
نبذة عن الكتاب:
يَبدأ محمد الأمين الشنقيطي في محاضرته «المصالح المرسلة» من تقسيم المصالح التي يدور عليها التشريع إلى 3 مراتب: درء المفاسد، وهي الضروريات؛ وجلب المصالح، وهي الحاجيات؛ والجري على مكارم الأخلاق وأحسن العادات، وهي التحسينيات والتتميميات. ثم يربط هذه المراتب بالأوصاف التي تُناط بها الأحكام، فيميز بين الوصف المناسب الذي تتضمن إناطة الحكم به مصلحة، والوصف الطردي الذي لا تتضمن إناطة الحكم به مصلحة أصلًا، والوصف الشبهي الذي لا تظهر مناسبته في ذاته ولكنه يستلزم المناسب تبعًا.
ويُفصِّل الوصف الطردي إلى ما يكون طرديًا في جميع أحكام الشرع، كالطول والقصر، وإلى ما يكون طرديًا في باب دون آخر، كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق مع اعتبارهما في أحكام أخرى كالميراث والشهادة. أما الوصف الشبهي فيمثله بما لا تظهر مناسبته للحكم مباشرةً، ولكن يتوصل منه إلى وصف مناسب تؤثر أمثاله في جنس ذلك الحكم، كما في بعض صور قياس الشبه التي ناقشها الأصوليون.
ثم يَجعل الوصف المناسب هو موضع البحث الأساس، ويقسم المصلحة التي يتضمنها إلى 3 حالات: أن يشهد دليل خاص باعتبارها، أو يشهد دليل خاص بإهدارها، أو لا يشهد دليل خاص لا باعتبارها ولا بإلغائها. فإذا شهد الشرع باعتبارها كانت من المناسب المؤثر أو الملائم، وإذا شهد بإهدارها لم يجز التعويل عليها، وإذا لم يرد دليل خاص في اعتبارها ولا في إهدارها فهي «المصلحة المرسلة»، وسميت مرسلة لإطلاقها عن دليل خاص يقيدها بالاعتبار أو الإلغاء، وتسمى كذلك الاستصلاح.
ويَردُّ الشنقيطي بعد ذلك على ما نُسب إلى الإمام مالك من التوسع في المصالح المرسلة حتى قيل إنه يجيز قتل ثلث الأمة لإصلاح الثلثين، أو قطع الأعضاء في التعزير، فيقرر بطلان هذه النقول، وينص على أنها لا تثبت عن مالك ولا توجد في كتب مذهبه. أما ضرب المتهم ليقر بالسرقة فيثبت عنده عن مالك فيمن ثبتت خيانته من قبل، لا في كل متهم، لأن ثبوت الخيانة السابقة يجعل جانب الاحتياط للمال أرجح.
ويَستدل للعمل بالمصلحة المرسلة بما جرى عليه الصحابة رضي الله عنهم من غير نكير؛ فيذكر نقط المصحف وشكله وكتابته حفظًا له، وجمع عثمان رضي الله عنه الناس على مصحف واحد، وتولية أبي بكر رضي الله عنه عمر رضي الله عنه، وجعل عمر رضي الله عنه الخلافة شورى بين 6، وتوسعة المسجد بهدم الدور المجاورة، وزيادة عثمان رضي الله عنه الأذان يوم الجمعة لكثرة الناس، واتخاذ السجون، وتدوين الدواوين. ويجعل اتفاق الصحابة رضي الله عنهم على هذه التصرفات من غير نص خاص في كل واقعة دليلًا على اعتبار المصالح التي لا يعارضها أصل شرعي.
