
نبذة عن الكتاب:
يَبحث عابد بن محمد السفياني في كتاب «الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية» خاصيتين يَعدُّهما من أبرز خصائص الشريعة: ثبات أحكامها واستمرار حجيتها، وشمولها لما يحتاج إليه الناس في حياتهم المتجددة، ثم يَدرس العلاقة بين الخاصيتين وكيف يمكن للشريعة أن تبقى ثابتة مع تغير الوقائع والأحوال دون أن يؤدي ذلك إلى الجمود أو إلى فتح باب تبديل الأحكام. ويَبني البحث على أن مصدر التشريع هو الله تعالى وحده، وأن انتهاء الوحي بخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم يعني انتهاء إنشاء الأحكام بطريق الوحي والنسخ والتبديل، بينما يظل الاجتهاد طريقًا للكشف عن حكم الشريعة في الوقائع الجديدة وإدخالها تحت نصوصها وكلياتها وقواعدها. وأصل الكتاب رسالة دكتوراه في الشريعة الإسلامية، فرع الفقه والأصول، قدمها المؤلف إلى كلية الشريعة بجامعة أم القرى.
ويَنطلق المؤلف من التمييز بين الحركة المستمرة في حياة الإنسان وبين ثبات المرجعية التي تضبط هذه الحركة؛ فالإنسان والكون من حوله في تغير وتجدد، وتتنوع المجتمعات وأحوالها ووسائلها وحاجاتها، إلا أن هذا التجدد لا يقتضي عنده تبدل القيم والأصول الشرعية بحسب كل عصر. ويرى أن الأحكام الشرعية بما تشتمل عليه من ثبات وشمول وحركة في مجال التطبيق وامتداد في مجال الاجتهاد هي التي تضبط هذا الواقع المتغير، وأن الإشكال ينشأ حين يُتصور الثبات على أنه نقيض القدرة على الاستجابة للوقائع الجديدة، أو يُجعل الشمول مبررًا لإعادة إنشاء الأحكام بحسب الأهواء والمصالح المتصورة.
ويَجعل قضية «التبديل» محورًا مهمًّا في تفسير سبب اختياره للموضوع؛ فيرى أن حفظ نصوص الكتاب والسنة لا يمنع وقوع الانحراف في تفسيرها أو تبديل المفاهيم الشرعية المرتبطة بها، وأن الخطر قد يأتي من تغيير معاني السنة والبدعة والمعروف والمنكر والحلال والحرام مع بقاء الانتساب الظاهري إلى النصوص. ويَربط ذلك بما وقع قديمًا من خلافات فكرية ومناهج كلامية، وبما يراه من تأثير المذاهب الفكرية الحديثة والاستشراق والعلمانية في الدراسات الإسلامية، ولا سيما حين تُمنح للعقل سلطة الحكم على النص أو تعطيل مقتضاه بدعوى المصلحة أو تغير العصر.
ولهذا لا يَدرس المؤلف الثبات والشمول بوصفهما وصفين نظريين منفصلين عن أصول الاستدلال، بل يَجعل الوصول إليهما متوقفًا على تحديد المنهج الذي يُفهم به الكتاب والسنة وتُستخرج به الأحكام. ويُصرِّح بأن من دوافع البحث تزعزع مفهوم ثبات الشريعة عند بعض الدارسين، والاضطراب في منزلة العقل من النص، ثم انتشار أقوال تتعلق بظنية الأدلة، وطبيعة الاجتهاد، ودلالة العموم، والقياس، والمصلحة، والإجماع؛ ولذلك يتتبع هذه الطرق بوصفها أدوات عملية تكشف كيفية تحقق الشمول من غير أن يُفهم منها جواز تغيير الأحكام الثابتة.
ويُمهِّد لذلك بتحديد عدد من المصطلحات التي يرى أن الخلط بينها سبب جانبًا من الاضطراب، وعلى رأسها «الشريعة» و«الفقه» و«علم الكلام». ويؤكد أن وصف الشريعة بالثبات والشمول لا يعني أن كل قول فقهي صادر عن مجتهد يتصف بالدرجة نفسها من الثبات؛ فالشريعة عنده هي الوحي وما ثبت دلالته الشرعية، أما الفقه فهو ثمرة اجتهاد البشر في فهم هذا الوحي، ولذلك قد يصيب المجتهد وقد يخطئ، وقد تتعدد أنظار الفقهاء في المسألة الواحدة. ومن هنا يرفض في الوقت نفسه إسقاط الصفة الشرعية عن الفقه كله بدعوى أنه عمل بشري، كما يرفض جعل كل اجتهاد فقهي بمنزلة النص الذي لا يقبل المراجعة والتصحيح.
