
نبذة عن الكتاب:
يُعيد أبو حامد الغزالي في كتاب «المستصفى من علم الأصول» ترتيب مسائل أصول الفقه حول العملية التي ينتقل بها الفقيه من الدليل إلى الحكم؛ فيجعل الحكم ثمرةً، والأدلة مثمرةً، ووجوه دلالتها طريقًا للاستثمار، والمجتهد هو المستثمِر الذي يستخرج الحكم منها. وقد ألَّفه استجابةً لمن طلب منه كتابًا يتوسط بين استقصاء «تهذيب الأصول» وإيجاز «المنخول»، ويجمع إحكام الترتيب بتحقيق المسائل، حتى يتمكن الناظر منذ البداية من الإحاطة بمقاصد العلم ومبانيه قبل الدخول في تفاصيله. ولهذا بنى الكتاب على مقدمة و4 أقطاب: الأحكام، والأدلة، وطرق استثمار الأحكام من الأدلة، والمجتهد وما يقابله من المقلد.
ويُعرِّف أصول الفقه من جهة الأدلة الإجمالية للأحكام ووجوه دلالتها عليها، ويفرق بذلك بين عمل الأصولي وعمل الفقيه؛ فالفقيه ينظر في دليل خاص لحكم خاص، أما الأصولي فينظر في أصل حجية الكتاب والسنة والإجماع، وشروط ثبوتها، وطرق دلالتها من حيث الصيغ والمفاهيم والمعاني المستنبطة. ويجعل الفقه وأصوله من العلوم التي يجتمع فيها العقل والسمع؛ فلا تقوم على النظر العقلي المجرد، ولا على النقل الذي يستغني عن النظر، وإنما يحتاج الفقيه إلى صحة المنقول وإلى آلة تعقل دلالته.
وقبل الأقطاب يَضع مقدمةً في مدارك العلوم، لأن البحث الأصولي عنده يحتاج إلى تصور معنى العلم والدليل والنظر وكيفية إنتاج المقدمات للنتائج. لكنه ينبه في الوقت نفسه إلى أن كثيرًا من الأصوليين خلطوا أصول الفقه بعلم الكلام والنحو والفروع الفقهية، فأدخل كل فريق في الأصول من صناعته أكثر مما يحتاج إليه هذا الفن. ولذلك يقتصر من تلك المقدمات العقلية على ما تظهر فائدته العامة في ضبط النظر والاستدلال، ولا سيما الحد والبرهان وأقسام العلوم والأدلة، حتى يمتلك الناظر ميزانًا يميز به صحيح الاستدلال من فاسده.
ويبدأ القطب الأول بالحكم نفسه، فيبحث حقيقته وأقسامه وما يتعلق به من الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم فيه وما يظهر الحكم به من سبب وعلة وشرط. ويجعل الحكم خطاب الشرع، ويناقش الحسن والقبح ودور العقل قبل ورود الشرع، ثم يَفصل الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه، والصحة والفساد، والقضاء والأداء، والعزيمة والرخصة. ولا يقف عند تعريف هذه الأقسام، بل يختبر حدودها وما يدخل فيها وما يخرج عنها، ويعالج مسائل التكليف المتصلة بالصبي والمجنون والناسي والمكره والسكران والكافر بفروع الشريعة، وما يمكن تعلق الخطاب به من أفعال المكلفين.
ويَنتقل في القطب الثاني إلى الأدلة التي تُثمر الأحكام، فيذكر الكتاب والسنة والإجماع، ويضيف دليل العقل من جهة دلالته على النفي الأصلي والبراءة الأصلية عند انتفاء الدليل السمعي. ويقرر أن الحكم في حقيقته لله تعالى وحده، وأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تُظهر حكم الله تعالى وتخبر عنه، وأن الإجماع يدل على مستند شرعي، أما العقل فلا يُنشئ حكمًا شرعيًا مستقلًا، وإنما يدل على بقاء النفي الأصلي حيث لم يرد دليل ناقل عنه.
