
نبذة عن الكتاب:
يبحث صلاح الدين العلائي في كتاب «تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد» قاعدة أصولية تتشعب عنها مسائل كثيرة في العبادات والمعاملات، وهي دلالة النهي على فساد الفعل المنهي عنه. ويبدأ بتحرير مادة النزاع قبل الاستدلال، فيبين استعمالات صيغة «لا تفعل»، ويجعل محل البحث النهي الدال على التحريم، لأن نهي التنزيه لا يلزم منه عنده فساد المنهي عنه لمجرد الكراهة. ثم يقسم النهي بحسب متعلقه إلى ما يرجع إلى ذات الفعل، وما يرجع إلى وصف لازم له، وما يرجع إلى أمر خارج عنه، ويجعل هذا التفريق أساسًا لتحديد الصور التي يترتب فيها الفساد والصور التي يبقى فيها الفعل صحيحًا مع حصول الإثم من جهة أخرى.
ويمهد لذلك أيضًا بتحقيق معنى الصحة والفساد؛ فيعرض اختلاف المتكلمين والفقهاء في صحة العبادة، بين موافقتها لأمر الشارع بحسب حال الفاعل وبين إسقاطها القضاء، ويناقش ما يتفرع على هذين الاصطلاحين. أما في المعاملات فيربط الصحة بترتب الآثار المقصودة من العقد، كالملك في البيع واستحقاق المنفعة في الإجارة، ويختبر هذا التعريف بما قد يتخلف فيه بعض آثار العقد مع بقائه صحيحًا. ثم يقابل بين مذهب الجمهور في ترادف الباطل والفاسد وبين اصطلاح الحنفية الذين يجعلون الفاسد مشروعًا بأصله ممنوعًا بوصفه، والباطل ممنوعًا بأصله، ويعرض ما للمالكية من توسط في بعض صور البيع الفاسد بإثبات شبهة الملك وآثارها.
ويستقصي بعد ذلك مذاهب الأصوليين في أصل القاعدة، فلا يحصرها في قولين متقابلين، بل يجمع صورًا متعددة من الخلاف: القول بأن النهي يقتضي الفساد مطلقًا، والقول بنفي دلالته عليه، والتفريق بين العبادات والمعاملات، وبين النهي لذات الشيء والنهي لغيره، وبين ما يخل بركن أو شرط وما لا يخل بهما، إلى جانب مذهب الحنفية في دلالة النهي في بعض الصور على صحة الأصل مع فساد الوصف. ويلاحظ أن اختلاف الاصطلاح في معنى الفساد، واختلاف جهة الدلالة أهي لغوية أم شرعية، وهل هي قطعية أم ظنية، يزيد عدد الصور والمذاهب حتى يتجاوز مجرد التقسيم المشهور.
ويرجح أن النهي إذا تعلق بذات الشيء أو بوصف لازم له اقتضى فساده، سواء كان المنهي عنه عبادة أم عقدًا، أما إذا تعلق النهي بأمر خارج مجاور للفعل فلا يقتضي فساده. كما يجعل دلالة النهي على الفساد في القسمين الأولين مستفادة من الشرع لا من مجرد الوضع اللغوي. وينسب هذا التفصيل إلى ما ينسجم مع أصول الشافعي، ويقدمه على القول بإطلاق الفساد في جميع المناهي أو إطلاق الصحة فيها.
ويخصص فصلًا لإقامة الأدلة على هذا المختار، فيستدل للنهي العائد إلى ذات الفعل بالنص والإجماع والمعقول، ومن النصوص حديث رد العمل المحدث في الدين، ويبحث دلالته على أن العمل الواقع على خلاف أمر الشارع مردود غير معتد به. ويضم إلى ذلك الأحاديث التي أبطل فيها النبي صلى الله عليه وسلم معاملات مخصوصة، ويستدل من إبطالها على ارتباط التحريم بعدم الاعتداد بالفعل عند رجوع النهي إلى نفسه أو إلى ما يقوم به قيامًا لازمًا.
