
نبذة عن الكتاب:
يَجْمَع عبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي في هذا الكتاب بين شقَّي النظر الأصولي اللذين يراهما متكاملين: البحث في الدليل وكيفية الاستدلال وحال المستدل، والبحث في مقاصد الشريعة وعلل الأحكام والحِكَم التي شُرعت من أجلها. ولا يقف غرضه عند استيعاب المسائل النظرية، بل يجعل التطبيق العملي غايةً للتأصيل؛ فيريد أن تُستعمل القواعد في فهم أحكام الشريعة، وربطها بواقع الناس، ومعالجة النوازل مع حفظ الثوابت ومراعاة الأحوال والعادات والأعراف، ولذلك خصص جزءًا من الكتاب للتدريبات والتطبيقات التي تُكسب طالب العلم ملكة استعمال القاعدة في موضعها.
ويمهد لهذا المشروع بإثبات الحاجة إلى أصول الفقه والدفاع عن استقلاله ووظيفته، فيناقش الشبه التي تصفه بأنه مجرد مسائل مستعارة من اللغة والنحو والحديث وعلوم القرآن، أو أنه علم قليل الثمرة، أو وليد المنطق والكلام. ويقرر أن اشتراك الأصولي مع اللغوي والنحوي والمحدث في بعض الموضوعات لا يلغي خصوصية نظره؛ لأن الأصولي يبحث في اللفظ من جهة دلالته على الحكم الشرعي، فيسأل عن إفادة الأمر للوجوب والنهي للتحريم، وحجية العام بعد تخصيصه، ووجوه الاستثناء وغيرها من المسائل التي لا تبحثها تلك العلوم بالجهة نفسها. ويجعل دخول المباحث الكلامية والمنطقية على بعض مراحل التصنيف أمرًا متأخرًا لا يمس أصل العلم، داعيًا إلى تنقيته مما يراه دخيلًا عليه بدل هجره.
ويُعَرِّف حقيقة العلم من خلال دلائل الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد، ثم يربط هذه العناصر بالفعل الفقهي نفسه. فالمقصود ليس حفظ أسماء الأدلة، بل امتلاك القدرة على الانتقال من النص إلى الحكم؛ ولهذا يكثر من الأمثلة التي تكشف عمل الدلالة، كاستخراج حكم من لازم الآية أو من الجمع بين نصين أو من قاعدة لغوية. ويجعل موضوعات الأصول دائرة على الأحكام الشرعية، والأدلة الإجمالية، وطرق الاستنباط ودلالات الألفاظ، والاجتهاد والفتوى والتقليد، مع عناية بتاريخ العلم ونشأته منذ عصر النبوة والصحابة رضي الله عنهم والتابعين، ثم تدوينه واستقلاله في التصنيف.
وتستوعب دراسة الأدلة الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم جملة واسعة مما وقع فيه الخلاف؛ كالاستصحاب، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي رضي الله عنه، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، والعرف، والاستقراء، والاستحسان. ولا يعرض هذه الأدلة بوصفها قائمةً مجردة، بل يبحث حقيقة كل دليل وحجيته وشروط العمل به والاعتراضات الواردة عليه، ويوازن بين مذاهب العلماء في قبوله أو رده. وفي القياس مثلًا يميز بينه وبين مطلق الاجتهاد؛ فالاجتهاد أوسع، إذ تدخل فيه طرائق الاستنباط المتعددة، أما القياس فمبنِيٌّ على إلحاق فرع بأصل لمعنى جامع، ثم تتفرع عنه مباحث الأصل والفرع والحكم والعلة ومسالك إثباتها والاعتراض عليها.
