مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب الفروق على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (قسم العبادات) لابن سنينة السامري PDF
كتاب الفروق على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (قسم العبادات) لابن سنينة السامري PDF

نبذة عن الكتاب:

يَجمع نصير الدين محمد بن عبد الله بن الحسين السامري، المعروف بابن سنينة، في كتاب «الفروق على مذهب الإمام أحمد بن حنبل» المسائلَ الفقهية التي تتشابه صورها ثم تختلف أحكامها، ويَكشف السبب الذي منع إلحاق إحداها بالأخرى مع ما بينهما من شبه ظاهر. وقد ألَّفه استجابةً لطلب بعض أصحابه أن يضع كتابًا يَشتمل على هذه المسائل، ويُوضِّح الفروق بينها ومآخذ أحكامها وأدلتها وعللها، حتى يتبين للفقيه طريق الحكم ويَصح قياس الفروع على الأصول ولا يَقيس مسألة على نظير ظاهري بينها وبينه فارق مؤثر. والقسم المحقَّق حتى الآن خاص بالعبادات، ويشمل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والاعتكاف والحج.

ولا يَسرد السامري أبواب الفقه على الطريقة التي تستوعب جميع مسائل كل عبادة، بل ينتقي فقط المسائل التي يتحقق فيها غرض «الفروق»: فرعان بينهما شبه في الصورة مع اختلاف الحكم، ثم يَذكر وجه التفريق بينهما. ولهذا قد يَرِد في أحد أبواب العبادات فرعٌ ينتمي موضوعه إلى عبادة أخرى؛ لأن الذي يَحكم موضع المسألة في الكتاب هو مناسبة الفرعين للمقارنة، لا مجرد انتمائهما إلى باب فقهي واحد. ويبدأ الفصل عادةً بذكر الحكمين المتقابلين، ثم يقول: «والفرق بينهما»، ويُقيم الفرق أحيانًا على نص خاص، وأحيانًا على اختلاف العلة أو الشرط أو حقيقة الفعل أو نوع الحق، ويَكتفي غالبًا بفارق رئيس واحد، وقد يَذكر أكثر من وجه أو يُورد اعتراضًا ويجيب عنه. كما يَنقل نصوصًا عن الإمام أحمد، ويَذكر أحيانًا الروايتين في المذهب ويُصحِّح إحداهما، بينما يَقتصر في أكثر المواضع على الحكم الذي يبني عليه الفرق.

ويَبدأ بكتاب الطهارة، فتدور فروقه على أحكام المياه والنجاسات والآنية والوضوء والغسل والحيض والنفاس وغيرها. ومن أوائلها الفرق بين تغير الماء بالتراب وتغيره بطاهر آخر كالزعفران أو الصابون؛ فيُبقي الماء المتغير بالتراب على طهوريته، ويُزيل الطهورية إذا تغير بمخالطة طاهر آخر على الوجه المذكور، ويربط ذلك بطبيعة المخالط وعلاقته بصفة التطهير. ثم يَفرق بين الملح المائي والملح الحجري؛ فالأول أصله الماء، فإذا ذاب عاد إلى أصله كذوبان الثلج والبَرَد، أما الثاني فليس أصله ماءً فلا يُعطى حكمه.

ويُدقِّق في أثر مقدار الماء وسبب نجاسته؛ فإذا بلغ الماء قلتين وتغير بالنجاسة ثم زال تغيره بنفسه حكم بطهارته، بينما لا يَحكم بذلك فيما دون القلتين، لأن علة التنجيس عنده تختلف بين الصورتين: الكثير لا ينجس إلا بالتغير، فإذا زال التغير زالت علته، أما القليل فتتعلق نجاسته بمجرد ورود النجاسة عليه في الحكم الذي يقرره. ويَفرق كذلك بين طهارة الماء وطهارة الإناء؛ فقد يكون الماء طاهرًا بعد بلوغه القلتين مع بقاء الإناء نجسًا إذا لم تتحقق فيه الغسلات المعتبرة، فيُظهر بذلك أن الحكم على المظروف لا يلزم أن يكون هو الحكم على الظرف.

ويَستمر في الطهارة بمقارنات يَكشف فيها أثر اختلاف الحدث أو السبب مع تقارب الصورة، ومن ذلك تفريقه بين بعض أحكام الحيض والنفاس؛ فيقرر أن لأقل الحيض حدًّا في المذهب الذي يَنقله، بينما لا يَجعل لأقل النفاس حدًّا، ويَبني فصول هذا القسم على تحديد الوصف الذي يَستقل بإحداث الحكم بدل التسوية بين الحالات لمجرد اشتراكها في أصل الدم الخارج من المرأة.

