
نبذة عن الكتاب:
يُؤصِّل القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين ابن الفراء الحنبلي في كتاب «العدة في أصول الفقه» مسائل أصول الفقه على طريقةٍ تَجمع بين تحرير المذهب الحنبلي والمقارنة الواسعة بآراء الأصوليين، فلا يَقتصر على نقل ما رُوي عن الإمام أحمد بن حنبل، بل يَجمع الروايات المختلفة عنه، ويُدقِّق في طرق نسبتها إليه، ويَشرح وجه استخراج القول من نصه أو إشارته أو إيمائه، ثم يوازن بين الروايات ويُرجِّح ما يَراه ألصق بأصول مذهبه. ويَعرض إلى جانب ذلك مذاهب الشافعية والحنفية والمتكلمين وغيرهم، ويَسوق أدلة كل قول واعتراضات المخالفين وأجوبتها، حتى تتحول المسألة عنده إلى بحث مقارن في أصل الحكم وطريق إثباته، لا إلى مجرد تسجيل للأقوال.
ويَظهر هذا المنهج في بناء المسألة نفسها؛ إذ يبدأ بتحديد محل النزاع، ثم يذكر اختياره، ويَعرض الأقوال المخالفة، ويَستدل لما اختاره بالكتاب والسنة والإجماع والقياس وآثار الصحابة رضي الله عنهم، ويَستعين بدلالات اللغة وكلام العرب وأقوال أئمة العربية، ثم يَذكر الاعتراضات الموجهة إلى أدلته ويجيب عنها، وينتقل بعد ذلك إلى مناقشة حجج المخالفين. وإذا كان الخلاف لفظيًّا لا ثمرة له نَبَّه عليه، وإذا تشعبت المسألة فَصَل أطرافها حتى يتحدد موضع الخلاف، كما يَرد بعض الفروع إلى أصول أعم يَبني عليها حكمها.
ويَعتني أبو يعلى عناية خاصة بنصوص الإمام أحمد؛ فلا يَنقل الرواية مجردة عن طريقها، بل يَربطها براويها من أصحابه، فيقول: روى صالح، أو عبد الله، أو المروذي، أو غيرهم، ويَجمع في المسألة الواحدة أكثر من رواية إذا تعددت. فإذا أمكن معرفة المتقدم والمتأخر جعل المتأخر رجوعًا عن السابق، وإذا تعذر ذلك بقيت الروايات محفوظة بوصفها اجتهادات صدرت في أوقات مختلفة. وهذه العناية تمتد في آخر الكتاب إلى تفسير الألفاظ التي كان الإمام أحمد يَستعملها في أجوبته، مثل «أخشى»، و«أخاف»، و«أحب إلي»، و«أكره»، و«أعجب إلي»، وما يَدل منها على المنع أو الاستحباب أو الكراهة أو التحريم بحسب القرائن والنصوص الأخرى المنقولة عنه.
ويَفتتح مباحثه بجملة من التعريفات والمصطلحات التي يحتاج إليها الأصولي، فيُعرِّف العلم والفقه وأصول الفقه والدليل والأمارة والنص والعموم والظاهر والمجمل والمفسر والمحكم والمتشابه ومفهوم الخطاب ودليل الخطاب والتخصيص والنسخ، ثم الأمر والنهي والواجب والفرض والندب والطاعة والمعصية والعبادة والسنة والإباحة والحسن والقبيح والخبر والإجماع والحقيقة والمجاز والقياس والأصل والفرع والعلة والحكم. ولا تأتي هذه الحدود منفصلة عن العمل الأصولي، بل تُمهِّد للمباحث التي تُبنى عليها فيما بعد.
ويَرتب أبواب أصول الفقه ابتداءً بالأمر والنهي؛ لأنهما عنده من أبلغ منازل الخطاب في الإلزام، ثم يَنتقل إلى العموم والخصوص، والمجمل والمفسر، والناسخ والمنسوخ، والأخبار، وأفعال النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والإجماع، والقياس والاجتهاد وما يتصل بهما، وصفة المفتي والمستفتي، ثم الحظر والإباحة، ويؤخر بعض المباحث العقلية عما هو أشد اتصالًا بالاستنباط من الخطاب الشرعي.
ويُفصِّل في الأمر من جهة حقيقته وصيغته وعلاقته بإرادة الآمر، ثم يَبحث دلالته عند التجرد من القرائن، ويَختار أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، مع إثبات أن الندب يسمى أمرًا حقيقة أيضًا إذا قامت قرينة تصرف الصيغة إليه. ويَبحث الأمر الوارد بعد الحظر فيَحمله على الإباحة، ثم يَتناول التكرار والفور، فيَختار أن الأمر المطلق يقتضي التكرار والفعل على الفور، ويَبحث الأمر المعلق على شرط، وتكرر صيغة الأمر، وفوات وقت المأمور به، ودلالة الأمر على الإجزاء، ثم الواجب المخير والواجب الموسع وما يتصل بدخول النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو أفراد الأمة في الخطابات العامة.