ويُقدِّم للبحث أيضًا بالكلام على أن التشريع حق لله تعالى، ويَربط هذا الأصل بتوحيد العبادة والطاعة؛ فالله تعالى هو الخالق والمالك والمدبر، ومن ثم له الأمر والحكم، والرسل عليهم السلام مبلغون عنه ومتبعون لوحيه لا يملكون تبديله من تلقاء أنفسهم. ويستدل لذلك بجملة من الآيات، وينقل عن الشافعي والشاطبي وابن تيمية وغيرهم ما يقرر خضوع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم نفسه للوحي الذي أُرسل به، وأن وظيفة البشر بعده هي الاتباع والاجتهاد في معرفة حكم الله تعالى، لا إنشاء دين جديد أو تبديل أحكام الشريعة.
ويَستخلص من هذا الأصل أن حق النسخ والتبديل تابع لحق إنشاء الحكم؛ فلما كان التشريع لله تعالى وحده كان النسخ والتغيير التشريعي كذلك، ومع انقطاع الوحي انقطع النسخ، وبقي ما ثبت من الشريعة حجة إلى قيام الساعة. ويَقرر أن الشريعة وُضعت على الكلية والأبدية، ولذلك لا يرتبط حكمها بالجيل الذي نزلت فيه ولا بالبيئة الأولى وحدها، بل تظل مرجعية للأجيال اللاحقة مهما تغيرت أدوات الحياة وصورها.
ثم يَنتقل إلى تحديد مقصوده من «الثبات»، فلا يجعله مجرد بقاء ألفاظ النصوص محفوظة، وإنما بقاء الحكم الشرعي الصحيح حجة لا يملك أحد إبطاله لمجرد تبدل الأهواء أو الأعراف أو الأنظمة البشرية. فالحكم الذي ثبت بدليل شرعي معتبر لا يتحول إلى نقيضه لأن الناس استحسنوا غيره، ولا تصبح المصلحة المدعاة في ذاتها مصدرًا يعلو على النص؛ وإنما تكون الأحوال المتغيرة مجالًا لتحقيق المناط أو تنزيل الحكم أو الاجتهاد فيما لم يرد فيه حكم جزئي مخصوص. ومن هذا المنطلق يجعل حفظ الكتاب والسنة وحفظ علوم العربية والحديث والفقه وأصول الاستدلال جزءًا من حفظ الشريعة نفسها من التبديل.
أما «الشمول» فيُراد به عنده امتداد الشريعة إلى جميع ما يحتاج إليه المكلفون من عقائد وأحكام وتنظيم لشؤون الحياة، وإمكان استيعاب الوقائع المتجددة تحت نصوصها وكلياتها وطرق الاجتهاد فيها. ولا يَعني الشمول في تصوره أن القرآن والسنة ينصان بالاسم على كل حادثة جزئية ستقع إلى يوم القيامة، وإنما أن بنية التشريع نفسها اشتملت على النصوص الخاصة والعمومات والكليات والعلل والمصالح الشرعية وطرق الإلحاق التي يستطيع المجتهد بواسطتها معرفة حكم الحوادث الجديدة. ولذلك يَجعل الاجتهاد أداة ظهور هذا الشمول في الواقع، لا وسيلة لإعادة صياغة الشريعة من جديد.
ويُخصِّص قسمًا للاحتجاج بالأدلة النقلية، ويقصد بها نصوص الكتاب والسنة، متواترها وآحادها، لأن تقرير حجيتها عنده لازم قبل الكلام على طرق الاجتهاد المستخرجة منها. ويَناقش ما شاع في بعض المؤلفات الأصولية والكلامية من إطلاق القول بأن الأدلة النقلية لا تفيد العلم، ويرى أن هذا التعميم يؤثر في تصور ثبات الشريعة؛ إذ لا يمكن بناء الاعتقاد بحجية الأحكام واستمرارها على منهج يضعف الثقة بمصادرها الأصلية على وجه مطلق. ولذلك يتتبع موقف الصحابة رضي الله عنهم والسلف والأئمة من النصوص وكيف كانوا يتلقونها بالقبول ويَبنون عليها الاعتقاد والعمل.