ثم يَنتقل إلى الصلاة، ويَفتتحها بالفرق بين ترك الصلاة وترك غيرها من العبادات؛ فيَنقل الحكم بكفر المسلم المكلف إذا ترك الصلاة بلا عذر مع اعتقاد وجوبها في التقرير الذي اعتمده، ولا يُجري الحكم نفسه على مجرد ترك سائر العبادات. ويَستدل بالنصوص الخاصة التي علقت الكفر بترك الصلاة، وبكون الصلاة قد سميت إيمانًا في القرآن الكريم، فيَجعل خصوص الدليل مانعًا من قياس بقية العبادات عليها.

ويَبرز أثر «ماهية الواجب» في تفريقه بين الاجتهاد في القبلة والاشتباه في الثياب الطاهرة والنجسة؛ فمن اشتبهت عليه القبلة في السفر اجتهد وصلى إلى الجهة التي غلبت على ظنه ولا يلزمه أن يكرر الصلاة إلى الجهات كلها، لأن فرضه الاجتهاد لا إصابة عين القبلة. أما من اختلطت عنده الثياب الطاهرة بالنجسة فيلزمه من التكرار ما يحصل به أداء الصلاة في ثوب طاهر بيقين؛ لأن المطلوب هنا تحقق شرط الطهارة لا مجرد بذل الاجتهاد.

ويُطبِّق هذا الأصل أيضًا على الفرق بين الخطأ في جهة القبلة والخطأ في وقت الصلاة؛ فمن تحرى القبلة فأخطأها أجزأته صلاته في الصورة التي يقررها، أما من تحرى الوقت فصلى قبل دخوله ثم بان له الخطأ فعليه الإعادة؛ لأن إصابة الوقت كانت ممكنة بالتأخير، والصلاة قبل الوقت وقعت قبل سبب وجوبها، بينما تعذر عليه الوصول إلى عين القبلة على وجه اليقين فلم يُكلف بغير ما قدر عليه من الاجتهاد.

ويَفرق في صلاة المسافر بين الفرض والنفل في السفينة؛ فيُلزم المصلي في الفريضة باستقبال القبلة كلما دارت السفينة ما دام قادرًا، بينما يُخفف في النافلة كما يُخفف للمسافر على الراحلة. ويَفرق بين قبول الثوب هبة وقبوله عارية لمن لا يجد ساترًا؛ فلا يُلزمه بقبول الهبة لما فيها من المنة، ويُلزمه بالعارية لانتفاء ذلك المعنى. ويَجعل أذان الفجر قبل الوقت مستثنى من بقية الصلوات لورود النص به ولحاجة الناس إلى التنبه والاستعداد للفجر وهم نيام، بخلاف غيره من الأوقات.

ويَنظر كذلك إلى الفرق بين شروط الصلاة وواجباتها؛ فيَفرق بين من صلى محدثًا ناسيًا لحدثه ومن صلى وعليه نجاسة ناسيًا لها وفق الرواية التي اعتمدها، فيُبطل الأولى لأن الطهارة من الحدث شرط لصحة الصلاة لا يسقط بالنسيان، بينما يَجعل إزالة النجاسة في هذا التخريج واجبًا يسقط بالنسيان. ثم يَفرق بين إمامة الأخرس وإمامة الأمي، فيعلل عدم تسوية أحدهما بالآخر بأن الأخرس ميؤوس من قدرته على القراءة، بخلاف الأمي الذي يمكن أن يتعلمها.

ويَكشف باب السفر عن توظيفه للفروق الأصولية؛ فالعاصي بسفره لا يستبيح عنده رخص القصر والجمع والفطر ومد مدة المسح، لكنه يَتيمم عند فقد الماء، لأن التيمم ليس رخصة مرتبطة بالسفر بل عزيمة مشروعة عند فقد الماء في الحضر والسفر. ويَفرق كذلك بين رجوع المسافر إلى بلد أقام فيه بالنية ثم خرج منه، وبين رجوعه إلى وطنه الأصلي؛ فالأول لا يصير مقيمًا بمجرد الرجوع لحاجة بعد زوال نية الإقامة، أما عودته إلى وطنه فيقطع حكم السفر بنفسه.