وفي الكتاب الكريم يبحث حقيقته وحدَّه وطريق ثبوته، ويجعل التواتر شرطًا في ثبوت القرآن، ثم يناقش قضايا تتصل بألفاظه، كالحقيقة والمجاز، ووجود الكلمات التي أصلها غير عربي بعد جريانها على ألسنة العرب، والمحكم والمتشابه. ويربط مباحث الألفاظ هنا بما سيأتي لاحقًا في طرق الاستدلال، لأن ظاهر النص قد يتطرق إليه التأويل، وعمومه قد يُخصَّص، وحكمه قد يدخله النسخ.
ويُفصِّل السنة من جهة أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقواله وطرق ثبوتها، ثم يتوسع في الأخبار والتواتر وخبر الواحد وشروط الراوي والعدالة والجرح والتعديل، وما يقبل من الروايات وما يرد، وصيغ نقل الصحابي رضي الله عنه للخبر ومراتب دلالتها على السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويتصل بذلك النسخ، فيبحث حقيقته وإمكانه وشروطه وما يجوز نسخه وما لا يجوز، ونسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة وما يقع بينهما، وكيف يُعرف الناسخ والمتقدم والمتأخر.
ثم يجعل الإجماع أصلًا مستقلًا، فيبحث حقيقته وإمكان انعقاده وحجيته، ومن يدخل في أهل الإجماع، وحكم إجماع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، وانقراض العصر، والإجماع السكوتي، وإمكان استناد الإجماع إلى اجتهاد أو قياس، وما يلزم من ثبت عنده الإجماع. وبعد الفراغ من الأصول المعتمدة يناقش ما يسميه «الأصول الموهومة»: شرع من قبلنا، وقول الصحابي رضي الله عنه، والاستحسان، والاستصلاح؛ فلا يكتفي بإثبات الخلاف فيها، بل يختبر إمكان عدِّ كل واحد منها دليلًا مستقلًا، ويرد ما صح منها إلى أصل معتبر من نص أو إجماع أو قياس أو مصلحة شهد لها الشرع.
وفي الاستحسان يرفض أن يكون مجرد ما يستحسنه المجتهد بعقله أو ما يميل إليه من غير مستند شرعي؛ لأن الحكم حينئذ يصير اتباعًا للهوى، بينما ما قام عليه دليل معتبر فحجيته مستمدة من ذلك الدليل لا من اسم الاستحسان. أما الاستصلاح فيربطه بالمصلحة التي تلائم مقاصد الشرع، ويميز في المصالح بين الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ويجعل حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال من المصالح الضرورية التي تُراعى في التشريع، لكنه لا يطلق العمل بكل مصلحة يتخيلها الناظر من غير ضابط أو شهادة من أصول الشرع.
ويَجعل القطب الثالث عمدةً لطريقة استخراج الأحكام من الأدلة، فيرد دلالة النصوص إلى وجوه متمايزة: دلالة اللفظ بمنظومه وصيغته، ودلالته بمفهومه وفحواه، وما يثبت بضرورة الكلام واقتضائه، ثم دلالة المعنى المعقول التي ينشأ عنها القياس. ولذلك تندرج تحت هذا القطب مباحث الأمر والنهي، والعموم والخصوص، والظاهر والنص والتأويل، والمجمل والبيان، ومفهوم الخطاب، وما يُفهم من لوازم الكلام وإن لم يصرح به اللفظ.
وفي الأمر والنهي يناقش دلالة الصيغة وما تقتضيه في أصل الوضع، والأمر بعد الحظر، والفور والتراخي، والتكرار والإجزاء، وتعلق الأمر بأضداد المأمور به، وما يترتب على النهي من فساد أو بطلان بحسب رجوعه إلى ذات الفعل أو شرطه أو أمر خارج عنه. ثم ينتقل إلى العموم وصِيَغه، وما يدخل تحته، والمخصصات المتصلة والمنفصلة، والاستثناء والشرط والصفة، وتخصيص العموم بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم إلى التأويل وشروط العدول عن الظاهر.