ويَبني كثيرًا من اختياراته في الأمر على طريقة استدلالية تجمع استعمال العرب وفهم الصحابة رضي الله عنهم والقياس بين صيغ الخطاب. ففي مسألة الفور يَجعل المبادرة مقتضى الأمر المطلق، وفي التكرار يَستدل بما فُهم من بعض الأوامر الشرعية وبالمقابلة بين الأمر والنهي، ويرى أن الأمر إذا قُيد بمرة اقتصر عليها، أما إطلاقه فيبقى على مقتضاه الذي يَختاره.
ثم يَبحث النهي على موازاة الأمر، فيُفصِّل صيغته وما يَخرج إليه من معان بحسب القرائن، ويَختار أن النهي المطلق يقتضي المبادرة إلى الترك على الفور، كما يقتضي استمرار الامتناع وتكرره. ويَبحث أثر النهي في المنهي عنه، وما إذا كان يَرجع بالفساد على العبادة أو المعاملة، والفرق بين تعلق النهي بذات الفعل أو بوصف من أوصافه أو بسبب خارج عنه، مع إحالة بعض مسائل النهي على ما سبق تقريره في الأمر حتى لا يعيد الحجة نفسها.
ويَتناول العموم والخصوص من جهة صِيَغ العموم ودلالتها على الاستغراق، والعمل بالعام قبل البحث عن المخصص، والفرق بين العام والظاهر، ثم يَبحث المخصصات المتصلة والمنفصلة، والاستثناء والشرط والصفة، وتخصيص عموم الكتاب والسنة بالأدلة الأخرى. ويَجيز تخصيص العموم بالقياس في المواضع التي يصح فيها القياس، ويَرُد الاعتراض بأن العموم أقوى من القياس بأن التخصيص لا يُبطل أصل النص، وإنما يَكشف أن الفرد المخصوص لم يكن مرادًا بذلك العموم. كما يَجيز تخصيص عام السنة بخاص القرآن الكريم.
ويُفصِّل في المجمل والمفسر والبيان، ويَبحث المواضع التي يكون فيها الخطاب محتاجًا إلى بيان وكيف يقع البيان، ثم يَتناول جواز تأخير البيان، ويفرق بين ما يلزم المكلف العمل بظاهره قبل ورود البيان وبين ما لا يمكن العمل به لعدم اتضاح المراد. ويَجعل إمكان تأخير البيان من الأصول التي تفسر عنده ورود العام ثم مجيء ما يخصصه بعده من غير أن يتحول ذلك بالضرورة إلى نسخ.
ويَبحث الحقيقة والمجاز وما يتعلق باستعمال الألفاظ، ويَستعين في ذلك بالشعر والنثر وأقوال اللغويين والنحاة، كما يَتناول وقوع المجاز في القرآن الكريم، ودلالة الألفاظ العربية، وقيام بعض الحروف مقام بعض، وما إذا كان في القرآن لفظ غير عربي، والتفسير بالرأي والاجتهاد. وهذه المباحث اللغوية ليست عنده استطرادًا منفصلًا؛ لأنها تدخل مباشرة في تقرير العموم والخصوص، والحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، ومفهوم الخطاب، وسائر طرق الاستدلال بالنص.
ثم يُفصِّل في النسخ، فيَبحث حقيقته وشروطه، والفرق بينه وبين التخصيص، وما يجوز نسخه وما لا يجوز، ونسخ الأخف بالأثقل، ونسخ الحكم قبل التمكن من الفعل، وعلاقة القرآن الكريم بالسنة في النسخ. ويَقرر أن الإجماع لا يكون ناسخًا؛ لأن النسخ لا يكون بعد انقطاع الوحي، فإذا انعقد إجماع على خلاف حكم منقول سابق كان الإجماع دليلًا على وجود ناسخ شرعي، لا هو الناسخ نفسه.
ويَجعل للأخبار مساحة واسعة، فيَبحث الخبر المتواتر وخبر الواحد وما يحصل به العلم أو غلبة الظن، وشروط قبول الرواة، والمراسيل، ونقل الحديث وألفاظ التحمل والأداء، والرواية بالمعنى، وتجزئة الحديث واختصاره، وما يقع من تعارض الأخبار وطرق الترجيح بينها. ويَنقل في هذه الأبواب عددًا كبيرًا من نصوص الإمام أحمد المتعلقة بعلوم الحديث، حتى تتصل القاعدة الأصولية بممارسة المحدثين في قبول الروايات وردها. ويَظهر ذلك في مباحث نسيان الشيخ للخبر بعد روايته، وصيغ «حدثنا» و«أخبرنا»، والمراسيل، وتقطيع الحديث واختصاره.