وفي الزكاة يَكشف الفرق بين الزيادة في جنس الواجب والعدول عنه إلى جنس آخر؛ فمن وجبت عليه شاة في خمس من الإبل لا يُجزئه عنده أن يُخرج بعيرًا بدلها، لأنه انتقل عن الجنس المنصوص، بينما من وجبت عليه بنت لبون فأخرج حقة أو جذعة أجزأه، لأن المدفوع من جنس الواجب لكنه أعلى منه. فالقيمة أو كثرة النفع وحدهما لا تكفيان عنده لإلغاء تعيين الجنس الشرعي في الصورة الأولى.

ويَبحث أثر النتاج في الحول، فيُفرِّق بين مال لم يبلغ النصاب إلا بولادة سخلة في أثناء الحول، وبين نصاب قائم وُلد له ما يزيد مقدار الواجب قبل تمام الحول؛ فالأول يبدأ حوله من وقت كمال النصاب، لأن ما دونه لم يكن سببًا للزكاة، بينما يتبع النتاجُ النصابَ الموجود في الثاني ويأخذ حكم أصله. كما يَفرق بين مجرد نية علف السائمة ونية تحويل عروض التجارة إلى القنية؛ فنية العلف وحدها لا تُسقط حكم السوم حتى يقع العلف بالفعل، أما نية القنية فتُزيل وصف التجارة الذي كان قائمًا بالنية.

ويَعرض فروقًا عملية دقيقة في عروض التجارة؛ فالملح الذي يشتريه الخباز ويدخله في الخبز المعد للبيع، والصبغ الذي يستهلكه الصباغ في الثوب مقابل الأجرة، يَعدهما مما يُعاض عن أعيانهما في المنتج أو العمل فتتعلق بهما زكاة التجارة في الصورة التي يذكرها. أما الحطب الذي يُستهلك في الخَبز والصابون والأشنان ونحوها في القصارة فليست مقصودة بالعوض بذاتها، وإنما هي وسائل للعمل، فتُلحق بأدوات الصنعة. ويَفرق كذلك بين تحويل مال القنية إلى التجارة وتحويل مال التجارة إلى القنية؛ فالأول لا يتم عنده بمجرد النية من غير فعل تجارة، أما الثاني فيكفي فيه قصد القنية لأنه تركٌ للتجارة لا إنشاء لعمل جديد.

ويُفرِّق بين المال المملوك بالوصية والموروث إذا اقترنت به نية التجارة؛ فالوصية تحتاج إلى قبول الموصى له، فدخل اختياره في سبب الملك وأمكن أن تقترن نية التجارة بسبب التملك، أما الإرث فيدخل الملك به من غير اختياره، فلا تُعطيه النية وحدها حكم عروض التجارة. كما يَفرق في الخرص بين الثمار والزروع؛ فيَجيز ترك قدر من الثمر لأكل صاحبه ومن يمر به استنادًا إلى الأثر والحاجة، ولا يَجري الحكم نفسه على الزرع الذي لم يرد فيه ذلك المعنى عنده.

ومن الفروق التي تكشف عنايته بسبب الزكاة: المال المغصوب أو المسروق الذي خرج من يد صاحبه وتعذر عليه تنميته لا يَجعل حكمه كمال صاحبه الذي مُنع هو من الوصول إليه مع بقاء المال تحت قدرته الحكمية وتصرف وكلائه؛ فالفرق عنده في استمرار التمكن من التصرف والإرصاد للنماء. وعلى هذا يَفرق أيضًا بين زكاة المال وزكاة الفطر عن العبد الآبق أو المغصوب؛ فالأولى مرتبطة بالمال النامي والقدرة على التصرف، أما صدقة الفطر فسببها ملك الشخص الذي تلزم مؤونته، والغيبة أو الإباق لا يزيلان أصل الملك.

ويَميز بين اجتماع زكاتين في محل واحد بحسب اختلاف سببهما؛ فتجتمع عنده زكاة الفطر عن عبيد التجارة مع زكاة قيمتهم، لأن الأولى متعلقة بالرأس والمؤونة والثانية بالمال النامي، بينما لا يجمع زكاة السوم وزكاة التجارة في الماشية على الوجه نفسه لأنهما متعلقان بالمال الواحد من الجهة المالية. كما يَفرق بين نقصان أصل النصاب ونقصان وصف السوم؛ فالنصاب أصل للوجوب، أما السوم فصفة، ولذلك يكون فقد الأصل أقوى أثرًا من تخلف الصفة زمنًا يسيرًا.

