
نبذة عن الكتاب:
يَجمع أبو محمد علي بن أحمد ابن حزم الأندلسي في كتاب «النبذة الكافية في أحكام أصول الدين» جملةَ الأصول التي بسط القول فيها في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام»، ويعرضها في صياغة موجزة أراد بها تيسير تناولها وحفظها، وجعلها مدخلًا إلى كتابه المطول. وينطلق فيها من أصل يحكم سائر مسائله، وهو أن الدين قد كمل، وأن أحكامه تُعرف من القرآن الكريم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإجماع المتيقن؛ ولذلك يربط الفتوى والقضاء والعمل بالدليل، ويجعل كل إيجاب أو تحريم أو إباحة محتاجًا إلى برهان من الشرع.
ويَضع الإجماع في جملة الأصول التي تثبت بها الأحكام، ثم يضبط المقصود به ضبطًا شديدًا؛ فالإجماع المتيقن عنده هو ما ثبت اتفاق الصحابة رضي الله عنهم عليه، لأنهم شهدوا التنزيل وتلقوا الشريعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا اتفقوا على حكم كان اتفاقهم كاشفًا عن ثبوته في الدين. أما العصور اللاحقة، فقد انتشر العلماء فيها في البلدان وتعذر استقصاء أقوالهم على وجه يثبت معه اتفاق الجميع، فلا تصح دعوى الإجماع بمجرد عدم العلم بالمخالف.
ومن هذا الأصل يرفض جعل سكوت بعض الصحابة رضي الله عنهم موافقةً قطعية لقول نُقل عن غيرهم؛ إذ قد لا يكون القول قد بلغهم أصلًا، وقد تفرقوا في الأمصار واتسعت مواطنهم. ويبحث كذلك دعوى اختصاص أهل المدينة بحجية مستقلة، فيجعل الاعتبار بثبوت الدليل والإجماع، لا بمجرد انتساب القائلين إلى بلد معين. وعند تحقق الخلاف يعود الحكم إلى القرآن والسنة، فيكون القول الموافق للنص هو المتبع.
ويستعمل استصحاب الحال حين يثبت حكم ثم تُدَّعى إزالته بغير دليل؛ فبراءة الذمة تبقى حتى يثبت شغلها، والنكاح الثابت يبقى حتى يقوم ما يزيله، وسائر الأحكام المستقرة تستمر على ما ثبتت عليه حتى يرد ناقل صحيح. ويجري إلى جانب ذلك على «أقل ما قيل» في المواضع التي ثبت فيها قدر معين وبقيت الزيادة بلا برهان؛ فيثبت المقدار المتيقن ويقف عنده، لأن الزيادة حكم آخر يحتاج إلى دليل.
ثم يَنتقل إلى السنة من جهة طريق وصولها، فيقسم الأخبار إلى متواتر وآحاد، ويفحص أخبار الآحاد بحسب اتصال السند وأحوال رجاله. فالخبر الذي ينقله الثقة الضابط عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يفارق المرسل والمنقطع وما دخل في طريقه مجهول أو مجروح؛ لأن معرفة حال الناقل جزء من معرفة صحة الخبر نفسه. ولهذا يعتني بالعدالة والضبط واتصال الرواية، ويجعل سقوط الواسطة مانعًا من معرفة الصفة التي يتوقف عليها قبول النقل.
ويُثبت حجية خبر الواحد إذا رواه الثقات واتصل إسناده، ويستدل بإرسال النبي صلى الله عليه وسلم أفرادًا إلى القبائل والبلدان لتعليم الناس أحكام دينهم، وبقبول المسلمين ما نقلوه إليهم. ويشترط في الراوي الضبط مع العدالة؛ لأن صلاح الراوي في دينه لا يمنع وقوع الخطأ منه إذا ساء حفظه. ويجري حكم الرواية على الرجال والنساء وسائر من تحققت فيهم شروط القبول من غير تفريق لا يدل عليه برهان.