ولا يكتفي بإثبات المذهب الذي اختاره، بل يعرض حجج القائلين بأن النهي لا يقتضي الفساد، ومنها أن مدلول صيغة النهي هو طلب الترك والتحريم لا الحكم الوضعي بالفساد، وأن صورًا كثيرة اجتمع فيها النهي مع الصحة، كالصلاة في بعض المواضع المنهي عنها أو البيع في أوقات مخصوصة. ثم يجيب بالتفريق بين جهة النهي: فإن كان التحريم منصبًا على نفس الفعل أو وصفه اللازم كان الحكم غير مشروع من هذه الجهة، أما إذا كان المحظور أمرًا منفصلًا عن حقيقة العبادة أو العقد أمكن بقاء أصل الفعل صحيحًا مع الإثم في الأمر المصاحب له.
ويجعل الصلاة في الدار المغصوبة من أبرز المسائل الكاشفة لهذا الفرق؛ لأن النهي فيها لا يتناول حقيقة الصلاة وأركانها وشروطها من حيث هي صلاة، وإنما يتوجه إلى الغصب واللبث المحرم في ملك الغير. ومن هذا الباب عنده النهي عن البيع وقت النداء إلى الجمعة، وبيع الإنسان على بيع أخيه، وبيع الحاضر للبادي ونظائرها؛ فالمنع فيها ناشئ عن معنى خارج عن حقيقة العقد، ولذلك لا يلزم من ارتكابه فساد نفس التصرف. وفي المقابل تدخل الصلاة بغير طهارة، وصوم يوم العيد، والعقود الربوية على الوجه المحرم، ونحوها في الصور التي يرجع فيها الخلل إلى ذات العمل أو إلى وصف لا ينفك عنه.
ويختبر هذا الضابط بفروع فقهية متعددة حتى لا يبقى مجرد تقسيم نظري؛ فيناقش بيع العنب لمن يتخذه خمرًا، والتصرية، وتلقي الركبان، والتفريق في البيع بين الوالدة وولدها، ونكاح المحرم، وغيرها. ففي التصرية وتلقي الركبان يستدل بإثبات النبي صلى الله عليه وسلم الخيار على انعقاد أصل البيع، مع وجود النهي عن الغش أو التلقي، لأن جهة التحريم خارجة عن حقيقة العقد. أما إذا أدى النهي إلى فقد شرط معتبر في نفس التصرف، كتعذر التسليم شرعًا، انتقل الحكم إلى الفساد من هذه الجهة.
ويفرد مذهب الحنفية بمناقشة مستقلة، وبخاصة قولهم إن النهي عن الشيء لوصفه اللازم قد يدل على صحة أصله مع فساد وصفه. ويعترض بأن التحريم لا يستلزم الصحة لا بلفظه ولا بمعناه، وأن وصف التصرف بالصحة يستدعي مشروعيته وترتب آثاره المقصودة عليه، وهو ما ينافي كون ذاته أو وصفه اللازم محلًا للتحريم. ثم يقارن هذا الأصل بتطبيقاتهم في البيع الفاسد، والربا، والطواف مع الحدث، وبعض صور النكاح والعبادات، ويكشف ما يراه اضطرابًا في التفريق بين ما جعلوه باطلًا وما جعلوه فاسدًا مع اشتراك الصور في علة النهي أو تعلقه بوصف لازم.
ويخصص في آخر الرسالة تنبيهات لاختبار مدى اطراد القواعد عند المذاهب، فيذكر أن بعض من أطلق القول بفساد كل منهي عنه اضطر إلى تصحيح أو إنفاذ صور من المناهي، كما يناقش ما وقع عند الحنفية والحنابلة والظاهرية والمالكية من فروع لا تجري دائمًا على الإطلاق الأصولي المنقول عنهم. ويقابل ذلك بما يراه من اطراد التفريق بين النهي العائد إلى الذات أو الوصف اللازم وبين النهي العائد إلى أمر مجاور، فيربط القاعدة الأصولية مباشرة بنتائجها في الصلاة والصيام والبيع والنكاح والطلاق وسائر التصرفات.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














