
نبذة عن الكتاب:
يعالج نجم الدين أحمد بن حمدان الحراني في كتاب «صفة الفتوى والمفتي والمستفتي» أحكام الإفتاء من جهة من يتصدر له، ومن يطلبه، وكيفية صدور الفتوى والعمل بها، انطلاقًا من عظم موقع المفتي الذي يخبر عن حكم الله تعالى، وما يترتب على القول في الدين بغير علم من إضلال السائل وتحمل تبعة الجواب. ولهذا يجعل غرضه ضبط صفة المفتي والمستفتي والاستفتاء والفتوى، وبيان شروطها وما يعرض لها من الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة، حتى يمتنع غير المؤهل من التصدر ويقوم بها من استكمل أهلية النظر.
ويقرر أن الفتيا قد تتعين إذا لم يوجد في البلد غير مفت واحد، وتكون فرض كفاية عند تعدد المؤهلين، ويحرم الإقدام عليها مع الجهل بصواب الحكم. ولا يفهم الورع عنده على أنه ترك الفتوى مطلقًا، وإنما يظهر في الخوف من التقصير والتثبت قبل الجواب وعدم الاستنكاف من قول «لا أدري». ويسوق في ذلك أحوال الصحابة رضي الله عنهم والفقهاء الذين كانوا يتدافعون الفتيا أو يتوقفون في مسائل كثيرة، وينتقد الجرأة التي تجعل سرعة الجواب دليلًا متوهمًا على العلم؛ إذ قد يكون التوقف مع حسن النظر أقرب إلى أداء الأمانة من الإصابة العارضة مع العجلة.
ويضع لأهلية المفتي شروطًا تتجاوز مجرد حفظ المسائل، فيشترط الإسلام والتكليف والعدالة والفقه والاجتهاد وصحة الذهن والقدرة على التصرف في مسائل الفقه. ويربط حقيقة الفقه بالقدرة على معرفة الحكم الشرعي بدليله، ولذلك يجعل أصول الفقه من الآلات اللازمة للمجتهد؛ إذ بها يعرف وجوه الاستدلال والتعليل والاستنباط والإلحاق، ويميز الصحيح من الفاسد، ولا يكون من يجهلها عنده إلا ناقلًا للفقه يحتاج في نفسه إلى التقليد.
ولا يحصر الاجتهاد في رتبة واحدة، بل يميز بين المجتهد المطلق، والمجتهد في مذهب إمامه، والمجتهد في نوع من العلم، ومن يستقل بالاجتهاد في مسألة أو مسائل معينة. فالمطلق يستخرج الأحكام من أدلتها ولا يتقيد بمذهب بعينه، ويحتاج إلى معرفة ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة ووجوه دلالاتهما، والصحيح والسقيم من الأخبار، والناسخ والمنسوخ، والوفاق والخلاف، والقياس وأحكامه، ولسان العرب بقدر ما تقوم به آلة النظر. أما المجتهد المذهبي فيتفاوت بين من يسلك طريق إمامه مع استقلال بالنظر، ومن يملك تخريج الفروع على أصول المذهب وقواعده، ومن يحسن تقرير المذهب وترجيح وجوهه، ومن غايته إحكام نقله وفهم منصوصاته، ولكل رتبة حدود لا يجوز لصاحبها تجاوزها في الفتوى.
ويولي ابن حمدان عناية خاصة لمسألة التخريج؛ لأن الفتوى المذهبية لا تعني النقل الآلي لكل ما ينسب إلى الإمام. فقد يجد المفتي نصًا في مسألة فيلحق به نظيرها عند انتفاء الفارق المؤثر، وقد يستخرج حكم الواقعة على وفق أصول إمامه وقواعده إذا كان من أهل ذلك، لكنه يتحفظ من نسبة الحكم المخرج إلى الإمام نفسه من غير تمييز. كما يناقش اختلاف نصوص الإمام، وكيفية العمل بالمنصوص والمخرج، ومراتب الوجوه والطرق، ويمنع التخريج إذا أدى إلى خرق إجماع أو عارض نصًا من الكتاب أو السنة أو قام فارق معتبر بين المسألتين.
ويمتد هذا الاحتياط إلى مصادر النقل نفسها؛ فمن كانت فتواه حكاية لمذهب إمامه جاز له الاعتماد على كتاب يثق بصحته، وقد تحصل الثقة بالمقابلة بنسخ أخرى أو بخبرة العالم بمواضع السقط والتغيير. أما ما وجده في أصل لا يثق به فلا يجزم بنسبته، ولا يسوغ لمن ليست له أهلية التخريج أن يحوله إلى فتوى من عنده. ومن هنا يفرق بين الإفتاء حقيقة وبين مجرد حكاية قول الإمام؛ فحافظ المذهب الذي لا يستقل بالنظر يضيف الحكم إلى صاحبه ولا يقدمه باعتباره نتيجة اجتهاد شخصي.