ويَجعل الاجتهاد أول الطرق الكبرى التي يدرس من خلالها العلاقة بين الثبات والشمول، فيَبحث حكمه وحكمته وأنواعه وشروطه وضوابطه، ثم أثر الالتزام بهذه الضوابط أو الإخلال بها. ويَعرض الاجتهاد باعتباره وظيفة لازمة لاستمرار تنزيل الشريعة على الوقائع، فالنص ثابت بينما الحوادث لا تنتهي، ولا بد من مجتهد يفهم النصوص والكليات ويعرف مواقع تنزيلها. لكنه يَشدد في المقابل على أن المجتهد ليس مشرعًا مستقلًّا؛ فمهمته طلب الحكم الشرعي والكشف عنه، لا صناعة الحكم وفق ما يراه مناسبًا بمعزل عن الأدلة.
ويُفرِّق في هذا السياق بين أنواع العمل الاجتهادي، ويتناول تنقيح المناط وتخريجه وتحقيقه، ويَشرح كيف تسمح هذه المسالك بإلحاق الوقائع الجديدة بالأحكام الثابتة. فالحادثة المستجدة قد لا تكون مذكورة باسمها في نص، لكن معناها أو علتها أو وصفها المؤثر يمكن أن يرد إلى أصل شرعي معلوم، وبذلك لا تكون جدة الصورة مساوية لجدة الحكم من أساسه. ويعتبر هذا الانتقال من النصوص والكليات إلى الجزئيات المتجددة من أهم مواضع اجتماع الثبات والشمول: الأصل باق، بينما تتجدد الصور التي ينزل عليها.
ثم يَبحث العموم بوصفه أحد أبرز مظاهر الشمول التشريعي؛ فاللفظ العام يستطيع أن يشمل أفرادًا غير متناهية لم تكن موجودة عند نزول النص، كما أن الكليات الشرعية تندرج تحتها صور حادثة متجددة. ويُميِّز بين العموم اللفظي الذي تدل عليه الصيغ العامة، والعموم المعنوي المستفاد من مجموع النصوص والمقاصد والقواعد، ويرى أن كليهما يسمح بامتداد الحكم إلى أزمنة وأمكنة وأشخاص وحوادث لم تقع من قبل. ولهذا يَعقد صلة بين «الإعجاز الكوني» و«الإعجاز التشريعي»، ويقرر أن الكمال والثبات والشمول أوصاف مترابطة، لأن نقصان الشمول أو زوال الثبات ينافيان تمام الشريعة في تصوره.
ويُوضِّح أن المجتهد لا يَحتاج عند كل واقعة جديدة إلى إنشاء أصل جديد، بل يبدأ بالنظر في العمومات الموجودة؛ فما اندرج تحت عموم لفظي أخذ حكمه منه، وما اندرج تحت كلية شرعية دخل في عمومها المعنوي. ويَرى في هذه العمومات موردًا لا ينفد لاستخراج الجزئيات؛ فهي ألفاظ وقواعد محدودة من حيث الصياغة، لكنها تتناول أعدادًا غير محصورة من الصور، وبذلك يتحقق الشمول مع بقاء النص نفسه ثابتًا.
ويَنتقل بعد العموم إلى القياس، فيَبحثه باعتباره وسيلة لإلحاق حادثة لا نص خاص فيها بأصل منصوص لاشتراكهما في علة الحكم. وتنبني قيمة القياس عنده على أن النص الشرعي لا ينحصر أثره في الواقعة الأولى التي ورد فيها، بل قد يشتمل على معنى مناسب يتعدى إلى غيرها. ومن هنا يكون القياس عند المؤلف أحد الأدوات التي تحفظ للشريعة قدرتها على استيعاب الوقائع المتجددة؛ فالفرع الجديد لا يُترك بغير حكم، ولا يُشرع له حكم من خارج الشريعة، وإنما يرد إلى أصل ثابت تشترك معه صورته الجديدة في العلة الشرعية المؤثرة.