وتتجسد صناعة الاستنباط في قسم مستقل يقوم على الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، والنسخ، ثم ترتيب الأدلة والتعارض والترجيح. ويُبَيِّن أثر هذه القواعد في توجيه الحكم بدل الاكتفاء بتعريفاتها؛ فالمطلق لا يحمل على المقيد في كل صورة، والعام قد يخرج بعض أفراده بدليل معتبر، والمجمل يحتاج إلى بيان، ومفهوم الكلام قد يثبت حكمًا للمسكوت عنه بحسب نوعه وحجيته. كما يتعقب استعمالات المتقدمين لبعض المصطلحات، فيوضح مثلًا اتساع لفظ النسخ عندهم ليشمل أحيانًا التخصيص والتقييد والبيان، مع تمييز الاصطلاح المتأخر الذي قصره على رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر.
وحين تتقابل الأدلة، لا يجعل الترجيح قائمةً مغلقة من المرجحات، وإنما يربطه بما يقوي غلبة الظن عند المجتهد؛ فقد ترجح رواية بقوة نقلها، أو دلالة بوضوحها، أو قياس بموافقته أصلًا أقوى. ولهذا ينقل أن وجوه الترجيح كثيرة يصعب حصرها، وأن مناطها ما كان أكثر إفادة للظن، مع إمكان تعارض المرجحات نفسها. ويتصل بهذا مباشرة بحث الاجتهاد بوصفه بذل الوسع في استخراج الحكم من شواهده، ثم شروط المجتهد ومراتبه، وما يتعلق بالفتوى وآدابها وأهلها، والتقليد وحدوده وأحكام من لا يملك آلة النظر.
ويأخذ علم المقاصد في الكتاب موقعًا أصيلًا لا تابعًا؛ إذ يربطه بمعرفة علل التشريع وحِكَم الأحكام وبتمييز الاستدلال الصحيح من الفاسد. فيبحث مراتب المصالح من ضروريات وحاجيات وتحسينيات، وعلاقة بعضها ببعض، ويجعل الحاجيات مرتبةً ترفع الضيق والحرج من غير أن يبلغ فقدها حد انهيار النظام، بينما تكمل التحسينيات الحاجيات والضروريات، ولا تنحصر التحسينيات عنده في المستحبات؛ فقد يكون الحكم التحسيني واجبًا أو شرطًا بحسب الدليل. ويتناول كذلك الضروريات الكبرى وما شرع لحفظها، ويفصل في المصالح المعتبرة والملغاة والمرسلة، وشروط الاعتداد بالمصلحة، والخلاف بين الأصوليين في نطاق الاحتجاج بها.
ولا يجعل المقاصد دليلًا منفصلًا يضاف إلى سائر الأدلة، بل يربطها ببنية الاستدلال نفسها؛ فهي حاضرة في فهم النصوص، وفي استنباط علل القياس، وفي تقدير المصالح، وفي الترجيح عند تعارض وجوه النظر. ولذلك يرى أن معرفة المقصد تعين على التمييز بين القياس الصحيح والفاسد، وعلى إدراك وجه المصلحة التي راعاها الشارع، وعلى وزن الأحكام في سياقها من غير أن تتحول مراعاة الواقع إلى تفلت من النصوص. فمراعاة حال الناس وعاداتهم وأعرافهم مقيدة عنده ببقاء ثوابت الشريعة وحاكمية أصولها.
ويصب هذا كله في الجانب التطبيقي الذي صرح المؤلف بأنه مقصود من الكتاب منذ مقدمته؛ فالأصول والمقاصد لا يراد بهما عنده إنشاء ثقافة اصطلاحية منفصلة عن الفقه، وإنما تدريب الباحث على بناء الحكم من دليله، وفهم علته ومقصده، والنظر في واقعه، ثم تنزيله على الحادثة تنزيلًا منضبطًا. ولهذا ألحق بالبحث النظري تدريبات ومسائل عملية يقصد بها أن يمارس الطالب الجمع بين القاعدة والدليل والمقصد والواقع، حتى تتحول المعارف المتفرقة في الأصول إلى ملكة يستعملها في الفقه والعقيدة وغيرها من ميادين النظر الشرعي.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