ثم يَعرض اختلاف العلماء في حجية المصالح المرسلة، فيذكر من ردها، ومن اعتبرها مطلقًا، ومن قيد العمل بها بقيود. ويورد نقولًا عن المالكية والشافعية وغيرهم تدل على أن العمل بالمصلحة المرسلة لم يكن حكرًا على مذهب مالك، بل دخل عمليًا في اجتهادات المذاهب المختلفة، وإن تفاوتت عبارتهم في تقريره. ويبرز خصوصًا كلام القرافي في أن كثيرًا من الشافعية استعملوا المصالح في فروعهم وإن أعلنوا التباعد عنها.
ويَنقل عن الغزالي تقسيم المصلحة بحسب شهادة الشرع إلى معتبرة وملغاة ومرسلة، ثم يذكر تفريقه بين مراتبها؛ فالمصلحة الواقعة في الضروريات قد يعمل بها إذا بلغت حدًا قويًا من القطع والكلية والضرورة، أما الحاجيات والتحسينيات فلا يكفي مجردها عنده من غير شهادة أصل. ويورد مثال تترس الكفار بأسرى المسلمين، حيث تتعارض حرمة قتل المعصوم مع مصلحة حفظ عموم المسلمين من الاستئصال، فيبرز الغزالي شروط الضرورة والكلية والقطع في هذا المثال.
ويَناقش الاعتراضات الواردة على مثال التترس؛ فيذكر اعتراض السبكي بأن هذه الصورة ليست من المصالح المرسلة أصلًا إذا دل الشرع على اعتبار جنسها، واعتراض الأبياري على إمكان ضبط القيود التي ذكرها الغزالي. ثم يورد مثالًا آخر من «المستصفى» في فرض الإمام مالًا على الأغنياء عند خلو بيت المال من النفقة اللازمة للجند، إذا ترتب على ترك ذلك خوف دخول الكفار أو انتشار الفتنة، فيجعل دفع الضرر الأعظم مبررًا لتحمل الضرر الأخف في الأموال.
ويتوقف الشنقيطي عند ترك عمر رضي الله عنه تقسيم بعض الأراضي المفتوحة، ويرفض اعتباره تخصيصًا لعموم القرآن الكريم بمجرد المصلحة المرسلة. ويقرر أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم دل على تخيير الإمام بين قسم الأرض المغنومة وبين إبقائها لمصلحة المسلمين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم بعض الأراضي وترك بعضًا، فاختيار عمر رضي الله عنه إبقاء الأرض كان ترجيحًا لأحد الأمرين الجائزين استنادًا إلى المصلحة، لا إنشاء حكم جديد في مقابل النص.
ويَنتهي إلى أن الصحابة رضي الله عنهم عملوا بالمصالح التي لم يدل دليل على إلغائها ولم تعارضها مفسدة راجحة أو مساوية، وأن فقهاء المذاهب جميعًا استعملوا هذا المسلك في صور متعددة، لكن العمل به يحتاج إلى غاية التحفظ. فلابد من التحقق من حقيقة المصلحة، ومن عدم معارضتها بمصلحة أرجح، أو بمفسدة راجحة أو مساوية، ومن ألا تصادم نصًا من الوحي، وألا تفضي في مآلها إلى مفسدة أكبر.
ويُوضِّح هذه الضوابط بأمثلة عملية؛ فمن المصلحة المرجوحة منع غرس العنب خشية عصر الخمر منه، لأن مصلحة انتفاع الناس بالعنب والزبيب أرجح. ومن المصلحة التي تعارضها مفسدة مساوية أو راجحة إعطاء الكفار سلاحًا في فداء الأسرى إذا علم أن ذلك السلاح سيعينهم على قتل عدد من المسلمين مساوٍ للأسرى أو أكثر منهم. ويضرب كذلك مثالًا بالمصلحة التي تنقلب في المستقبل إلى مفسدة أعظم، كتَصوير الصالحين في قوم نوح عليه السلام للتذكير بعبادتهم، ثم صيرورة تلك الصور وسيلة إلى الشرك، فيجعل النظر في مآلات المصالح شرطًا لازمًا قبل العمل بها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