ويجعل الخبر الصحيح المتصل طريقًا إلى ثبوت ما أخبر به، ويربط حفظ السنة بحفظ الله تعالى لدينه وذكره. وعلى هذا الأساس لا تُترك الآية أو السنة الصحيحة لاحتمال خطأ غير ثابت، ولا تُدَّعى إزالة حكمها بالنسخ أو تضييق دلالتها بالتخصيص من غير دليل. فالأصل إجراء النص الثابت على مقتضاه حتى يقوم برهان صحيح ينقل الحكم إلى وجه آخر.
وتَتأسس دلالات الألفاظ عند ابن حزم على اللسان العربي الذي نزل به القرآن وجاءت به السنة؛ فيُحمل الكلام على ظاهره ومعناه المعروف في اللغة، ويحتاج صرفه عن ذلك إلى دليل. وإذا كان اللفظ محتملًا لمعنيين على السواء لم يجز تعيين أحدهما تحكمًا. أما الألفاظ التي خصها الشرع بمعانٍ معلومة، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فمرجعها إلى مدلولها الشرعي الذي بيَّنه الوحي.
ويُقرِّر أن البيان يجب أن يحصل حين يأتي وقت العمل بالحكم، حتى يعرف المكلف ما يلزمه فعله أو تركه. ويبحث النسخ ضمن انتقال الأحكام الثابت بالدليل، ويجيز وقوعه بين القرآن والسنة لأنهما وحي من الله تعالى؛ فالقرآن قد يُنسخ بالقرآن، وقد يثبت نسخ حكمه بالسنة الصحيحة، والعبرة بثبوت الناسخ وتأخره ودلالته على رفع الحكم السابق.
ويَحمل الأمر الشرعي على الوجوب والمبادرة بحسب الاستطاعة ما لم يَرِد ما يصرفه عن ذلك، ويستدل بحديث الأمر بالحج وما أعقبه من النهي عن كثرة السؤال. فالمأمور به يلزم امتثاله على الوجه الذي جاء به الخطاب، والمنهي عنه يلزم اجتنابه، وتبقى الأشياء التي لم يتعلق بها أمر أو نهي في دائرة العفو حتى يَرِد حكم ينقلها عنها.
أما أفعال النبي صلى الله عليه وسلم فيجعل التأسي بها مندوبًا في أصلها، ثم تتغير مرتبتها حين تأتي بيانًا لأمر واجب أو تنفيذًا له؛ فالفعل البياني يتبع الحكم الذي يبينه. وبذلك يربط دلالة الفعل بالسياق الشرعي الذي وقع فيه، ويميز بين الفعل المجرد والفعل الذي يكشف كيفية امتثال خطاب سابق.
ويَربط التكليف بأهلية المكلف وبلوغ الأمر إليه، فيتناول العقل والبلوغ ووصول الحجة، وما يترتب على ذلك من المؤاخذة. ويبحث الاستثناء من جهة دلالته في العربية، ويصحح وقوعه من الجنس ومن غير الجنس. ثم يتناول العبادات والأعمال المحددة بأوقات، فيفرق بين حكم انتهى وقته المحدد فلا يُنقل إلى وقت آخر من غير دليل، وبين واجب دخل وقته واستقر في الذمة فبقي طلب أدائه قائمًا حتى يحصل الامتثال، بحسب ما دل عليه الشرع في كل عبادة.
وتدخل النية في أحكام العمل من جهة ارتباط العبادة بالقصد؛ فالإخلاص وقصد الامتثال متعلقان بالقلب عند الشروع في العمل، مستندًا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في ارتباط الأعمال بالنيات. كما يجعل القدرة معتبرة في مقدار ما يلزم المكلف؛ فالواجب يؤدى بحسب الاستطاعة، والنيابة في بعض التكاليف تثبت حيث جاء بها النص، كالحج عمن استمر عجزه على الوجه الذي دل عليه الدليل.