ويُظهر باب الصيام أثر النية واليقين والاحتياط في بناء الفروق؛ فالصوم الواجب لا يصح عنده إلا بنية من الليل، بينما يصح صوم التطوع بنية من النهار في الحدود التي يقررها؛ لأن النص الوارد في تبييت النية يُحمل على الواجب، مع ثبوت ما يدل على ابتداء النبي محمد صلى الله عليه وسلم صوم التطوع في أثناء النهار. ويَفرق كذلك بين استمرار نية الشهر وبين قطعها بالفعل؛ فمجرد الأكل ليلًا لا ينقض نية صوم اليوم، أما الإفطار في بعض أيام صوم نُوي متتابعًا فيؤثر في امتداد النية إلى ما بعده بحسب الصورة التي يشرحها.

ويَبحث إثبات الهلال، فيَفرق بين دخول رمضان وغيره من الشهور من جهة عدد الشهود، ويجعل قبول الواحد في هلال رمضان قائمًا على النص والاحتياط للعبادة، بينما يطلب العدد فيما يتعلق بالفطر. ويَستعمل قاعدة بقاء الأصل في الشك المتعلق بالليل والنهار؛ فالأصل بقاء الليل عند الشك في طلوع الفجر، كما أن الأصل بقاء النهار عند الشك في غروب الشمس، فيختلف الحكم تبعًا للوقت المستصحب لا لمجرد كون الآكل شاكًّا في الحالين.

ويُفرِّق بين الفرض والنفل في أثر نية الإفطار؛ فصوم الفرض يحتاج عنده إلى استمرار النية في جميع النهار، فإذا نوى قطعه بطل لفقد شرطه، بينما صوم التطوع أوسع لأنه يصح ابتداؤه بنية في أثناء النهار، فإذا زالت نية الإفطار وتجددت نية الصوم في وقت تصح فيه أمكن الحكم بصحته. ويَقارن كذلك بين التطوع بالصوم والتطوع بالحج والعمرة؛ فالحج والعمرة إذا دخل فيهما المتطوع لزمه الإتمام والقضاء عند الإفساد في الرواية التي اعتمدها، فلا يُسوَّيان بكل عبادة تطوعية في حكم قطعها.

ويَجعل للاعتكاف فروقًا تتعلق بدلالة النذر على الزمن؛ فمن نذر عددًا من الأيام مطلقًا لم تدخل الليلة الأولى في مجرد لفظ الأيام، وإنما قد تدخل الليالي المتخللة لتحقق التتابع، بينما من عيّن «العشر الأخير» أو مدة زمنية معينة انصرف نذره إلى المدة كلها من أولها إلى آخرها بلياليها. ويَفرق أيضًا بين نذر «العشر الأخير من الشهر» ونذر «عشرة أيام»؛ فالأول يتحقق بما بعد اليوم العشرين ولو كان الشهر ناقصًا، لأن هذا هو مدلول العشر الأخير، أما الثاني فيحتاج إلى عشرة أيام عددًا فلا يكتمل في شهر ناقص إلا بإضافة يوم.

ويَفتتح الحج بالفرق بين سفر المرأة للحج وسفرها للهجرة؛ فيشترط المحرم لسفر الحج في الحكم الذي يَقرره، بينما يَجيز لها الخروج مهاجرة من موضع لا تستطيع فيه إقامة دينها بغير محرم، لاختلاف الضرورة والمقصود. ويَفرق بين حجة الإسلام وحجة النذر في حق الزوجة، ثم بين الجمع بين حجتين أو عمرتين في إحرام واحد والجمع بين الحج والعمرة؛ فالحجتان لا يمكن المضي في أفعالهما معًا، بخلاف الحج والعمرة إذ يشتركان في أكثر أعمال القران، ولذلك صح اجتماعهما في إحرام واحد.

ويَبين الفرق بين إدخال الحج على العمرة وإدخال العمرة على الحج؛ فيجيز الأول قبل الطواف ويمنع الثاني، ويعلل بأن الحج أقوى وأشمل أعمالًا، فيُمكن أن تدخل العمرة الأضعف تحته ويَستفيد المحرم أعمالًا زائدة كالوقوف والرمي، بخلاف عكس ذلك. ثم يَجعل الفرق بين صيد البر وصيد البحر نصيًّا مباشرًا بما ورد في القرآن الكريم من إباحة صيد البحر للمحرم وتحريم صيد البر عليه.