ويَحتل القياس مساحة واسعة من طريق «المعنى المعقول»؛ فيبحث أصله وحجيته وأركانه، والعلة وشروطها، وطرق إثباتها، والسبر والتقسيم والمناسبة والشبه والدوران، وما يعترض به على القياس من منع ومطالبة ونقض ومعارضة وقلب وغيرها. ولا يجعل مجرد وجود شبه بين أصل وفرع كافيًا للحكم، بل يشترط أن ينتظم المعنى المستنبط مع أصول الشرع وطريقته في ربط الأحكام بأوصافها، ويوازن بين قوة العلل وطرق إثباتها وما يصلح منها للتعدية إلى الفروع.
ثم يَجعل القطب الرابع للمجتهد؛ لأن الأدلة وطرق دلالتها لا تنتج حكمًا عمليًا إلا بمن يملك أهلية النظر فيها. فيقسم هذا القطب إلى الاجتهاد، والتقليد، وترجيح الأدلة عند التعارض، ويجعل للاجتهاد 3 أركان: نفس الاجتهاد، والمجتهد، والمجتهد فيه. والاجتهاد عنده استفراغ الوسع في طلب حكم الشريعة إلى حد يشعر معه الناظر بالعجز عن مزيد طلب، أما المجتهد فيحتاج إلى الإحاطة بمدارك الشرع والقدرة على ترتيب الأدلة واستثمارها.
ويُفصِّل ما يحتاج إليه المجتهد من الكتاب والسنة والإجماع ومعرفة البراءة الأصلية، ومن اللغة والنحو ما يكفي لفهم صريح الخطاب وظاهره ومجمله وعامه وخاصه ومطلقه ومقيده وحقيقته ومجازه، مع معرفة مواضع النسخ وتمييز المقبول من المردود في الرواية. ولا يشترط حفظ جميع آيات الأحكام أو أحاديثها عن ظهر قلب، بل معرفة مواضعها والقدرة على الرجوع إليها، كما لا يشترط التبحر في جميع علوم العربية، وإنما القدر الذي يُمكِّن من فهم خطاب الكتاب والسنة. ويقرر كذلك أن معرفة فروع الفقه ليست في ذاتها شرطًا سابقًا على الاجتهاد، وإن كانت ممارستها في الأزمنة المتأخرة وسيلة مهمة لاكتساب الدربة.
ولا يجعل الاجتهاد مرتبةً لا تقبل التجزؤ؛ فيجيز أن يبلغ العالم رتبة الاجتهاد في باب أو نوع من المسائل دون غيره إذا استكمل ما يحتاج إليه ذلك الباب، ولا يلزمه أن يكون قادرًا على الجواب عن كل مسألة. والمعتبر أن يكون على بصيرة فيما يفتي فيه، وأن يميز ما يعلمه مما لا يعلمه، فيتوقف حيث لم تتوافر له آلة النظر. كما يحصر محل الاجتهاد في الأحكام الشرعية التي لا دليل قطعيًا فيها، فلا يدخل في ذلك ما ثبت قطعًا من أصول الدين أو جليات الأحكام الشرعية.
ويَبحث بعد ذلك تصويب المجتهدين وتأثيم المخطئ ونقض الاجتهاد، ويفرق بين القطعيات والظنيات، ثم ينتقل إلى التقليد: من يجوز له التقليد، ومن يحرم عليه، وهل يجوز للعالم تقليد عالم آخر، وكيف يتصرف العامي عند تعدد المفتين واختلافهم. ويختم النظر بترجيح الأدلة عند التعارض، فيعرض وجوه الترجيح في الأخبار والألفاظ والقياس، ويبحث تقديم الأقوى سندًا ودلالة، وما يرجح أحد العمومين أو الظاهرين أو القياسين، حتى يكون الترجيح آخر مرحلة في عملية الاستنباط بعد معرفة الحكم ودليله ووجه دلالته وأهلية من ينظر فيه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