ويُرتِّب أحكام الأفعال في الفرض والحرام والتطوع المندوب والمباح وما يتصل بالحلال، ويجعل الانتقال من حكم إلى حكم تابعًا للخطاب الشرعي. وتأخذ المسائل المسكوت عنها موقعًا مهمًا في هذا البناء؛ فتمام الدين وبيان ما حرمه الله تعالى يقتضيان بقاء ما لم يرد فيه منع أو إلزام على العفو والإباحة، حتى يأتي نص يثبت له حكمًا آخر.
وعلى هذا الأساس يُبطل ابن حزم القياس في الأحكام الشرعية؛ فالنصوص قد بيَّنت الدين، ولا يحتاج إثبات حكم لنازلة إلى إلحاقها بنازلة أخرى بعلة مستنبطة. ويختبر بناء القياس من داخله: الأصل والفرع يشتركان في صفات ويفترقان في صفات أخرى، واختيار وصف من أوصاف الاشتراك ليُنقل الحكم بسببه يحتاج هو نفسه إلى برهان. فإذا وُجد البرهان الشرعي صار الحكم ثابتًا بذلك البرهان، وإذا لم يوجد بقي الإلحاق دعوى لا يثبت بها حكم في الدين.
وتوضح مسألة الحج هذا الأصل؛ فتكرار الصلاة كل يوم، والصيام كل عام، والزكاة عند تجدد سببها، لا ينتج وجوب تكرار الحج بطريق المقايسة. وقد جاء السؤال إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن وجوب الحج كل عام، فورد البيان النبوي الذي يحدد الحكم. وهكذا يكون النص نفسه هو الطريق إلى معرفة حكم الواقعة، وتبقى المماثلات بين العبادات أو المعاملات عاجزةً عن إنشاء حكم شرعي من غير دليل.
ويمتد رفض القياس إلى التعليل الذي يُنشئ أحكامًا لم ينص عليها الشرع؛ فوجود حكمة ظاهرة أو شبه بين واقعتين لا يمنح الناظر حق نقل حكم إحداهما إلى الأخرى. ويستدل ابن حزم باختلاف الأشياء المتشابهة في أحكام كثيرة، واجتماع الأشياء المختلفة في بعض الأحكام، لبيان أن تحديد الأوصاف المؤثرة مرده إلى الوحي. ومن ثم يكون طلب النصوص واستقصاء دلالاتها هو الطريق السابق على كل محاولة لإثبات الحكم.
ويَرفض التقليد حين يعني قبول قول إنسان في الدين بغير برهان؛ فالحجة في القرآن الكريم وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ثبت من الإجماع، ولا تتحول أقوال العلماء أو آحاد الصحابة رضي الله عنهم إلى مصادر تشريعية مستقلة. ومن بلغته الحجة اتبعها، ومن خفي عليه الحكم سأل من يعلمه حتى يعرف ما ثبت في المسألة. وبذلك تصبح وظيفة العالم تعريف السائل بحكم الشريعة، وتبقى نسبة القول إلى إمام أو مذهب خارجةً عن مرتبة الدليل.
ويَفرق في هذا الموضع بين التقليد المذموم وسؤال من يعرف الحكم؛ فالعامي يحتاج إلى أهل العلم ليصل عن طريقهم إلى ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم، وليس مطلوبًا منه أن يستقل باستنباط كل حكم. والإنكار متوجه إلى جعل قول المسؤول حجةً في ذاته، بحيث يُقبل من غير برهان ويُقدَّم على النص إذا خالفه.
ويُجيز لمن عرف حكم مسألة واحدة من القرآن والسنة على وجهه الصحيح أن يتكلم فيها ويفتي بها، ولو لم يحط بسائر أبواب الفقه؛ فالعلم عنده يتجزأ، وقد يعلم الفقيه أحكامًا وتخفى عليه أخرى. ومن جهل مسألة توقف فيها حتى يعلم دليلها، ومن عرفها أقام فتواه على ما ثبت لديه من القرآن الكريم أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غير اشتراط الإحاطة بجميع مسائل الدين قبل الكلام فيما أحسن معرفته.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