ويشدد في مقاومة التساهل في الفتوى، سواء ظهر في التسرع قبل تمام النظر أو في تتبع الرخص والحيل لإرضاء شخص بعينه أو التشديد على خصمه. فالمفتي لا يجوز له أن يجعل علمه أداة لإبطال الحقوق، ولا أن ينتقي للمستفتي مخارج الدعاوى والبينات التي تمكنه من إسقاط حق غيره، كما يمنع التحيل الذي يقلب الحرام حلالًا أو الحلال حرامًا. وفي المقابل لا يجعل كل مخرج فقهي حيلة مذمومة؛ فإذا كان الطريق صحيحًا في نفسه، حسن القصد فيه، ولم يتضمن مفسدة أو إبطال حق، جاز استعماله لدفع الحرج.
ويبحث صناعة الجواب نفسها بما يكشف أن صحة الفتوى متوقفة على فهم الواقعة لا على معرفة حكم مجرد يشبهها. فيأمر المفتي بالتثبت من ألفاظ السؤال واستفصال ما اشتبه، ومراعاة أعراف أهل البلد في الأقارير والأيمان وما تختلف دلالاته باختلاف الاستعمال، والرفق بمن ضعف فهمه حتى يُفهم عنه ويُفهم الحكم له. وإذا كانت الفتوى مكتوبة تأمل ورقة الاستفتاء، وأصلح ما يحيل المعنى من الخطأ، وسد البياض الذي يمكن أن يزاد فيه ما يغير الجواب، وتحرز من تفصيل صور كثيرة قد يضيع معها العامي أو يتخذ بعضها طريقًا إلى التحيل، إلا إذا احتاج الحكم إلى هذا التفصيل.
كما يبحث ما يعرض للمفتي بعد صدور فتواه؛ فإذا تغير اجتهاده لم يستمر الحكم الأول على صورة واحدة في جميع الأحوال، بل يفرق بين ما عُمل به وما لم يعمل، وبين المخالفة الاجتهادية ومخالفة الدليل القاطع، ويتعرض لمسؤولية المفتي إذا ترتب على خطئه إتلاف. وإذا كان يفتي داخل مذهب معين ثم تبين له أنه خالف نص إمامه الذي يلتزمه، كان لذلك حكم مغاير لرجوع المجتهد المستقل عن اجتهاده.
ويقابل أحكام المفتي بتكاليف المستفتي، فيعرفه بأنه من لم يبلغ أهلية الفتوى من جهة العلم، ولو كان ذا تمييز ومعرفة في بعض العلوم. ويلزمه سؤال أهل العلم عن الحوادث التي يحتاج حكمها، لكن لا يعفيه ذلك من النظر في أهلية من يسأله؛ فلا يكفي عند ابن حمدان مجرد شهرة الشخص بالعلم أو توليه التدريس ونحوه من المناصب، بل يبحث المستفتي عن صلاحيته للفتوى بما يورثه الثقة. ويبحث تبعًا لذلك حكم التقليد، والترجيح بين المفتين، والعمل بفتوى من عُرف بالعلم والأمانة، وما يقع عند تعدد المفتين واختلاف أجوبتهم.
ويتناول اختلاف الأقوال داخل المذهب من جهة عمل المفتي أيضًا، فلا يجعل تعدد الروايات والوجوه إذنًا لاختيار أي قول بلا ميزان؛ فالمؤهل للترجيح ينظر في الأشبه بأصول الإمام وقواعده وما رجحه أئمة المذهب، ومن لم يبلغ رتبة الترجيح رجع إلى من سبقه من أهلها، فإن لم يجد توقف. ويبحث كذلك حال تعادل القولين عند المفتي، وهل يفتي بأحدهما أو يخير المستفتي أو يلزم الأحوط بحسب الأصل المعتمد في تعادل الأدلة.
ويتعامل مع العلاقة بين المفتي والمستفتي باعتبارها أمانة لا خدمة لرغبة السائل؛ فيحذر المفتي من الميل مع أحد الخصمين، أو كتابة ما ينفع المستفتي وإخفاء ما يلزمه، أو تغيير الجواب لأن الحكم لا يوافق غرضه. ولهذا يفرق بين تعريف الشخص بحكم واقعته وبين تلقينه وسائل الإفلات من دعوى صحيحة، ويُلزم العالم بالتنبيه على الخطأ القطعي الذي يراه في فتوى سبقت على الورقة بدل السكوت عنه، كما يراعي حال السائل وقدرته على فهم الحكم حتى لا تتحول الفتوى الصحيحة في أصلها إلى سبب للغلط في تنزيلها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