ويَعتني في بحث القياس بضرورة ضبط العلة وعدم جعل الأوهام أو الأهواء أساسًا للإلحاق، لأن القياس الذي يحقق الشمول هو القياس المنضبط بأصول الشرع. ويَناقش الاتجاهات التي توسع دائرة العقل على حساب النص أو تجعل مجرد المناسبة العقلية مستقلة في إثبات الحكم، ويَربط الخطأ في تصور القياس بخطر تحويله من طريق لكشف الحكم إلى طريق لإنشائه. ولهذا تظل عنده قوة القياس ناشئة من أصله الشرعي، لا من استقلال عقل المجتهد بتحديد الحلال والحرام.
ويُفرد للمصلحة بحثًا واسعًا بسبب ما يراه من كثرة الاضطراب فيها، ويَبدأ بتعريفها وتحديد ضوابطها، ثم تقرير أن العقل لا يستقل بإدراك المصالح والمفاسد على وجه يجعله حاكمًا على الوحي. ويَبحث بعد ذلك كيفية تحقق الشمول بواسطة المصلحة الشرعية، فيورد تطبيقات لوقائع لم تدخل مباشرة تحت عموم لفظي أو قياس جزئي، ولكنها أمكن أن تُرد إلى مصلحة شهد الشرع لنوعها أو جنسها، سواء استندت إلى أصل معين أو إلى أصل كلي.
ويَضع فارقًا حاسمًا بين «المصلحة الشرعية» وبين دعوى المصلحة التي تُستخدم لنقض حكم ثابت؛ فالأولى طريق اجتهاد داخل حدود الشريعة، والثانية تتحول عنده إلى وسيلة للتبديل إذا قُدمت على النص. ولهذا يَناقش القول بتغير بعض الأحكام في المعاملات والنظام الاجتماعي بمجرد تغير المصلحة، ويحاول أن يَثبت أن تغير الوقائع والمناطات لا يستلزم تغير الأحكام الشرعية الثابتة، بل قد يترتب عليه اختلاف الحكم لأن الواقعة الجديدة لم تعد هي الواقعة نفسها من حيث الوصف الشرعي. ويَجعل هذه الدقة ضرورية للتمييز بين تنزيل حكم مختلف على مناط مختلف وبين القول بأن الحكم الشرعي ذاته فقد صلاحيته.
ويَناقش ضمن ذلك فكرة تغير الأحكام بتغير الزمان، فيسعى إلى تحرير معناها حتى لا تُفهم على أن الزمان نفسه ينسخ حكم الشارع. فالمتغير عنده قد يكون العرف أو الحال أو الوصف أو المناط الذي عُلّق عليه الحكم، فإذا تغير السبب أو الوصف المؤثر تغيرت صورة المسألة وحكمها تبعًا للأصل الشرعي نفسه، أما الحكم الثابت في محله وبشروطه فلا يصبح باطلًا لأن عصرًا جديدًا جاء بعد عصره. وبهذا يجعل قاعدة الثبات ضابطًا لاستعمال المصلحة والعرف والتغير الاجتماعي، لا مانعًا من اعتبارها حين يُقرها الشرع.
ويَختم طرق الاجتهاد الكبرى بالإجماع، فيَبحث منزلته وحجيته، ثم يَدرس صلته بالثبات والشمول. ويرى أن اتفاق مجتهدي الأمة على حكم يكشف عن ثبات ذلك الحكم ويمنع نقضه باجتهاد لاحق، وفي الوقت نفسه يكون الإجماع ثمرة عمل اجتهادي في واقعة معينة استند المجتهدون فيها إلى نص أو أصل أو مصلحة شرعية، وبذلك تدخل الواقعة تحت حكم الشريعة ويتحقق جانب من الشمول. فالعصمة التي يثبتها المؤلف للإجماع تقتضي عنده ثبات الحكم المجمع عليه، بينما عملية الاجتهاد التي سبقته هي التي مكّنت من إدخال الواقعة في النظام الشرعي.
