
نبذة عن الكتاب:
يَبحث عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذه الرسالة حكمَ وقف المريض مرض الموت شيئًا من ماله على بعض ورثته، ومدى توقُّف نفاذ هذا الوقف على إجازة بقيَّة الورثة. وتنطلق الرِّسالة من النُّصوص الفقهيَّة التي تجعل تبرُّعات المريض لوارثه في حكم الوصيَّة، فيتتبَّع المعلِّمي ما قرَّره فقهاء الشَّافعيَّة في الوقف والهبة والإبراء وسائر التَّبرُّعات، ثمَّ يركِّز على صورةٍ وقع فيها اختلاف في النَّقل: أن يوقف المريض على أحد ورثته عينًا لا تتجاوز ثلث ماله، وهل تنفذ من غير إجازة بقيَّة الورثة لمجرَّد كونها في حدود الثُّلث.
ويجمع في بداية البحث نصوصًا من «تحفة المحتاج» وحاشية الشِّرواني والقليوبي وعميرة وغيرها، ويظهر منها أنَّ الوقف في مرض الموت على بعض الورثة يجري عليه حكم التَّبرُّع للوارث، فيحتاج إلى إجازة بقيَّتهم. ويفرِّق في الوقت نفسه بين تخصيص بعض الورثة بالتَّبرُّع وبين الوقف على جميع الورثة بحسب أنصبائهم الشَّرعيَّة؛ فإذا وقف المريض من ثلثه عليهم بقدر حصصهم صحَّ الوقف من غير حاجة إلى إجازتهم، أمَّا تخصيص وارث بعين أو منفعة فيختلف أثره بسبب ما يترتَّب على تعيين المال من تفاوت الأغراض والمنافع.
وتنشأ المشكلة التي يفرد لها المعلِّمي معظم المناقشة من عبارة منقولة عن القليوبي تفيد أنَّ المريض إذا وقف على بعض ورثته شيئًا يخرج من الثُّلث نفذ الوقف من غير إجازة بقيَّة الورثة، بخلاف الوصيَّة للوارث. وقد نُقل في تعليل هذا التَّفريق أنَّ ملك رقبة الموقوف يكون لله تعالى، بينما تنتقل العين الموصى بها إلى الموصى له، فجُعل اختلاف جهة الملك سببًا لاختلاف الحكم. ويقف المعلِّمي عند هذا التَّفريق، ويصفه بالإشكال؛ لأنَّه يخالف ما جمعه قبل ذلك من النُّصوص التي تسوِّي بين الوقف والوصيَّة والهبة والإبراء في اعتبار إجازة بقيَّة الورثة عند التَّبرُّع لوارث في مرض الموت.
ويناقش المعلِّمي أساس هذا التَّفريق من جهة حقيقة الملك في الوقف، فينبِّه إلى وجود خلاف فقهي في ملك العين الموقوفة، ثمَّ يقرِّر أنَّه حتى على القول الأظهر بأنَّ ملك الرَّقبة لله تعالى، فإنَّ منافع الوقف تكون للموقوف عليه، وهي المقصودة أصلًا من إنشاء الوقف. فالعين لا تُحبس لمجرَّد حبس رقبتها، وإنَّما تُحبس ليستمرَّ الانتفاع بها، ومن ثمَّ لا يكفي اختلاف ملك الرَّقبة لإخراج الوقف على الوارث من أحكام التَّبرُّعات المؤثِّرة في حقوق بقيَّة الورثة. ويستدلُّ لذلك بنظائر من المذهب اعتُبرت فيها المنفعة جزءًا من التَّركة يستلزم تخصيص بعض الورثة بها إجازة الآخرين.
ويستعين بمسألة الوصيَّة بالمنافع لتقوية هذا المعنى، فينقل حكم مَن أوصى بمنفعة عبدٍ على التَّأبيد، حيث تُعتبر قيمة العبد بمنافعه من الثُّلث، مع أنَّ رقبة العبد قد تبقى للوارث. ويستخلص من ذلك أنَّ الاعتبار لا ينبغي أن ينحصر في ملك الرَّقبة مع إغفال المنفعة؛ لأنَّ المنفعة هي الغرض المقصود من المال، وقد تعامل الفقهاء معها في الوصيَّة بما يعكس قيمتها الماليَّة الكاملة. ويقيس على ذلك الوقف؛ فالموقوف عليه ينتفع بالعين، وهذا الانتفاع هو حقيقة المقصود من الوقف، أمَّا حبس الرَّقبة عن التَّصرُّف فوسيلة لاستمرار تلك المنفعة.
ويربط المعلِّمي هذا التَّحليل بحقيقة الوقف نفسه، فيقرِّر أنَّ المقصود منه الصَّدقة الجارية، وأنَّ جريان الصَّدقة يتحقَّق بالمنافع المتجدِّدة لا بمجرَّد حبس العين. ولذلك يعترض على جعل انتقال ملك الرَّقبة إلى الله تعالى سببًا كافيًا لتصحيح تخصيص أحد الورثة بوقف في مرض الموت من غير إجازة الآخرين، ولا سيَّما مع وجود نصوص أخرى في المذهب تقضي بأنَّ الوقف على الوارث يعامل معاملة الوصيَّة وغيرها من التَّبرُّعات، وبوجود نظائر تحتاج فيها المنفعة المخصَّصة لبعض الأولاد إلى إجازة سائر الورثة.
ويتميَّز البحث بكثرة مقابلة النُّصوص الفقهيَّة بعضها ببعض؛ إذ لا يكتفي المعلِّمي بنقل حكم المسألة، بل يتتبَّع مواضعها في أبواب الوقف والوصايا والحَجْر، ويختبر تعليلات الفقهاء على ضوء القواعد والنَّظائر الواردة في المذهب. وينتهي إلى تقوية النُّصوص التي تجعل الوقف في مرض الموت على بعض الورثة من التَّبرُّعات التي تتعلَّق بها حقوق بقيَّة الورثة وتحتاج إلى إجازتهم، مع استثناء الصُّورة التي يكون فيها الوقف على الورثة بحسب أنصبائهم على الوجه الذي قرَّره الفقهاء، ويعرض ما انتهى إليه على أهل العلم بسبب تعارض بعض العبارات المنقولة ودقَّة أثرها في الحكم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