ويَفصل في محظورات الإحرام بحسب حقيقة الجزاء؛ فإذا تكرر قتل الصيد وجب لكل صيد جزاؤه، بينما تتداخل عنده بعض كفارات المحظورات المتكررة من جنس واحد قبل التكفير. وسبب الفرق أن جزاء الصيد عنده أقرب إلى ضمان المال المتلف، فيتعدد بتعدد المتلفات، بينما الحلق والطيب واللباس ونحوها جزاء على الفعل نفسه فتجري فيها أحكام تداخل الكفارات. ويُقارن كذلك بين جزاء المال والصوم في اشتراك جماعة في قتل الصيد؛ فالمال بدل عن المتلف فيكفي بدل واحد موزع عليهم في الصورة المذكورة، أما الصوم فحق بدني ذو معنى عقابي فيستقل به كل مكلف.

ويَستعمل الفروق بين الحقائق المباشرة والأسباب؛ فمن أرسل كلبًا في الحل فطرد الصيد حتى قتله في الحرم لا يُسوِّيه بمن رمى سهمًا من الحل فأصاب الصيد في الحرم، لأن قوة الرامي متصلة بالسهم فالفعل مباشرة في حكمه، بخلاف فعل الكلب بعد الإرسال. كما يَفرق بين الشك بعد الفراغ من النسك وبين اليقين بوقوع الخلل مع الجهل بموضعه؛ فالشك الطارئ بعد الحكم بصحة العبادة لا يرفع اليقين السابق، أما إذا تيقن أن أحد طوافين وقع بغير طهارة ولم يعرف عينه، فقد ثبت الخلل قطعًا في واحد منهما فيلزمه ما يحقق براءة الذمة.

ويَفرق في الحج بين الإحرام المبهم والإحرام المبهم بالصلاة أو الصيام؛ فيصح أن ينوي الحج أو العمرة إحرامًا مطلقًا في أشهر الحج ثم يَصرفه إلى أحد الأنساك، لأن تعيين النسك ليس شرطًا في أصل انعقاد الإحرام عنده، بينما لا يَصح أن يدخل في صلاة أو صوم واجب بلا تعيين لما يؤديه. ويَفرق أيضًا بين الطواف والسعي في الطهارة؛ فيُلحق الطواف بالصلاة لاتصاله بالبيت وما ورد في شأنه، بينما لا يجعل الطهارة شرطًا في السعي لأنه نسك لا يتعلق بالبيت كوقوف عرفة.

ويُدقِّق أخيرًا في أثر الولاية والمال في عبادة الصبي؛ فالصبي المميز لا يَصح إحرامه بالحج عنده دون إذن وليه، بينما تنعقد صلاته بغير إذنه، لأن الحج يفضي إلى التزامات مالية ومحظورات قد تستوجب مالًا، فكان دخوله فيه متصلًا بتصرف لا يستقل الصبي به، بخلاف الصلاة التي لا يتوقف إتمامها على إنفاق المال.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