ولا يَقف عند الأحكام المجمع عليها، بل يَبحث أيضًا ما لم يقع فيه إجماع، لأن الجزء الكبير من الفقه ثمرة اختلاف أنظار المجتهدين. وهنا يعود إلى التمييز بين الشريعة والفقه؛ فوجود الاختلاف الفقهي لا يعني تغير الشريعة نفسها، وإنما يدل على تعدد الاجتهاد في الكشف عن حكمها في بعض المواطن. ويَسعى إلى تحديد منزلة هذه الأحكام الاجتهادية بين طرفين: طرف يجعل كل رأي فقهي ثابتًا لا يجوز تصحيحه أو مراجعته، وطرف يَسلب الفقه صلته بالشريعة بحجة أنه عمل بشري محض.
ويَربط المؤلف هذه المباحث جميعًا بإشكال معاصر يشغل مساحة واضحة من الكتاب: كيف تواجه الشريعة مجتمعات تتغير صناعاتها ووسائلها وعلاقاتها الاقتصادية والاجتماعية بسرعة كبيرة؟ ويَرفض أن يكون التطور المادي دليلًا على انتهاء صلاحية الأحكام الشرعية، كما يرفض أن تكون الاستجابة للتطور بتبديل المرجعية نفسها. فالجواب الذي يبنيه عبر الكتاب هو أن الشريعة ثابتة في مصدرها وأحكامها المقررة، وشاملة بما اشتملت عليه من عمومات وكليات وعلل ومصالح معتبرة ومناهج اجتهاد تُمكِّن من بيان حكم صور لم يعرفها السابقون.
ويَتخذ الكتاب في جانب مهم منه طابعًا نقديًّا؛ إذ لا يكتفي بإثبات تصور المؤلف للثبات والشمول، بل يناقش ما يراه من آثار المنهج الكلامي والعقلي القديم، ثم امتداد بعض هذه الآثار في الكتابات الحديثة، ويتعرض لآراء باحثين في الفقه والأصول ومستشرقين ومفكرين معاصرين، ويربط بين مناهجهم في الاستدلال وبين النتائج التي انتهوا إليها بشأن تغير الشريعة أو محدودية النصوص أو سلطة المصلحة. وقد صرّح في منهجه بأنه يَعالج الآراء المخالفة ويردها إلى أصولها، ويبحث أسباب انتشارها وآثارها، مع توثيق الأقوال من مصادر أصحابها والرجوع في المسائل الأصولية والفقهية إلى كتب أهلها.
ويُبرز في المقابل ما يراه منهجًا شرعيًّا موروثًا عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وأئمة السلف، قائمًا على تقديم الوحي، وفهم النصوص بحسب دلالاتها، ورد الجزئيات إلى الكليات، واستعمال العقل داخل حدود الاستدلال الشرعي لا فوقها. والعقل في هذا التصور ضروري للفهم والاجتهاد وتحقيق المناط والموازنة بين الأدلة، لكنه لا يتحول إلى مصدر مستقل يبيح إلغاء نص ثابت؛ وبهذا يحاول المؤلف أن يضع حدًّا فاصلًا بين الاجتهاد الذي يوسع مجال تطبيق الشريعة وبين التبديل الذي يغير مرجعيتها أو أحكامها.
ويَنتهي مسار البحث إلى أن الثبات والشمول ليسا صفتين متعارضتين يحتاج الباحث إلى التضحية بإحداهما لمصلحة الأخرى؛ بل يجعل المؤلف الثبات نفسه قاعدة للشمول. فلو كان الأصل الشرعي يتبدل مع كل واقعة لم تعد هناك قاعدة ثابتة يمكن القياس عليها أو رد الحوادث إليها، بينما ثبات النصوص والكليات والعلل الشرعية هو الذي يمنح المجتهد أساسًا يستطيع أن يُلحق به الصور غير المتناهية. وفي المقابل فإن الشمول يمنع أن يُفهم الثبات على أنه حصر للشريعة في صور تاريخية محددة؛ لأن طرق الاجتهاد التي درسها الكتاب -العموم والقياس والمصلحة الشرعية والإجماع وما يتصل بها- تظل عاملة في إلحاق المستجدات بأحكام الوحي. وبذلك يَجعل السفياني قضية «الثبات والشمول» بحثًا في طبيعة الشريعة نفسها وفي المنهج الذي ينبغي أن يُقرأ به نصها وتُستخرج به أحكامها، لا مجرد دفاع نظري عن صلاحيتها لكل زمان ومكان.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