ويَبحث أفعال النبي محمد صلى الله عليه وسلم من حيث دلالتها على الأحكام، وما كان منها بيانًا لمجمل أو امتثالًا لأمر، وما كان مجرد فعل لم تقترن به قرينة تدل على الوجوب. كما يَتناول ما يختص به صلى الله عليه وسلم وما تشترك فيه الأمة معه، والإقرار النبوي وما يَثبت به من الأحكام، ثم يُدخل هذه الدلالات ضمن البناء العام للأدلة الشرعية قبل الانتقال إلى الإجماع والقياس.
ويُفصِّل في الإجماع من جهة تعريفه وحجيته وأهله وشروط انعقاده، وما إذا كان سكوت بعض المجتهدين يَدخل في حقيقته، وإجماع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، وانقراض العصر، ومخالفة الواحد أو الاثنين، وما يترتب على حدوث قول جديد بعد استقرار الخلاف. ويَشترط فيمن يُعتبر قوله في الإجماع أن يكون من أهل الاجتهاد حقيقة، قادرًا على فهم الفروع وعللها ورد نظائرها إلى أصولها؛ فمجرد معرفة اللغة أو الحساب أو حتى جملة من أصول الفقه لا تكفي من غير ملكة النظر في الأحكام والفروع.
ويَبحث قول الصحابي رضي الله عنه ومنزلته بين الأدلة، وما إذا كان حجة على من بعده، وعلاقة ذلك بالاجتهاد والقياس. كما يَناقش التقليد، ويفرِّق بين العامي والعالم الذي يملك آلة النظر، ويَجعل تميز العالم عن العامي قائمًا على امتلاكه أدوات الاجتهاد ومعرفة طريق الحكم، لا على مجرد حفظ الأقوال.
ويُوسِّع الكلام في القياس باعتباره أصلًا مركزيًّا في رد الفروع إلى الأصول، فيُعرِّف القياس والأصل والفرع والعلة والحكم، ويَبحث العلة الواقفة والمتعدية، وشروط صحة القياس، وطرق إثبات العلة، وما يقدح فيها، والتعارض بين القياس وغيره من الأدلة. ويُناقش مخالفي القياس، ويَحمل ما رُوي عن بعض السلف من ذمه على القياس المخالف للنص، لا على إبطال الاجتهاد ورد النظائر إلى أصولها مطلقًا.
ويتصل بالقياس عنده بحث الاجتهاد؛ فالمجتهد لا تكفيه معرفة القواعد المجردة، بل لا بد أن يَعرف أحكام الفروع ومعانيها وعللها حتى يستطيع رد النظير إلى نظيره. ولذلك يَجعل معرفة أصول الفقه جزءًا من آلة الاجتهاد لا جميعها، ويَبحث شروط المجتهد، والاجتهاد في الحوادث، وتصويب المجتهدين وتخطئتهم، وتقليد العالم أو العامي، ثم صفة المفتي والمستفتي وآداب الفتوى وطرق استخراج الحكم.
ويُعنى في مباحث الاجتهاد كذلك بفهم اختلاف الروايات والأقوال؛ فلا يَقبل أن يكون القولان المتضادان صحيحين في المسألة الواحدة في وقت واحد، ويَناقش العبارة التي يُحكى بها عن المجتهد قولان، ثم يُفرِّق بينها وبين تعدد الروايات عن الإمام أحمد؛ لأن الروايتين عنه قد تَصدران في وقتين مختلفين، ويكون المتأخر رجوعًا عن المتقدم إذا عُرف التاريخ، أما إذا جُهل المتقدم والمتأخر بقي النقلان محفوظين لعدم وجود ما يُعيِّن الناسخ منهما.
ويَختم أبو يعلى كتابه بتحرير دلالات ألفاظ الإمام أحمد في الفتوى؛ فيَبحث «أخشى» و«أخاف» وما يَقرب منهما، ثم «أحب» و«لا أحب»، والكراهة، و«أعجب إلي». ويَجعل القرائن والنصوص الأخرى المنقولة عن الإمام هي التي تُحدِّد قوة هذه العبارات؛ فلفظ «أكره» مثلًا قد يُراد به التحريم إذا ثبت عنه في المسألة نفسها نص صريح بالتحريم، وقد يُحمل على التنزيه إذا لم توجد تلك القرينة، أما «أعجب إلي» فيدل عند الإطلاق على الاختيار والاستحسان لا على الإيجاب أو التحريم. وينتهي متن «العدة» عند هذا التحرير لدلالات ألفاظ الفتوى.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