ابن سنينة السامري
محمد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن قاسم بن إدريس السامري الحنبلي، نصير الدين، المعروف بابن سُنَيْنَة، ولقب في أيام ولايته بمعظم الدين، فقيه فرضي من أعيان الحنابلة ومجتهدي المذهب. وُلد بسامراء سنة 535هـ، ونشأ مشتغلًا بطلب العلم حتى برع في الفقه والفرائض، وعُرف بحسن المعرفة بالمذهب والخلاف ودقة التفريق بين المسائل وصورها. أخذ العلم عن جماعة من علماء عصره، منهم إبراهيم بن دينار النهرواني، أبو حكيم، وكان من فقهاء الحنابلة البارعين في المذهب والخلاف والفرائض، ومحمد بن عبد الباقي البغدادي المعروف بابن البَطِّي، وكان من محدثي بغداد المشهورين، وعبد اللطيف بن إسماعيل بن أبي سعد، ضياء الدين، شيخ الرباط بالمشرعة شرقي بغداد. تولى السامري عددًا من المناصب؛ فولي القضاء بسامراء مدة، ثم ولي القضاء والحسبة ببغداد، فعُزل عن القضاء وبقي على الحسبة، ثم عُزل عنها وولي الإشراف على ديوان الزمام. وعُزل بعد ذلك من هذا المنصب وأُلزم بيته مدة، ثم أُذن له بالعودة إلى سامراء، فعاد إليها، وفي أواخر عمره رجع إلى بغداد وأقام بها حتى وفاته. لم يُذكر له مجلس تدريس منتظم، غير أن عددًا من أهل العلم اتصلوا به وانتفعوا منه؛ فنقل عنه المؤرخ تاج الدين ابن الساعي، ولقيه يحيى بن أبي منصور الحراني الحنبلي، المعروف بابن الصيرفي وابن الجيشي. كان للسامري مكانة بارزة في المذهب الحنبلي، فوُصف بالفقيه الفرضي، وبأنه شيخ جليل فاضل نبيل حسن المعرفة بالمذهب والخلاف، ووصفه ابن بدران بأنه «مجتهد المذهب». وظهرت منزلته أيضًا في اعتماد عدد كبير من فقهاء الحنابلة على كتبه ونقلهم أقواله وترجيحاته في مصنفاتهم. خلّف 3 مؤلفات رئيسة في الفقه والفرائض، هي «المستوعب» في الفقه، و«الفروق» في الفقه، و«البستان» في الفرائض، وقد سمي الأخير في بعض التراجم «البيان». ويُعد «المستوعب» أشهر آثاره وأهمها، وقد صنفه استجابة لطلب من سأله أن يؤلف كتابًا جامعًا في مذهب الإمام أحمد. جمع فيه مسائل عدد من الكتب المتقدمة في المذهب، منها «مختصر الخرقي»، و«التنبيه» للخلال، و«الإرشاد» لابن أبي موسى، و«الجامع الصغير» و«الخصال» للقاضي أبي يعلى، و«الخصال» لابن البناء، و«الهداية» لأبي الخطاب الكلوذاني، و«التذكرة» لابن عقيل، وأضاف إليها مسائل وروايات أخذها من «الشافي» للخلال و«المجرد» و«كفاية المغني» وغيرها. اعتنى في «المستوعب» بذكر الروايات والأوجه والأقوال في المذهب، ونقل أقوال كبار الحنابلة المتقدمين كالخرقي والخلال وابن أبي موسى والقاضي أبي يعلى وابن عقيل والأثرم وابن حامد وابن البناء وأبي الخطاب وابن شاقلا وأبي حكيم. وكانت له فيه ترجيحات خاصة، فيقول في بعض المسائل: «وهو الصحيح عندي»، أو «والتحقيق عندي». وقلل فيه من إيراد الأدلة قياسًا إلى كثرة المسائل، مع اشتماله على شيء منها. وقد صار الكتاب من المراجع المعتمدة لدى فقهاء الحنابلة، ونقل منه أصحاب «الفروع» و«تصحيح الفروع» و«القواعد» و«المبدع» و«كشاف القناع» و«شرح منتهى الإرادات» وغيرها. أما كتابه «الفروق» فصنفه كذلك استجابة لطلب بعض أصحابه، وجعله في المسائل التي تتشابه صورها وتختلف أحكامها، مبينًا الفروق بينها ومآخذ أحكامها وأدلتها وعللها؛ حتى يتضح للفقيه وجه القياس ولا يشتبه عليه إلحاق الفروع بالأصول. ورتبه على أبواب الفقه، وبدأ بالطهارة ثم الصلاة والزكاة والصيام والاعتكاف والحج، وجعل كل فصل غالبًا قائمًا على فرعين متشابهين في الصورة مختلفين في الحكم، ثم يبين الفرق بينهما، وقد يورد الاعتراضات ويجيب عنها. ووُصف هذا الكتاب بأنه نافع، وأن فيه مع «المستوعب» فوائد جليلة ومسائل غريبة. استمر السامري في التأليف والاشتغال بالفقه على الرغم من تقلبه في المناصب وما تعرض له من العزل والإلزام بالبيت، وظلت مصنفاته بعد وفاته من الكتب التي رجع إليها فقهاء المذهب الحنبلي. توفي محمد بن عبد الله السامري ببغداد ليلة 17 رجب سنة 616هـ، وقيل سنة 610هـ، والأشهر في ترجمته سنة 616هـ.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب الفروق على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (قسم العبادات) لابن سنينة السامري PDF - مكتبة الكتب الإسلامية