرويين في فاس، حيث حصل على الإجازة العليا سنة 1978م. وأكمل دراساته العليا بجامعة محمد الخامس في الرباط، فنال شهادة الدراسات الجامعية العليا سنة 1986م، ودبلوم الدراسات العليا في مقاصد الشريعة سنة 1989م، ثم دكتوراه الدولة في أصول الفقه سنة 1992م. بدأ حياته المهنية محررًا قضائيًا بوزارة العدل بين سنتي 1973 و1978م، وتولى مدة رئاسة القسم الإداري بالمحكمة الابتدائية بمدينة سوق أربعاء الغرب، ثم استقال من هذا العمل. ودَرَّسَ بعد ذلك بالتعليم الثانوي الأصيل في ثانوية الإمام مالك بمدينة مكناس بين سنتي 1978 و1984م. ومنذ سنة 1986م دَرَّسَ أصول الفقه ومقاصد الشريعة والقواعد الفقهية في عدد من المؤسسات الجامعية، منها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس ودار الحديث الحسنية في الرباط، كما عمل أستاذًا زائرًا بجامعة زايد في الإمارات، وجامعة حمد بن خليفة وجامعة قطر. عمل منذ سنة 2006م خبيرًا أول لدى مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة ضمن مشروع «معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية»، ثم تولى نيابة إدارة المشروع وإدارته حتى انتهائه سنة 2012م. وأشرف خلال عمله الجامعي على أكثر من 100 أطروحة دكتوراه ورسالة ماجستير في الجامعات المغربية، كما أشرف على عدد من الدورات العلمية للباحثين في العلوم الشرعية. كان من الأعضاء المؤسسين للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وتولى منصب نائب رئيسه ثم رئاسته، كما انتُخِبَ أول رئيس لرابطة علماء أهل السنة. ومن أعماله العامة والعلمية رئاسة رابطة المستقبل الإسلامي بالمغرب بين سنتي 1994 و1996م، ورئاسة حركة التوحيد والإصلاح بين سنتي 1996 و2003م، وإدارة مركز المقاصد للدراسات والبحوث، وتولي مسؤولية جريدة «التجديد» بين سنتي 2000 و2004م. كما عمل مستشارًا أكاديميًا لدى المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وشارك في تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات والجمعيات العلمية والثقافية. ومن أشهر مؤلفاته «نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي»، و«نظرية التقريب والتغليب وتطبيقاتها في العلوم الإسلامية»، و«من أعلام الفكر المقاصدي»، و«مدخل إلى مقاصد الشريعة»، و«الفكر المقاصدي: قواعده وفوائده»، و«الاجتهاد: النص والمصلحة والواقع»، و«الكليات الأساسية للشريعة الإسلامية»، و«محاضرات في مقاصد الشريعة»، و«فقه الثورة»، و«التجديد والتجويد: تجديد الدين وتجويد التدين»، و«القواعد الأساس لعلم مقاصد الشريعة»، و«الجمع والتصنيف لمقاصد الشرع الحنيف»، و«علم أصول الفقه في ضوء مقاصده»، و«المختصر الأصولي»، و«مقصد السلام في شريعة الإسلام»، و«قواعد المقاصد». وله كذلك «الأمة هي الأصل»، و«الوقف الإسلامي: مجالاته وأبعاده»، و«الشورى في معركة البناء»، و«الفكر الإسلامي وقضايانا السياسية المعاصرة»، و«علال الفاسي عالمًا ومفكرًا»، و«الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب»، فضلًا عن مشاركته في تأليف «التجديد الأصولي» و«معجم المصطلحات المقاصدية»، وكتابة بحوث متعددة في «معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية»، إلى جانب عدد كبير من الدراسات والمقالات المنشورة والمداخلات في المؤتمرات والندوات. وأثنى عليه يوسف القرضاوي، فأبرز جمعه بين العلم والعمل والفقه والدعوة، وعنايته بخدمة الفقه المقاصدي وإحيائه، كما أثنى عليه عدد من الباحثين والدعاة لما رأوه فيه من العناية بالتجديد المقاصدي والمشاركة في القضايا الفكرية والعلمية المعاصرة.
عرض النبذة وكتب المؤلف